صناعة الطفل المبدع

عندما صرخت معلمتي في وجهي وأنا بعد في السابعة قائلة: أنتِ ممثلة فاشلة

Latest posts by عفت بركات (see all)
هل أنت مبدع؟

هل الإبداع استعدادٌ؟ أم عملية إنتاجية؟ أم نتيجة تفاعل العوامل البيئية؟ أم أنه أثر من آثار العوامل الوراثية؟

 تتعدد الأسئلة لكن الإبداع في النهاية هو وحدة متكاملة لمجموعة العوامل الذاتية والموضوعية التي تقود إلى تحقيق إنتاج جديد وأصيل وذي قيمة لدى الفرد والجماعة إذا توفرت له الطلاقة والمرونة والأصالة.

فالطلاقة هي القدرة علي إنتاج كمية كبيرة في فترة زمنية محددة، سواءً أكانت طلاقة لفظيّة أم فكريّة أم تعبيريّة. والمرونة تعني الانتقال من موقف إلى آخر والتعامل معها جميعًا بالقدرة على استجابات متنوعة. بينما الأصالة هي قدرة الفرد على توليد فكر جديد.

يأتي المعنى اللغوي للإبداع من “أبْدع”، وعند الفلاسفة هو إيجاد الشيء من عدم، وهو قوة الابتكار والخلق. والبديع بلاغة اشتمال الكلام على عدة ضروب من الفلسفة والتصوف.

وبدع أسلوبًا جديدًا أي خلقه وابتكره على غير مثال. وأبدع الله الكون أي خلقه وأوجده من العدم، وتفكير إبداعي أي خلاّق أصيل، وأبدع الصانع أي أجاد وأتقن، وأبدع الشاعر تعني أتى بالجديد.

فالإبداع يكمن وجوده في مجالات النشاط الإنساني كافة، كالفنون بأشكالها والعلوم والأعمال والألعاب أيضًا.

وجميع الناس لديهم قدرات إبداعية بنسب متفاوتة، والثقافة التربوية تتضمن توازنًا بين تعليم المعرفة والمهارات وتشجيع الإبداع، ولم يقصد بالإبداع تعليم شكل من أشكال الفنون، أو محاكاة فن ما فقط، بل هو طريقة التفكير بشكل غير نمطي؛ ولذا فالخيال أهم من المعرفة. والأطفال الذين يمتلكون طاقات إبداعية هم في الأساس يمتلكون خيالًا خصبًا.

■ تدريبات الدخول إلى ورشة التخيل

وهذا ما يجب تطويره لديهم من خلال المنهج الإبداعي لتحفيز مستويات أعلى من التفكير الذاتي.

وهناك العديد من المظاهر الإبداعية عند الأطفال الصغار إذا طورت إلى أكثر مما هو موجود في الواقع سيصلون إلى مرحلة أفضل مما نقف عندها الآن.

ما بين الابتكار والإبداع

تعليم الأطفال في الطفولة المبكرة في الفترة ما بين عامين إلى ثمانية أعوام فكرة عالمية، ورغم كونها نافعة ومعاصرة ومناسبة للعديد من المجالات التربوية والاقتصادية فأنها تؤكد أن الإبداع قائم في جميع ميادين الحياة، ولا بد من تقويته في السنوات الأولى من عمر الطفل. فكثير من المعلمين والآباء ينظرون إلى الإبداع على أنه مرتبط بالفنون بشكل رئيسي، ولذا فإن فرصة الأطفال في أن يكونوا مبدعين في المستقبل محدودة بسبب الطريقة التي يتم التعامل معهم من خلالها.

فهل هناك فرق بين الإبداع والابتكار؟

المبدع عند بيكاسو (وعاءٌ مليء بالانفعالات التي تأتيه من كل المواقع، من السماء والأرض، من قصاصات الورق ومن شكل عابر، أو من نسيج عنكبوت. والمبدع يودع ما يرى أو يسمع أو يقرأ ليتخفف من وطأة الانفعالات وازدحام عقله بالرؤى).

فالإبداع بهذا المعنى يُعد مظهرًا من مظاهر خصوبة التفكير، بل إنه فكر خصب، فبيكاسو مثلًا لم تقم شهرته على لوحة واحدة فقط، بل إن لوحاته التي تزيد على المئات كانت كل واحدة منها تحفل بالعديد من المنبهات والألوان والصفات، ولم يعرف شكسبير بـ”هاملت” فقط؛ فقد كتب العديد من التراجيديات الخالدة.

ولذا يعتبر الإبداع إحدى المهارات الحياتية الأساسية التي يجب على الأطفال تطويرها من سن مبكرة، بينما الابتكار، من وجهة نظر المحلّلين النفسيين، هو تعبير عن حيل دفاعية تسمى بالإعلاء، وعن طريق هذه الحيل الدفاعية يعبر الفرد عن طاقاته الجسدية والنفسية. وهو استمرار اللعب الخيالي الذي بدأه المبتكر مذ كان طفلًا صغيرًا، وهكذا يصبح الابتكار تعبيرًا عن محتويات لا شعورية مرفوضة اجتماعيًا في صورة يقبلها المجتمع، وهو وسيلة لإيجاد حلول جديدة للتحديات التي نواجهها.

كما يُعرف بأنه ملاحظة وتوليد أفكار جديدة من خلال توافر وجهات نظر متباينة وتنسيق الأفعال الضرورية لتنفيذ هذه الأفكار وترجمتها إلى ابتكار.

ويرجع الفضل في الكشف عن قدرات التفكير الابتكاري إلى “جيلفورد” في تصوره لبنية العقل، فيما يسمى بقدرات التفكير التباعدي ببعديه: المعرفي والإنتاجي.

وقبل أن نعرف إذا ما كان الإبداع صناعة أم قدرة تلقائية، نؤكد على أن كلًا منا لديه طاقات هائلة وأذهان مرنة، وقدرة كبيرة على التغيير والتعلم، فكل مخ إنساني يضم مائة بليون خلية مخية (عصبونات) ويمكن لكل عصبون أن يقيم روابط مع آلاف أو عشرات الآلاف من العصبونات الأخرى.

ورغم ذلك فلا يقدر الكثيرون منا طاقتهم الإبداعية حق قدرها، وهو ما يرجع إلى أنهم لم يحاولوا من قبل أن يكونوا مبدعين، أو أنهم واجهوا عقبات تربوية أو بيئية عندما حاولوا ذلك فأصابهم (الإحباط) أو لأنهم يؤمنون بأن التفكير الإبداعي تم حجزه حصريًا للآخرين. وربما استسلموا لأول رأي سلبي تعرضوا له من شخص وثقوا فيه، كما حدث لي في طفولتي عندما صرخت معلمتي في وجهي وأنا في السابعة من عمري لتخبرني بأنني ممثلة فاشلة، واستبعدتني من الفريق المسرحي، فبكيت وهجرت خشبة المسرح خمسة عشر عامًا كاملة لأنني صدقت ما قالته لي. ولم أتخيل أني سأصبح في يوم ما بطلة فرقة مسرحية وممثلة أولى في عروض عديدة بالمهرجانات.

فإذا كنا حتى الآن لا نزال نعتقد أن التفكير الإبداعي شيء خاص بالآخرين، فقد حان الوقت لأن تدرك أنه بإمكانك تدريب نفسك على التفكير بطريقة أكثر إبداعًا، فإذا شعرت فعلًا بالثقة الكاملة في طاقتك الإبداعية فإنه يمكنك أن تطوِّر قدراتك لتصل إلى مستوى أعلى.

■ تطبيق حصة الأحلام في فصول مختلفة
النمو الإبداعي للأطفال:

إن آباء الأطفال المبدعين لا يميلون إلى التسلط، ويتيحون لأبنائهم فرص اتخاذ القرار الذي يرونه مناسبًا، كما يتيحون لهم الفرص لاكتشاف البيئة من حولهم. علاوة على توفير مجموعة من برامج التربية المنزلية، والنشاطات المخصصة للإبداع.

وهؤلاء الآباء يفضلون أسلوب التوجيه والإرشاد، ونادرًا ما يلجأون إلى العقاب بصورة عامة.

والإبداع في مفهومه أوسع من مفهوم الذكاء، فالذكاء يركز على الإنتاج الممتاز وهو ليس مهمة سهلة. وواجب الخبراء تربية خيال الأطفال وتطويره بالمبادرة والتعبير والإبداع الذاتي، ومعرفة كيف تكون تربية الطفل إبداعيًّا، ولماذا. وإدراك ليست رسالة الروضة، أو الأسرة فحسب، بل المجتمع أيضًا. فالإعلام والصحة والتعليم وأجهزة الدولة كافة مسؤولة عن زيادة قدرة أطفال اليوم ورجال المستقبل على الإسهام النشط في حياة مجتمعهم، ومشاركتهم الفعّالة في دفعه نحو التقدم.

لذلك ينبغي الاستعداد بكل ما نملك من عقول مبتكرة ومبدعة لمواجهة ما يحمله هذا القرن من تحديات، وما يحتويه من مشكلات لتهيئة الظروف المناسبة كي يكون طفلنا قادرًا على التفاعل الإيجابي مع مستجدات هذا القرن.

يؤكد أخصائيو التربية وعلم النفس أن التربية الإبداعية للطفل في سن مبكرة تعتبر علاقة يغلب عليها الحب والتسامح والحرية، وتتسم بالدفء العاطفي لتحقيق سلوك متوقع، ولتفهّم سلوك شخصي بين الأطفال والقائمين على تربيتهم؛ فالمعلمة المبدعة هي تلك التي تمتلك أدوات التعليم المناسبة والمعزّزة التي تلهم خيال الأطفال وتطلقه، وتشحنه بالأفكار المثيرة، وتثري دافعيتهم فيتعلمون وهم في قمة الاستمتاع.

ومن هنا يجب إعادة النظر في منظومة اللعب في حد ذاتها، كي يشتمل اللعب على تطبيق المهارات، ولا يصبح هدفه مجرد إلهاء الطفل بعيدًا عن الكبار، فلا بد أن يتضمن اللعب أكبر عدد ممكن من الاستجابات والأنشطة غير المألوفة، التي تتميز بالمرونة والحداثة، مما يجعل الطفل يعبر عنها بأي شكل من الأشكال والأساليب، كالتعبير القصصي، والإبداع الفني، والحركي، فالطفل لديه الاستعداد الإبداعي أو إمكانية الإبداع بدرجة ما، شأنه في ذلك شأن ما يملكه من الخصال النفسية والجسمية الأخرى، التي توجد بدرجات متفاوتة لدى مختلف الأطفال.

وبالتالي فإن كل طفل يمكن أن يكون مبدعًا خلاقًا بدرجة ما، إذا أُتيحت له الفرصة المناسبة لتنمية قدراته ومهاراته.

ولذا، فلا بد وأن نهيئ الفرص أمام الطفل للإسهام في حل مشكلاته الخاصة بنفسه، بدلًا من أن نقدم له الحلول جاهزةً، مع تدريبه على إدراك المشكلة من جميع جوانبها، وافتراض الحلول، ومحاولة وضعها موضع التنفيذ، وما إلى ذلك، ما ينمي التفكير العلمي، والابتكاري لديه، لإثراء خياله بطريقة سليمة، وترك الفرصة له للتجريب والاكتشاف واستطلاع البيئة، وإثارة اهتمامه بالمشكلات المختلفة، والإحساس بها والتماس الحلول المبتكرة لها، وتنمية قدرته على الملاحظة، وتدريبه على الصبر والمثابرة، وبذل الجهد والتفكير الناقد الذي يحسن التعليل والتحليل وربط الأسباب بالنتائج، وتشجيع التعلم عن طريق الاكتشاف لا عن طريق الحفظ والتلقين.

■ تدريبات لتهيئة التلاميذ لدخول حصة الأحلام
ترجمة الإبداع

والمعلمة أيضًا ينبغي تدريبها على ترجمة الإبداع إلى ممارسات صفية، عن طريق المعرفة الجديدة، والفهم بنمو الطفل، وخلق البيئة التعليمية المنتجة والمشجعة والمثيرة للإبداع، واستخدام التقنيات المناسبة والشاملة لعملية التفاعل مع الطفل، وتنمية قدراتها على التشخيص الدقيق لقدراته والبرامج المناسبة له، ببناء أنشطة وتمارين المادة التعليمية بشكل يتناسب مع كل مهارة من مهارات الإبداع، أو التدريب على الإبداع من خلال برامج مستقلة للتدريب على مهارات التفكير التي تُنمي الإبداع، واستخدام الاستراتيجيات التعليمية المناسبة، فالتربية الإبداعية في الطفولة المبكرة تحتاج للتشجيع وإعطاء الحرية للطفل، واستخدام تكنيكات وأسئلة مناسبة له، وتهيئة الظروف، وإتاحة الفرص المناسبة للتفكير المبدع.

ولن ننكر أهمية توافر المناخ النفسي للأطفال داخل الأسرة، حيث وجد أن اتجاهات الوالدين الخاطئة تربويًّا ونفسيًّا (التسلط، الحماية الزائدة، الإهمال، إثارة الألم النفسي، التذبذب، التفرقة في معاملة الأبناء) تؤثر سلبًا في قدرات الأطفال الإبداعيّة، كما أن سياسة الرفض والإكراه أو قهر الأطفال، لها علاقة بالإبداع لديهم، مشيرًا إلى أن أسلوب التربية الحضاري غير المحبط، وتوفير المكتبات في البيوت، والاتزان البيئي، أو إعطاء الأطفال الوقت الكافي من أجل اكتشاف المعلومات بأنفسهم، وتوفير الحياة الطبيعية، والتسهيلات البيئية، جميعها تصقل مواهبهم، وتنمي قدراتهم الإبداعية.

صناعة الذكاء!

هل نستطيع صناعة الذكاء لأطفالنا؟ كثير من الأخصائيين يرون أنه بإمكاننا تعليم الأطفال الذكاء بتدريبهم على مهارات التفكير. ولكن كيف نحقق ذلك؟

 نعرف أن التفكير ينقسم إلى: التفـكير الإبداعي – التفكير الناقد – تفكير حل المشكلات.

يقول الدكتور إبراهيم الحارثي، مؤلف كتاب “تعليم التفكير” إننـا إذا استطعنا تنمية المهارات الجزئية لأنواع التفكير نكون قد رفعنا معدل الذكـاء عند الفرد.

سأذكر لكم أمرًا يسيرًا ولكنه محفز لتنمية التفكير، وهو قدرة الطفل على التعبير عمّا في نفسه، وهذه مشكلة نلمسها عند الكثير من أبنائنا، فكيف يعبر الذكي عن آرائه وحلوله للمشاكل؟

علينا أولًا أن نطلق الطاقة اللغوية للطفل في وقت مبكر، ونحن نستطيع فعل ذلك عندما يحفظ الطفل المفردات اللغوية، فهذا يُسهم في تفوقه المستقبلي بالتعبير بطرق مختلفة تنمي التواصل والتفاهم مع الآخرين.

فما من شيء أهم من مساعدة الأولاد كي يفكروا بأنفسهم بدلًا من أن نفكر نحن نيابةً عنهم، فلا شيء أكثر فعالية وإرضاءً وتشجيعًا من الاكتشاف العملي والتفكير معًا؛ فالبحث عن الأفكار تجربة مثيرة تزوِّد أولادنا بالقوة وتجعل منهم مفكرين لامعين بحيث تشحذ فضولهم وقدرتهم على الملاحظة والوعي. وهو ما حاولت الكاتبة البريطانية “كريستين دورهام” شرحه إجمالًا وتفصيلًا في كتابها “تنمية الإبداع عند الأولاد”، والذي يقدم مجموعة من الخطوات والأفكار السهلة التي تساعد الآباء على التحلِّي بالثقة في فتح نقاشات حول مفاهيم مهمة وطرح أسئلة عديدة بطريقة مغامرة مسلية، وتشمل هذه المفاهيم: الحقيقة والعدالة والثقة والقوة والخير والشر والملكية.

وربما يتساءل بعض القراء عن عنوان مقالي هذا، وهل يمكننا صناعة طفل مبدع؟ أم أن الإبداع عملية خلق فطرية يولد بها الطفل ولا تدخل لنا فيها إلا بشكل ضئيل يسمح لنا بتقوية ملكة الإبداع لمن يمتلكونها في الأساس؟

هذا كان همِّي الأول خلال تجربتي على مدار سنوات طويلة في عملي التربوي. فماذا حصدت من هذه التجربة؟

إن فكرة مستقبل التربية تتطلب إعادة تشكيل منهج السنوات الأولى للطفل لإدخال موضوعات مستقبلية بعيدة المدى، لذا كانت الحاجة إلى خبراء في مجال تعليم الصغار من أجل أن يحددوا طرقًا لتطوير نمو الأطفال في مجالات اجتماعية واسعة. لأن تعليم الصغار غير محدد بزمن، ولكنه في علاقة وطيدة بالمستقبل بسبب التسارع المتزايد في التغيير الذي يشكل موضوعًا مهمًّا في التعلم.

إن تقوية إبداع الصغار يمكن النظر إليه كطبقة لتشجيع التوجه نحو المستقبل عند الأطفال أنفسهم؛ لكي يصبحوا خبراء مرنين، وليس مجرد محكومين بالأنظمة والقوانين مقيدين بها.

واستكشاف الإبداع لدى الصغار يكون الخيال هو صاحب الدور الأكبر فيه، فهناك علاقة وطيدة بين اللعب والإبداع؛ لأن اللعب الإيجابي تحديدًا يتضمن تقويم ذكاء الصغار وتحريك مشاعرهم. ولكن علينا أن نحترس أولًا من مدمرات الموهبة لدى الطفل التي من أخطرها إلى جانب الضرب على الدماغ الذي يقتل من 300 إلى 400 خلية عصبية في الدماغ، السخرية من أفكار الطفل، والألعاب الإلكترونية التي تتسبب في قتل الذكاء الاجتماعي واللغوي وتسبب نزيف الدماغ.

وإلى جانب كل ذلك يأتي عدم تمكين الطفل من عيش طفولته الطبيعية وإغراقه في الأنشطة التعليمية. ولذا فقد كان اهتمامي الأول في كل الإدارات التعليمية التي عملت بها التركيز على ممارسة الطفل للأنشطة ممارسة إيجابية.

لقد تحديت نفسي.. نعم لم يكن التحدي لقلّة الإمكانات بقدر ما كان تحديًا لقدراتي المحدودة. فقمت بـ(إعادة تدوير) حصة اللغة العربية بشكل يضمن لي جذب الطلاب على اختلاف قدراتهم العقلية؛ ففي المدارس الفقيرة تجد طلابًا مختلفين في قدراتهم العقلية، فتعاملت مع الطلاب الأسوياء وغيرهم من ذوي القدرات الخاصة (إعاقات مختلفة).

عندما ينجذب إليك الطفل تستطيع الدخول إلى عالمه

من المحبة بدأت رحلتي معهم داخل الحصة، وربما لأنني أؤمن بأن المعلم هو الصائغ الذي يقوم بتشكيل دماغ الطفل ليبدأ رحلة الحياة، فلم يكن لدي خيار آخر، فمعظم المدارس التي عملت بها، لم تكن تضم حجرات أنشطة موسيقية أو فنية أو قاعة للمسرح مثلًا، فضلًا عن أنه لا يوجد بها معلمون لتدريس هذه المواد نظرًا للعجز. فلا إمكانات سوى الطفل ذاته، أي الثروة البشرية، فقط كل ما أملك من أطراف المعادلة: (معلم + تلميذ) = ….

 وكان لا بد أن تنتج المعادلة (إبداع) فكيف ذلك؟

سأخبركم.. لم يكن من السهل واللغة العربية كثيرة الفروع: (قراءة ونحو ونصوص وإملاء وتعبير) في ظل كثافة الطلاب ليس سهلًا التحكم، فقررت أن أتسرب إليهم من بوابة اللعب الإبداعي.

 إعادة تدوير حصة الاستماع. وتحويلها إلى حصة أحلام

أكسبتها نفس صيغة تدريباتي مع الأطفال في ورشة المسرح لكوني مخرجة أدربهم تدريبات الطاقة التي أحبها وأصحبهم معي في حكاية من خيالي، أصوغها مستفيدة من أي عنصر مادي حولنا: عصفور على النافذة، شجرة أمام حجرة الدرس، سفينة تعبر أمامنا في البحر، أي شيء، وذلك أثناء سماع موسيقى هادئة وهم مغمضو الأعين في استرخاء شديد.

ثم أتوقف حينما أُدخلهم بؤرة صراع أو منحنى مفاجئ في القصة ليستكملوا الحكاية في مخيلتهم.

وبالتأكيد يختلف كل طفل عن الآخر.. ليست النهايات متشابهة.. لأن البدايات أيضًا لا تتشابه.. يختلف عقل الطفل واستيعابه لطريقة اللعب التخيلي أو الإيهامي من طفل لآخر.. بعضهم لم يتقبلوا اللعبة في البداية، فالأطفال في الأماكن الفقيرة والمتوسطة تقسو عليهم البيئة بحرمانهم من اللعب بأشكالها الإيجابية. ولكنهم بعد وقت قصير يلحون في طلب الحصة، ويتنافسون في الأداء.

من الحصة تدور حلقة النقاش في صالون إبداعي يدفعهم إلى إخراج ما يدور في أذهانهم.

على مدار رحلاتي مع أطفال مختلفين في ورش التخيل تلك استطعت أن أكون فرقًا عديدة من المبدعين الصغار الموهوبين في الرسم والتأليف والتمثيل والغناء والنقد. وفي تلك المرحلة من التعليم الأساسي لم يكن الأمر هينًا إذ كلّفت نفسي بتشجيعهم ودعم من استطعت منهم بنشر أعمالهم في مجلات الأطفال المختلفة، ولكن على البيئات التعليمية المختلفة وعلى الأسر أيضًا الاستمرار في دعم هؤلاء الأطفال للنهاية كي يستطيعوا الاستمرار في الإبداع الفكري والثقافي حتى النهاية.

قمت بتدريب الأطفال في “لعبة التخيل” على الإبداع بشكل غير نمطي، بعيدًا عن التلقين والصيغ التقريرية التي يمل منها الطفل، وقمت بدمج “الحكي” مع “الخيال الإبداعي” عبر الدروس المنهجية لاستثارة الإبداع داخلهم بكل أشكاله للحصول على نتاجهم الإبداعي وتشجيعهم ضمانًا لتفوقهم علميًّا وإبداعيًّا.

(حصتان) أسبوعيًا يحلّق فيهما الطفل بخياله ليعود باستفهامات وشخوص من صنع خياله، ومن ثم ترجمة الأوراق والأقلام والألوان إلى إبداع بنكهة طفولية يبشر بمستقبل مختلف.

 ألسنا في حاجة إلى أساليب تربوية وعلمية تصنع إنسانًا عربيًّا مبدعًا؟

مجلة الجسرة الثقافية – العدد 58 – ربيع وصيف 2021

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى