أسبوع السينما التونسية.. تلاوين من الاشتغالات الدرامية والجمالية

الجسرة الثقافية الالكترونية

ناجح حسن*
المصدر/ الراي الاردنية

استحوذت حصيلة وفيرة من نتاجات السينما التونسية الجديدة التي أنجزت في أكثر من حقبة زمنية طيلة مسيرتها المديدة التي تماثل تاريخ بزوغ الفن السابع بالعالم، على اهتمام النقاد والحضور الواسع والمتنوع الثقافات، حيث حظيت بالتكريم والاحتفاء اللائق لما تضمنته من قدرات إبداعية فطنة، على الصعيدين الجمالي والدرامي أو التجريبي، بحيث أعادت تشكيل خريطة المشهد السينمائي العربي برمته.
من بين تلك اللقيات في السينما التونسية اشتغالات كل من ابراهيم باباي، عمار خليفي، الطيب الوحيشي، فيتوري بلهيبة ، فريد بوغدير، نوري بوزيد، عبداللطيف بن عمار، رضا الباهي، محمد الزرن، محمود بن محمود، الجيلاني السعدي والقائمة تطول صولا الى الجيل الجديد من المخرجين الشباب مثل كوثر بن هنية، وابراهيم الطيف، جميعهم اثروا عشاق السينما باشكل متباينة من الاساليب الجمالية والفكرية التي اعطت مذاقا فريدا في تطور السينما العربية.
من بين تلك الافلام يستذكر المرء افلاما على عى غرار: حكاية بسيطة كهذه، شمس الضباع، سجنان، عزيزة، عبور، ظل الارض، رقية، ريح السد، دمى من طين، السيدة، وسواها من الاعمال اللافتة التي صورت حال افراد وجماعات يخوضون في بيئات صعبة داخل العائلة والمدينة والقرية ووصلت الى بيئات في المهجر الاوروبي، طارحة اسئلة العيش اليومي اغلبنها اثارت الكثير من الاعجاب والجدل والنقاشات الساخنة والصاخبة احيانا.
حضرت هذه الاعمال وهي طافحة بالكثير من الأمل الذي انتظره عشاق السينما باهتمام وترقب، نظرا لصعوبة التمويل من ناحية، ولثراء موضوعاتها وبلاغة أسلوبية مخرجيها الشباب الجدد أو من بين المخضرمين، خاصة وان صانعي تلك الاعمال التقطوا قصصها وحكاياتها من سيرتهم الذاتية او من رؤيتهم الثاقبة للتحولات التي تعصف بدواخلهم تجاه بيئتهم المحلية المشرعة على الصحراء والمدينة والبحر، ومنهم من اتجه الى محاكاة اكثر من قضية واشكالية في بيئات عربية واوربية كالقضية الفلسطينية، وهناك ما جرى اقتباسه عن اعمال ادبية في القصة والرواية والمسرحية والقصيدة.
سلطت تلك الاشتغالات على قضايا وأوضاع سياسية واجتماعية وحضارية وتداعياتها الإنسانية على الفرد والجماعة داخل تفاصيل الحياة اليومية في تونس المعاصرة، والتي تميزت بحرارة الحضور وسخونة الإقبال، مقارنة مع أفلام عربية لافتة، رغم مكابداتها ظروف الإنتاج القاسية المتعلقة في كيفية الحصول على التمويل الملائم، كما حرص فيها صناعها على مناقشة القضايا والمواضيع برؤى تنحاز إلى الهامش وتفاصيله في تفاعل حيوي فعال بأسئلة اجتماعية وسياسية وجمالية، جرى فيها اختيار فيه شخصيات تلك الافلام بحذق ودراية رغم ان أغلبيتهم ما زالوا ببدايات الإطلالة الأولى ومنهم: أحمد الحفيان، نادية بوستة، معز الغديري، وناجية الورغي.
ركز مخرجو تلك الافلام على الاتيان بأساليب سينمائية مختلفة عما هو مألوف في السينما الدارجة، إذ اعتمدو على الايقاع البطيء المتناغم مع ظروف البيئة الاجتماعية والسياسية دون التخلي عن مفردات وعناصر الإثارة والتشويق في الفيلم الذي وصل في بعض الاحيان الى صدمة المتلقي، وظلت الصورة فيها من بين أبرز إبداعات التوظيف الجمالي والمشهدية وفي اختيار التكوينات وتصاميمها، خصوصا المناظر الطبيعية التي كشفت مدى جمال ومعالم الأمكنة العديدة والمتنوعة التي كانت تدور فيها الأحداث.
كما حفلت ايضا بسمات ولمسات ذات حيل بصرية تتمتع بالجرأة والنباهة والابتكار حيث عدّ فيلم (آخر الفيلم) للنوري بوزيد الحاصل على جائزةَ التانيت الذهبي لأيام قرطاج السينمائية والمأخوذ عن قصة تبدو تقليدية وإن لم تخْلُ من الجرأة بطله شاب بائس ممزق يسعى إلى الهجرة ويعمل راقصا في الشوارع ويمارس حياة الإحباط والبطالة وسط ظروف فقر صعبة وعدم شعور بالأمان الاجتماعي، ولكن نمط حياته اليومية يتغير بعد أن انجرف إلى عالم الانتهازيين السياسيين وقوى التطرف والتعصب، بيد انه يرفض الاستمرار في حياته الجديدة ويقرر التراجع والانتقام ممن أوصلوه إلى هذه النهاية المحتومة.
وفيه لجأ بوزيد إلى أكثر من حيلة بصرية في توظيف شخصيته الحقيقية كمخرج للعمل بين مشاهد الفيلم، حيث يخلط أمام المشاهد بين الكواليس التي تدور فيها الأحداث وبين تلك التعليمات والتوجيهات إلى ممثله البارع لطفي العبدلي ، وكثيرا ما ظهر الجدل بين الممثل والمخرج على الشاشة حين يرفض الممثل في جدل حقيقي لم يكن معدا له في سيناريو الفيلم الاستمرار في أداء دوره المرسوم بحسب السيناريو الموضوع للفيلم، وغالبا ما يكون الجدل واحتدامه في أمور الدين وفيما إذا كانت قادرة على وضع الحلول المناسبة لمشاكل الإنسان في الزمن المعاصر.
على نحو قريب من هذه الأجواء المفعمة بلحظات الفقر والانكسار لأحلام الشباب، صوّر فيلم (عرس الذيب) لجيلاني السعدي صاحب الفيلم الروائي الطويل اللافت (خرمة) الأحوال الصعبة للبائعين الشباب الجوالة وهم في صراع مستمر مع البطالة جراء مطاردتهم اليومية من الأجهزة المختصة، ويكشف الفيلم عن معاناة هؤلاء نتيجة التفكك الأسري والصعوبة في التعايش داخل مجتمعهم، ولا يتوانى بعضهم عن اقتحام عالم الجريمة انتقاما من المجتمع الذي لم يعد يمتلك فرصة للعيش اللائق.
ويلتقط الفيلم مجموعة من تلك النوعية من الشباب الساخط في احد الشوارع الداخلية للعاصمة القديمة وهم يعتدون على إحدى الفتيات التي تأخذ على عاتقها مطاردتهم، لكنها تترك واحدا كان رفض الانجرار وراء صحبته في الاعتداء عليها، وترد له الجميل بالتواصل معه قبل أن تتركه وترحل ليظل وحيدا في عزلته الاختيارية داخل المجتمع القاسي بعد أن رفضت أن تربط مصيرها به.
يحتشد الفيلم بالكثير من التفاصيل التي تتناول العلاقات والأحاسيس والمشاعر التي تولد أشكال العنف في شخصياته القادمة من عوالم العذاب اليومي وتطاحن الحياة وفرض السطوة على الآخرين وتعذيب النفس على نحو يبدو وكأنه من الأمر الواقع.. كما يرصد الفيلم حالات من العنف اليومي الدارج الذي يتفشى بين أولئك الشباب بفعل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السائدة.
لم يكتفي حراك السينما التونسية النشط على حقل الفيلم الروائي بل صاحبه تفاعل حقيقي مع الفيلم التسجيلي والروائي والتجريبي القصير كما في تلك النماذج التي عرضت امس الاربعاء ضمن فعاليات اسبوع السينما التونسية في صالة سينما الرينبو وابرزها الفيلم التسجيلي (الشهيد السعيد) إخراج الحبيب المستيري الذي تناول في ساعة من الزمان احوال الشارع التونسي عقب اغتيال احد ابرز النشطاء السياسيين في تونس الذي امضى جزءا من حياته في الدفاع عن حقوق الإنسان هو شكري والذي مشى في جنازته سائر مكونات الطيف السياسي والاجتماعي في تونس المعاصرة ما بعد حقبة الرئيس الاسبق زين الدين بن علي حيث فجروا طاقاته في الاحتجاجات المتتالية عقب واقعة الاغتيال ضد العنف والاستبداد والتسلط والتطرف والذي اظهرها العمل على نحو مشهدي فطن بذائقة من الاحساس الجمالي اختلطت فيها الدعابة والدموع مع شهادات افراد الاسرة والمعارف والأصدقاء ومثلهم من السياسيين والمثقفين.
مثلما كان الفيلم الروائي القصير (رغبات) 22 دقيقة إخراج سمير حرباوي ينبش في مسألة البطالة بين الشباب حيث يجد عاطل عن العمل ملجأ عند صديقين يعيشان في منزل من غرفة واحدة، يقضي يومه في التجول في المدينة دون هدف، ويتذكر بعض لحظات حياته: خيبة امل عاطفية، فنية، سياسية… ولا يعود إلى المنزل إلا في وقت متأخر بعد تأكده من نوم صديقيه.
وسرد فيلم (البرويطة) لمخرجته سناء الجزيري، وهو من النوع الروائي القصير في 14 دقيقة، حكاية تجمع بين قساوة الواقع وبراءة الطفولة عن طفل في الثامنة من العمر مسؤول عن عائلته التي تعيش في فقر مدقع يفعل المستحيل كي يقدم هدية لأبيه قبل موته.
كما عاينت المخرجة خديجة المكشر في الفيلم الروائي القصير المعنون (ليلة القمرة العمية) الذي يقع في 20 دقيقة قصة ثلاث مراهقات يتخيلن ليلة اكتمال القمر، كل منهن تحلم بفارس الاحلام على الرغم من عمرهن الفتي، فهن يخشين ان يصبحن عجائز لذا يقررن المشاركة في طقس احتفالي وسط إحدى مقابر المدينة. وبالفيلمين،(الحي يروح) للمخرج محمد أمين بوخريص، (علالش) للمخرج وليد مطّار، تختتم الساعة السادسة مساء اليوم الخميس فعاليات اسبوع السينما التونسية، ويحكي (الحي يروح) وهو من النوع التسجيلي الطويل عن معاناة رجال الاعلام وهم يخوضون في اجواء صعبة لتوفير المعلومة والصورة الحية بحثا عن معرفة ما يدور في هذا العالم، غير ابهين لخطر الاصابة او الموت ابان تغطياتهم لوقائع مشحونة بالقسوة والعنف.
في حين يصور (علالش) وهو من النوع الروائي القصير، قصة طفل عمره سبعة أعوام، شاهد أطفالا آخرين يلعبون مع خروفهم، لكنه ظل يعاني من الوحدة لأنه لا يملك واحدا، ولا يريد الأطفال ان يلهو معهم، ويلجأ إلى حضن أمه، طارحا على اسرته اهمية ان يكون له احتفاله الخاص.
يشار الى انه سيتبع عرض الفيلمين، حفل موسيقي غنائي للفنان التونسي الشاب المتعدد المواهب ياسر الجرادي الذي صار يشكّل ظاهرة في الحياة الثقافية والفنية بتونس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى