بائعو الأوهام

عن الفلسفة والأخلاق والواقع

Latest posts by أحمد عبد اللطيف (see all)

يُغرم فلاسفة القرن الثامن عشر، وكثيرون غيرهم على نفس النهج، برسم لوحات عن السياسة الأدبية، وتصميم مجتمعات خيالية جاهزة للترحيب بكل هؤلاء الناقمين على المجتمع الواقعي، الذي لم يعبأ هؤلاء الفلاسفة أنفسهم بالنظر إليه بعمق. إنهم مغرمون بالنظريات بنفس درجة ازدرائهم للأفعال.

 ثمة أنظمة يُعاش فيها على هامش الحياة، وفي فترات الأزمات، سواء سياسية أو أدبية، يخترعون “دولًا خيالية” ويعلنون الرغبة في تحسين المجتمع وأنسنة الحياة، لكن جلّ ما يفعلونه تشييد قلاع من الوهم، عواقبها الوخيمة لم تخضع لدراستهم.

يستطيع الفيلسوف السياسي أو السياسي الفيلسوف، أن يحقق شعبية واسعة، بدوره الوهمي وكلمته الوهمية

ما من نظرية سياسية، مهما كانت جميلة وعبقرية وواعدة، بوسعها أن تحلّ محل تجربة تعرف كيف يعمل في الواقع الميكانيزمات الاجتماعية.

 حين يحل المجتمع الخيالي محل الواقعي، وبدلًا من طرح سياسة مبنية على معرفة الواقع تنهض أخرى مجردة أو أدبية، يستطيع الفيلسوف السياسي أو السياسي الفيلسوف أن يحقق لها، بدوره الوهمي وكلمته الوهمية، شعبية واسعة، ويوزّع العزاءات والفضفضات، كأنها ورق يانصيب، أو يجمع المتفق، كأنها أرباح، لكن الشيء الوحيد الذي يفعله هو منح سحب الدخان والعمى الذي فيه أعمى يقود عميانًا.

 ذات مرة كتب ألكسيس دي توكفيل أن “الأشياء نفسها التي تدفع باستمرار إلى كتابة كتب جيدة يمكن أن تقود نحو ثورات كبرى”، وأنا أسأله: “كيف استنبطت يا سيد توكفيل أنها كتب جيدة تلك التي أدت إلى ثورات كبرى؟

 إن المبدأ الأساسي يكمن في تعلّم التمييز بين الفانتازيا والعقل، بين المجال الذي يسمح بتطبيق الفانتازيا والذي لا يسمح إلا بصرامات العقل والحساب، إذ لو فعلنا عكس ذلك، حين نحتاج إلى تصليح ماسورة سنبحث عن رقم تليفون فيلسوف طوباوي.

الطبيعة الفيزيائية للأشياء لا تتغير أبدًا، لأن القوانين التي تحكمها غير قابلة للتغيير، ودرجة السيولة التي تؤثر عليها مجرد عملية إحصائية

وبما أن الطبيعة الفيزيائية للأشياء لا تتغير أبدًا، لأن القوانين التي تحكمها غير قابلة للتغيير ودرجة السيولة التي تؤثر عليها مجرد عملية إحصائية، يستطيع الإنسان التوصل لمعرفة أسرارها في زمن قصير نسبيًا. لا يحدث الشيء نفسه مع الطبيعة الأخلاقية. لا الزمن ولا العلم يكفيان لبلوغ معرفة السلوك الإنساني. إن آخر ما سنبلغ معرفته في هذه الحياة هو نحن أنفسنا.

 من الصعب دراسة السلوك الشخصي وسلوك الآخر بدون الاستسلام للعواطف، وهو استثناء ناتج عن الشغف بالمعرفة.

 عندما نهجر استخدامًا كرّسته التقاليد، فالطريقة الوحيدة لإعادة استخدامه هو كسوته بألوان جديدة.

 نشعر باللهفة حين نفكر أن توقعاتنا المُحببة يمكن أن تتحقق، إن لم تتحقق هذه التوقعات، يملؤنا شعور بالإخفاق، ونحاول قولبة تطلعاتنا على آفاق أضيق، لكن مُجرّبة.

 بالعودة إلى الاستخدامات القديمة والعادات، ثمة راحة يجدها المرء فيها بعد التعب من إخفاق الآمال واللهفة.

لوحة للفنان «موريس ليلوار» 1940-1853

 لن يمتدح ضعاف الموهبة (المديوكريون) المواهب الكبيرة بلا تحفظ. لماذا؟ لأن سبب بروز المواهب الكبيرة هو وجود مديوكرية المديوكريين. المديوكريون يُفضّلون كيل المديح لمديوكريين آخرين. هكذا يشعرون بمتعة الكرم والنبل، ويحدسون أن ثمار موهبتهم الطارئة لن تتعرض لخطر.

 يميل الناس العاديون لاعتبار من يلفتون الانتباه برفع القضايا الغريبة سامين ومذهلين، ويعتاد الناس العاديون الخلط بين العظمة والإيحاء بها، بين العبقرية والأداة، وبين الرسم الجمالي وضربات الفُرشاة الصارخة.

 لقد اعتاد المزيفون الأيديولوجيون أن يكونوا كاريكاتيرات لأنفسهم. هكذا يركبون نجاحهم. والتجربة علّمتنا أن أغلب الناس يُفضّلون الكاريكاتير على اللوحة.

تتمتع الفلسفة الإسبانية بميل حدودي منذ القرون الوسطى، اعتمدتها شخصيات مثل اليهودي ابن ميمون، والمسلم ابن رشد، والمسيحي رامون لول

إن فناني وكُتّاب زمننا، في أغلبهم، بائعو أوهام. هدفهم الرئيسي خلق الوهم بأن عملهم هام، وفوق ذلك، إقناع أنفسهم بأنهم هم أنفسهم مُهمون.

 أرفع خير يمكن أن يحصل عليه الفرد هو الصداقة، ورغم أن هذا الشعور يتأسس، مثل أي شعور، على شكل من أشكال الأنانية، إلا أنها أنانية تتبنّى الغيرية.

 الصديق الحقيقي مرآة لنا، لما نستطيع أن نكونه وما يجب أن نكونه. تبرر الصداقة الحقيقية، بل وتطالب بـالحياة المستقبلية.

 الأشخاص الذين يلمعون في الحياة الاجتماعية ليسوا أكفأ الناس للصداقة. الحياة الاجتماعية بديلة للصداقة، بل وتعويض عن غيابها.

 الذين يعرفون التكيُف مع الوحدة وحدهم المُعدّون ليُكوّنوا صداقات. الانطوائيون لا ينقصهم عادةً أصدقاء يشرقون، في غيابهم وفي لحظاتهم الصعبة، في الحياة الاجتماعية اللامعة، أصدقاء على طول وجودهم يجمعون صداقات كأنهم قصاصات صحفية.

 حين يسأل الإنسان نفسه، يجيبه العلم: “أنت مجموعة من ميكانيزمات تتمتع بالقدرة على التفكير”. لو أراد الإنسان التعمُّق فيما هو أبعد، سيكتشف أنه ما من معرفة قادرة على الجواب عن أسئلته المُتعلقة بمصيره ما دام حيًا ومتأملًا وملقى في العالم، بدون الحصول على موافقة منه على حدث متسامٍ مثل أن يرى نفسه مُطوّقًا باحتياجات ورغبات وقدرات، يجهل منطقها وأصلها. هنا يظهر الدافع الذي يقوده نحو الاستسلام للعلم، وخاصةً إلى الإيمان. هكذا يعتقد أن بوسعه الوصول إلى إضاءة لغز الوجود.

 إن أشكال الحياة التي يمنحها زمننا للفرد أكثر بكثير في تنوعها مما أتيح على طول التاريخ، لكنها أضغف خامةً. كأن ثمة علاقة طردية بين التنوع والسيولة.

 كانت أشكال الحياة مرتبطة في زمن آخر بمحورين جوهريين: العقيدة الدينية، بقداساتها وشرائعها، والعلاقة بالوسيط الطبيعي، اللانهائي في تنوعه والجمالي في سحره. أشكال الحياة المُعاصرة لها محوران أساسيان: العمل، بأشكال التخصص التقني اللانهائي، وغزارة العروض في وسائل الإعلام، ما يجعل الجانب الفني ممكنًا.

لقد اهتمت الفلسفة الإسبانية بشكل خاص بحياة الناس، بـ “الإنسان من لحم ودم”، بعبارة أونامونو. يُلاحظ ذلك عند سينيكا، كيبيدو، جراثيان، بالمس، كامبوامور، سانتايانا، أونامونو، أورتيجا، دورس، ثوبيري، خوليان مارياس، ماريا ثامبرانو، اهتمت كذلك بشكل خاص بالعلاقات بين مختلف الشعوب، وهي رؤية ذات منظور عالمي، كما في أعمال بيتوريا وسواريث وممثلين آخرين لمدرسة سلامنكا. البؤرة الثالثة للفلسفة الإسبانية تكمن في الاستعراض العقلي لتجارب تجاوزت العقل وتطمح إلى الاقتراب من نواة الوجود: إنها الموضوعات الأساسية في كتابات سان خوان دي لا كروث حول الموسيقى، وكذلك مفكرون إسبان آخرون من القرنين السادس عشر والسابع عشر.

 تتمتع الفلسفة الإسبانية بميل حدودى منذ القرون الوسطى، اعتمدتها شخصيات مثل اليهودي ابن ميمون، والمسلم ابن رشد، والمسيحي رامون لول، رائد المشروعات الفلسفية المجددة مثل مشروع “اللغة الفلسفية”و”الكتابة العالمية”، ومؤلف واحدة من الروايات الفلسفية العظيمة الأولى: بلانكيرنا.

 إن انصهار العقل النظري والعقل الشعري نجده في الفيلسوف العصامي، لابن طفيل، والناقد الحاد، لـ جراثيان، التي اعتبرها شوبنهاور في قمة الأدب العالمي، و”الرواية- النيفولا” التي كتبها أونامونو حول “الإنسان من لحم ودم، من يولد ويعاني ويموت”، والبيوريتاني الأخير، قصة خورخي سانتايانا، وهو مؤلف تموضع في برج مشغول بمواد قلعتي انجلترا القديمة والجديدة، ومنذ ذلك الحين حدّق النظر في الطابع الشعري والرؤيوي للدين.

 الذكاء بشكل أساسي حدودي وحدوديته تكمن في النشاط المراقب المحتفظ بيقظته من فوق برج.

 وانصهار العقل النظري والعقل الشعري يتأسس على “العقل التصويري”عند إوخينيو دورس، و”العقل الشعري”، و”العقل الصوفي”، و”العقل الإيروتيكي”و”عقل الأحلام”، عند ماريا ثامبرانو. هذه المفكرة أصابت عندما حملت “العقل الحيوي”و”العقل التاريخي” من أستاذها أورتيجا إلى مستوى شعري، كان بالفعل مهيًا له عندما جعلت من الحياة البشرية “الواقع الراديكالي”، ورأت هذا الواقع مثل رواية عن الحقيقة أو وظيفة مسرحية جادة.

 حين تتحد الفلسفة والشعر تتوقف النتيجة على جودة الفلسفة وجودة الشعر المتحدين.

الذين يعرفون التكيّف مع الوحدة وحدهم المُعدّون ليُكوّنوا صداقات في الحياة الاجتماعية اللامعة، أصدقاء يجمعون صداقات كأنهم قصاصات صحفية

في رواياتي أركاديا، لعبة صالات الصالات، انحرافات، ضد نهاية القرن، وكذلك في ألعاب ساكرومونتي، اتبعت هذا النموذج في الانصهار، انصهار ترجع جذوره في نهاية المطاف، إلى انصهار المحسوس بالجلي، كما يمكن أن نجده في الفلسفة الثمينة “الذكاء الذي يشعر”، لـ خابيير ثوبيري، تلميذ عظيم آخر من تلامذة الأستاذ العظيم أورتيجا.

 وسواء في إضاءات فلسفية أو في حول الأساس وفي موجز الفلسفة العملية، كان مقترحي استعادة البعد العملي والتكويني للفلسفة، وهو بعد لا يمكن استعادته إلا بمزاوجة الخطاب المنطقي وخطاب الذاكرة. إن التكوين الكلي للشخص يتأسس على ممارسة المنطق مع استخدام الخيال والشعور بشكل منهجي، بمعنى توحيد منطق المفاهيم مع منطق الذاكرة، بمعنى الحياة.

 ينطلق إعادة تأسيس الفلسفة، في المقام الأول، من تفنيد العدمية المعرفية؛ وفي المقام الثاني، من إعادة طرح معرفة الواقع –المفهوم كجمع للأشياء والحالات-؛ ويتأمل، ثالثًا، الأنا باعتبارها همزة وصل عُليا شاعرة بالحالات والأشياء التي يسع تأملها والشعور بها من نقطة المكان والزمان التي يفرضها الجسد.

 حين نشك في كل شيء، ينبغي أن نضع الشك نفسه في محل شك، فالشك في كل شيء يفقد الشك قيمته.

 الشك يفترض اليقين. اليقين، على الأقل، في أننا نشك.

 من يرفض الوحدة Unidad لا ينتبه إلى أن ذريعته التي يرفض من خلالها هي تأكيد لفكرة “الشيء الواحد”، ولا ينتبه إلى أنه، عندما يرفض الوحدة، يؤكد أن لدينا فكرة وحدوية عن معنى الوحدة.

 لا يمكن فهم شيء ولا الشعور به بدون فكرة الوحدة، أو مرجع أولي لها، إذ بدون وحدة من المستحيل فهم شيء أو الشعور به، لأن الأشياء هي الأشياء ولأنها شيء واحد مُحدد.

 ثمة من يرى أنه ما من حقيقة، أن كل شيء مُباح، ويمكن الرد عليهم بأن “ما من حقيقة” لا يمكن أن تكون حقيقة (وبالتالي كل شيء يمكن أن يكون مُحرمًا). ولا يمكن أن تكون حقيقة عبارة كل شيء مباح. ولا هي حقيقة أن من يقول عبارة كهذه يقول شيئًا مهمًا.

 ليس من السهل دائمًا الفصل فيما إذا كانت الحقيقة التي تتطلع لحل محل وهم قديم ليست وهمًا آخر، أو أنها ستمنح كمًا وكيفًا من السعادة أكبر من الوهم القديم.

من كتاب «الفلسفة والسرد» لإجناثيو جوميث دي ليانيو، المفكر والروائي الإسباني.

 

مجلة الجسرة الثقافية – العدد 60

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى