أزمة الكتاب ومصير الكتب

Latest posts by محمد عبد الله عنان (see all)

كان القرنُ التاسع عشر عصرَ الآلات والاختراعات الصناعية، فحلَّتِ الآلة مكانَ اليد العاملة في معظم الصناعات، وحُرِم ملايين العمَّال من العمل اليدوي، وساد البؤسُ في الطبقات العاملة، واستمرَّ هذا التطوُّرُ طوال النِّصفِ الأخير من القرن الماضي، حتَّى استقرَّت الصناعةُ أخيرًا على قواعدِها الجديدة، وحلَّ العمل الفني والآلي مكانَ العمل اليدوي.
واليوم نشهدُ انقِلابًا عظيمًا آخَر في مصير الإنتاج العقلي؛ فقد كان (الكِتاب) حتَّى أوائل هذا القرنِ أهمَّ وأنفسَ غذاءٍ عِلمي للطبقات المثقَّفة، وكانتْ قراءةُ الكتب المختارة أسْمى وأمتع وسائل التربية والتهذيب والرياضة العقلية، ولكنَّ التطوراتِ العِلميَّةَ والأدبيَّةَ والاجتماعيَّةَ التي حدَثت منذ الحرب الكبرى كان لها أثرٌ كبير في تطوُّر الذوق الأدبي، أو بعبارةٍ أخرى: في قِيمة الكتب وفي مركزِ القراءة وميول القرَّاء، وليس من ريبٍ في أنَّ الكتابَ قد فقدَ اليوم كثيرًا من سِحرِه وقِيمته الماديَّة والاجتماعيَّة، وقلَّ الإقبالُ كثيرًا على اقتنائه وقراءته، ولكن ذلك لا يَعني أنَّ منسوب القراءة قد هبط، فالقراءة بالعكس قد كسبتْ من هذا التطور بصفة عامَّة، وزاد منسوبُها بلا ريب؛ تبعًا لازديادِ نسبة المتعلِّمين في مختلف الأمم.
وإذا كان الذوقُ الأدبي قد تطوَّرَ وخسر الكتابُ القيم كثيرًا من قرائه، فإنَّ أولئك القراء تحوَّلوا إلى ألوانٍ جديدة مِن الأدب الخفيف وإلى قراءةِ الصحُف والمجلاَّت، والواقع أنَّ الصحافةَ أوَّل وأقوى العوامل الجديدة التي أثَّرتْ في مركز الكتاب ومدى انتشارِه، ففي رُبع القرن الأخير تقدَّمتِ الصحافةُ تقدمًا عظيمًا، وغزَتْ كلَّ ميادين التفكير والعلوم والفنون، ولم تبقَ دوريات خبريَّة فقط، ومعظم الصحفِ اليومية السياسية في جميع الأمم تخصِّصُ للأدب والنَّقدِ والعلوم والفنون والمسرح والاقتصاد والمالية والرِّياضة – صُحُفًا خاصَّة حافلة بمختلف البحوث والشذور القَيِّمة، هذا عدا القصَّة الصَّغيرة اليوميَّة، وعدا الرواية المسلسَلة، وعدا الصور الكثيرة، ثُمَّ هنالك المجلاَّت الأدبيَّة والعلميَّة، الأسبوعيَّة والشهريَّة، وقد بلغت مدًى عظيمًا مِن التقدُّم والذيوع، وأضحتْ مسرحًا لأعظمِ الأقلام، ومعرضًا لمختلفِ البُحُوث وأهمِّها، وتمتاز المجلةُ على الكتاب بتنوعُِّ مادتِها؛ فهي تجمع بين الفصولِ الأدبيَّة والعلميَّة والسياسيَّة، والقصَّة والمسْرَح والأزياء، ويكادُ كلُّ عددٍ منها يكون كتابًا مستقلاًّ بذاته، وهي دائمًا متنوِّعةٌ متجدِّدة ترضي مختلفَ القراء والأذواق بأكثرَ مما يرضي الكتابُ الموحَّد الفكرة والموضوع.
والصَّحافةُ الأدبيَّة هي بلا ريبٍ أشدُّ خصوم الكتاب ومنافسيه، وأشدُّها تأثيرًا في مركزه ومدى انتشارِه؛ لأنَّها تبدو في بعض ألوان مِن الكتاب، وتأخذُ بالسَّهلِ الموجز منها، حتَّى إنَّك لترى أحيانًا موضوعاتٍ وبُحُوثًا خطيرة تشغل في الكتابِ مجلدًا أو مجلدات، تلخِّصُها المجلةُ في فصلٍ لا يتجاوزُ عدةَ صفحات، وربَّما كان مُلخِّصُها مؤلفَ الكتاب ذاته؛ هذا إلى ما تتوخَّاه المجلةُ من اختيار الموضوعات الشائقة والأساليب السَّهلة، التي تغري كثيرًا من القرَّاء إلى تَفضيلِها على الكتاب، هذه المنافسةُ الأدبيَّة القويَّة كانتْ – وما تزال – شديدةَ الوطأة على الكتاب، ولم يكن في وُسعِ الكتاب أن ينافسَها؛ لأنَّها تجري طبقًا للعوامل النفسيَّة، وطبقًا لتطور الظُّروفِ الاجتماعيَّة.
أضفْ إلى ذلك المسألةَ الاقتصاديَّة؛ أعْني: مسالةَ الثَّمن، فالصحفُ والمجلاَّت تعرض بضاعتَها الأدبيَّة على الجمهور بأثمانٍ بخْسة يستطيعُ أن يؤديها الملايين، معتمدةً في ذلك على كثرةِ انتشارها وما تَجنيه مِن أجورِ الإعلانات، ولكنَّ الكتابَ القيِّم لم يستطعْ حتَّى اليوم، وليس في الإمكان أن ينزلَ إلى هذا المستوى، نعمْ حاول كثيرٌ من المؤلِّفين والناشرين أن يُسايروا هذا التطورَ في الذوق الأدبي، فعمدوا إلى إخراجِ الكتب السهلة الموجزة، وإلى معالجةِ الموضوعات العلميَّة الخطيرة في أساليبَ خفيفةٍ عادية، مما يُعرف اليوم بـ”تبسيط العلوم”، وهي طريقةٌ تُعالَج بها اليوم أخطرُ وأعقد الموضوعات العلميَّة في الصحف والمجلاَّت، وإنْ كانت لا تؤديها دائمًا بما يجب من الدِّقة والتحقيق، وكذلك عمد كثيرٌ من المؤلِّفين والناشرين إلى إخراجِ الموضوعاتِ الخطيرة العلميَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة وغيرها في ملخصاتٍ صغيرة، وفي فصول مُتناثرة، أو إلى جمْعِ القطع المختارة في كتابٍ واحد؛ ليكون له بذلك ما للمجلة أو الصحيفة من التنوُّع، وعمدوا فوقَ ذلك إلى إخراجِ هذه الكتب في طبقاتٍشعبية رخيصة؛ لتكون في متناولِ جميع الطبقات.
ومِن المعروف أيضًا أنَّ كثيرًا من كتَّاب القصص العالميِّين يُخرجون اليوم كتبَهم في طبعاتٍ شعبية عديدة، ويتحرَّون اختيارَ القصص والحوادث المثيرة والشَّائقة، وكثيرٌ منهم يفضِّلُ كتابةَ القصص الشرطية وقطع السينما؛ لأنَّها تدرُّ عليهم أرباحًا حسنة.
والخلاصة: أنَّ الكِتابَ اضطر تحتَ ضغط هذه المنافسة الشَّديدة التي شرحناها أن يتطوَّرَ نوعًا ما،وأن يسايرَ الذَّوقَ الأدبي والظروف الاجتماعيَّة الجديدة، ولكنه مع ذلك ما يزالُ بعيدًا عن أن يستردَّ مركزَه، أو يقاومَ هذا التيار الجارف الذي يُهدِّدُ مركزَه وقِيمته وتقاليده، وقد غدتِ السينما والراديو من أشدِّ خصوم الكتاب؛ ففي السينما تُلخَّصُ أو تُمسخ أمهاتُ القصص حتى يمكن إخراجُها في صورٍ تلائم الجمهور، ولا يقَع الجمهورُ منها إلا على الجانب القَصصي، ولا يلمس شيئًا مِن قيمتِها الأدبيَّة أو الفنية المهمَّة، وتذاع فيه ملخَّصات عن معظمِ المباحث والموضوعات الخطيرة، التي تُعنَى بها الحركة الفكريَّة، ومزيته في أنَّه ينقل ذلك كله للسامعِ وهو جالس في مكانِه الوثير في المقهى أو المنزل، لا يُكلِّفُه عناء القراءة، وخطره على الكتاب والحرَكة الفِكريَّة في أنَّ الإذاعةَ الموجزة السَّهلة تمسخ معظمَ الموضوعات العلميَّة والأدبيَّة التي تتناولها، وتصرفُ بذلك ملايينَ السَّامعين عن قراءتِها وتتبُّعها في مصادرها القيِّمة، وفي ظلِّ الطغيان السياسي الذي يسودُ اليوم بعضَ الأمم المتمدِّنة – تواجه الحركةُ الفكرية ويواجه الكتابُ أشدَّ المخاطِر والأزمات؛ ففي بلادٍ كـ (إيطاليا وألمانيا، وتركيا وبولونيا وروسيا) تسودُها النظم “الدكتاتورية”، وتخمدُ الحريَّات السياسيَّة والفكريَّة، تصطبغُ الثقافةُ والتفكير بنفسِ الألوان التي يفرضُها الطغيان وتقتضيها مصلحتُه وغاياتُه السياسيَّة، وحيثما تنعدم حريةُ الفِكر تخبو حركةُ التأليفِ الحرِّ، وتغدو الصحافةُ والمفكِّرون والكتَّاب طوعًا أو كرهًا جنودَ النِّظام القائم، ويُطارَد المفكِّرون الأحرار، وتُطارد كتبُهم بلا رأفة، وفي ظلِّ هذه الأنظمة الطَّاغية التي يزعم فيها الطغاةُ وأعوانُهم أنَّهم يعبرون عن رغباتِ الشَّعبِ وآماله وتفكيره، يختفي الإنتاجُ الفِكري القيِّم، ويتحوَّلُ إلى نوعٍ من الأدَب الذليل الخاضع، يشيد جلُّه بالطُّغاة ونظمهم، ومبادئهم وأعمالهم.
وقد شهِدْنا مِن مناظر هذا الاضطهاد الفِكري في العهدِ الأخير ألوانًا شنيعة في ألمانيا، في ظلِّ الطغيان “الهتلري”؛ حيث طُورد جميعُ المفكِّرين والكتاب الذين لم يُسايروا الطغيانَ الجديد ولم يرْتضوا فظائعَه، ففرَّ منهم مَن فرَّ خارجَ ألمانيا، وقُتل مَن قُتل، واعتُقل مَن اعتقل؛ وشُرِّدَ كثيرٌ مِن أقطابِ الأدَب الألماني المعاصِر، وحُظِر على دور النَّشْر الألمانيَّة أن تتعاقدَ معهم أو تنشرَ لهم شيئًا، ومُنِعت كتبُهم من التداول، وأُحرِقت كتبٌ كثيرة في أوائل عهْد النَّازي في شوارع برلين، على نحو ما كان يَجري في العصور الوسطى على يدِ محاكم التحقيق، والخُلاصة أنَّ الإنتاجَ الأدَبي في ألمانيا قد أُصيبَ في عهدِ الطُّغيان الهتلري بضربةٍ مميتة، وأضحتِ الثقافةُ الألمانيَّة والأدَب الألماني الحاضِر والصحافة الألمانيَّة الحاضرة صورةً متماثلةً مملة للمبادئ والنظريات والآراء التي يفرضُها الطغيانُ السياسي، يمرُّ الإنتاج الأدَبي دائمًا بهذا الدور، ويصابُ التأليف بمِثل هذا العُقم والتماثُل ويواجهُ الكتابُ أشدَّ المحن.
وهنالك أخيرًا رُوح العصر؛ فعصرُنا عصرُ سرعةٍ ورياضة، والسرعة تدفعُ كلَّ الناس بلا هوادة، وشغفُ الرياضة يستغرق اهتمامَ الشباب وفراغَه؛ فلا يجدُ مِن الوقت أو الرغبة ما يحمله على التماسِ القِراءة، ولا سيَّما القراءة الرزينة الهادئة، وإذا أُتيحتْ للشَّبابِ فرصةُ القراءة اليوم فماذا يقرأ؟ الكتب أو المجلاَّت الخفيفة – المبتذلَة غالبًا – لأنَّه لا يقرأ وإنَّما يقرأ للهو فقط، ولا يُريدُ أن يبذلَ جهودًا عقلية في استيعابِ كتُب الثقافة الرفيعة، وهذه الرُّوح السيِّئة بلا ريب مِن أقوى العواملِ في صرْفِ أنظار الشَّبابِ عن الكتاب.
وهل نحن بحاجةٍ للقولِ بأنَّ جميعَ ما قدَّمنا مِن العوامل والظروف ينطبقُ على سيْر الحرَكة الفِكرية، والإنتاج الأدبي في مصر كلَّ الانطباق؟
إنَّ الكِتابَ يواجه في مصر نفس الأزمةِ الخطيرة التي يواجهها في جميعِ الأمم المتمدِّنة، وقد صَرفتِ الصحافةُ والمجلات الأدبية والقصصية، ولا سيَّما المجلات الخفيفة والماجِنة – أنظارَ الشَّبابِ عن القراءة الرَّزينة المفيدة، وأفسدَ الأدبُ المبتذل – ولا سيَّما الأدب الجِنسي – ذوقَ الشبابِ وعقليتَه، فانحطَّ مستوى تفكيرِه وتقديره، وأضْحى الكتابُ القيِّم لا يجدُ – بكلِّ أسفٍ – بين الشباب كثيرًا من الأنصار، أضفْ إلى ذلك ظرفَ مصر الخاص، وهو انتشار الأميَّة فيها، وضعف نسبة المتعلِّمين إلى حدٍّ لا يزال يُزري بكرامتِها، ولولا أنَّ الشُّعوبَ التي تتكلم العربيةَ التي نكتب بها في مصر تبلغُ زهاءَ سبعين مليونًا، لكان خَطْبُ الإنتاجِ الأدبي العربي مضاعفًا؛ ومع ذلك فالمعروفُ أنَّ الكتبَ العربية القيِّمة تواجهُ أشدَّ الأزمات، وأنَّ الكتابَ الذي لا يُطبعُ منه سوى ألفين أو ثلاثة آلاف نُسخة، يمكثُ أعوامًا طويلة قبل أن تنفذَ نسخُه بيْن السَّبعين مليونًا من الشُّعوب التي تتكلَّم العربيةَ!
والخلاصة أنَّ الكتب تواجِه أشدَّ أزمةٍ عرفَتْها في العصر الحديث، وقد تتفاقمُ هذه الأزمة ويزداد ذيوعها كسادًا، ولكنَّ الكتابَ لا يمكنُ مع ذلك أنْ يختفي أو يموت؛ ذلك أنَّ الكتابَ قد وُلِد مع المدنيةِ الإنسانيَّة، ولبث مدى العصور أقدسَ متنفَّسٍ للذهن البَشري، وما دام الذِّهنُ البشري ينتج ويعبِّر عمَّا يجولُ فيه، فلا بدَّ مِن الْتِجائه إلى الكتاب، وقد مرَّ الإنتاجُ الفكري ومرَّتِ الكتب خلال العصور المظلمة بمحنٍ شديدة، ولاذتْ بالاختفاء أيَّام الغزوات البربريَّة في عهد “الهون” و”الوندال”، ولبثتْ في الأمم الأوربيَّة مدى قرون تقبعُ في ظلماتِ الأديرة، ولم تجدْ متنفَّسًا وملاذًا إلاَّ في الدول الإسلاميَّة، في ظلِّ المدنيَّة الإسلاميَّة الزَّاهرة، واستمرَّتْ محاكمُ التحقيق (التفتيش) عصورًا تجدُّ في مطاردةِ التفكير الإنساني، وفي مصادرةِ الكتب وحرقِها؛ ولكنَّ هذه الخطوبَ والمحن كلها لم تخمد جذوةَ التفكير الإنساني، ولم تَقضِ على حياة الكتاب، وخرج الكتابُ ظافرًا من هذه المحن، وجاءت المطبعةُ في فجرِ العصر الحديث فاستطاع بعونِها أن يغمرَ العالَم، ولم تقوَ عصورُ الطغيان ونظمه على مغالبةِ الذهن البشري.
فإذا كان الكتابُ يجوزُ اليوم أزمةً فكريةً اجتماعيَّة؛ نظرًا لتطور الحياة والاختراعات العلميَّة – فتلك أزمةٌ مؤقَّتة، سوف يتاحُ للكتابِ أن يتغلَّبَ عليها متى استطاع أن يهيِّئ نفسَه للسَّير مع الظُّروفِ الجديدة في ألوان لا تغضُّ مِن قدرِه ورفيع مكانه.

 

مجلة الرسالة – سنة 1934

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى