الكاتب السوري حليم يوسف يخط سيرة شعب وتاريخا منسيا

الجسرة الثقافية الالكترونية

 

*راشد الأحمد

من يقرأ عنوان رواية “خوف بلا أسنان”، الصادرة عن دار “نون” الإماراتية، للكاتب حليم يوسف، سيكتشف للوهلة الأولى أنّه أمام أحداث مروعة، وتفاصيل شيّقة، وتاريخ مخفي هناك حيث الجزيرة السورية شمالا، حيث ينقل لنا الكاتب، عبر شخصيّات متعدّدة زمنيّا “موسى قامشلوكي” بطلها، الذي أصيب بمرض كان شائعا، يصاب به أطفال الجزيرة السوريّة ويسمّى “الخانوق” بالعربيّة أو “بقكي” بالكُرديّة.

مرض “الخانوق” فيه السّعال الجاف الشّبيه بالصّفير، واحمرار العينين، والحرارة المرتفعة، كانت هذه أهمّ الأعراض الظّاهرة على المصاب، في زمن كان علاج الأطبّاء لا يجدي نفعا -حسب فلسفتهم-، لا بل حتّى الأطباء عندما كانوا يصابون به، يهرعون إلى المداوي الوحيد السيّد “حسن تليسو”، فلكيْ تتخلّص من آلام هذا المرض عليك أن ترضى بكلّ شمم وكبرياء الرّضوخ إلى سكاكين العم “تليسو”، الذي لم يكن يتهاون في ذبحهم، وهي عمليّة يمرّر خلالها طرف السكّين غير الحادّ على رقبة المصاب عدّة مرات، تجرى العملية على أيّ منهم بقطع النظر عن أعمارهم، وبمجرد الرضوخ للواقع تتغيّر النظرة إلى الذّبح، وكلهم على قول واحد.

 

بهذه الأحداث تبدأ رواية “خوف بلا أسنان”، فيسقطه حليم يوسف على واقع حال سكّان الجزيرة السوريّة -الكُرد من بينهم- في حقبة زمنية موالية، حيث لا المداوي “تليسو” على قيد الحياة، ولا الذّبح يفيد أهالي المدينة المساكين، لا بل الكلّ صمٌّ يتبادلون الإشارات كأسلوب للتخاطب والمحادثة خوفا من المخبرين الّذين لا يتهاونون في نقلها إلى رجال الأمن، الذين يضعون صاحب الصّوت المبحوح أمام ثلاثة خيارات، إما السّجن أو السّفر خارج البلاد أو الانتحار.

وهذه طبعا فترة تاريخيّة أخرى تلي التسلسل الزمني للزمن السّابق، وتستمرّ أحداث هذا السّيناريو مع بطل القصّة “موسى”، الذي يصبح فيما بعد مدرّسا لمادة التّاريخ، وأيُّ تاريخ، تاريخ مختلف عمّا عاشه وسمعه “موسى” المدرّس، الذي لا يستطيع الخروج عن دفّتي المقرّر المعمول به، دستور الدّولة في تنشئة الأجيال.

 

الكاتب اتّخذ أسلوب السّرد الشخصيّ في نقل الأحداث على لسان بطل الرواية، لذلك تجد الرواية التي قام “فواز عبدي” بترجمتها عن الكُرديّة سيناريو جاهزا لمسلسل درامي تراجيدي، سياسيّ، تتشابك فيه الخيوط والصّراعات، والمشاهد فيه مرتبّة زمنيّا، والحبكة بين الأحداث والشّخصيات والمعاناة محكمة، ولا أروع من ذلك.

 

 

لغة معطلة

 

الشّخصيات مسمّاة وموزعة ومختارة، متشابهة بيولوجيّا، مختلفة في مصائرها، والمشكلات التي يتناولها الكاتب مازال المجتمع يبحث لها عن حلول، ولها ارتباطات مباشرة في سرّ ما يجري في الشّمال، والشّرق من سوريا، معاناة أطفال يتعلّمون لغة أخرى قسرا «منْ ذلك الطفل الكرديّ الذي كان يقف بذهول أمام معلم يتحدث العربية، لا يفهم ما يقوله المعلم، ولا يعلم لِمَ لا يتعلم لغته الأم؟ إلى معلم اللغة العربية الذي كان الأطفال الكرد يرطنون أمامه بين كردية البيت وعربية المدرسة ودوائر الدولة، مفردات اللغتين تتحول في رؤوسهم إلى حساء مغليّ من لغة جديدة لا هي العربية ولا هي الكردية».

 

وفي مشهد آخر «كانت لغة المعلم غريبة. تخرج الأصوات من فمه بطريقة مضحكة، وحين كنا نضحك، كان يؤنبنا، يشدّ آذاننا، ويبربر صارخا فينا بكلمات غير مفهومة. تطير الجُمَل من فمه متلاحقة سريعة.

 

 

فكاهة تراجيدية

 

الشّقاوة التي تعلّمها أطفال الكُرد في الجزيرة، الذين أمضوا طفولتهم حُفاة والّتي وصلت الحال بهم إلى قطع ذيول الحمير والأحصنة كنوع من إفراغ الكبت والقهر، ووسيلة للتناسي والمتعة -الفكاهة التراجيديّة- في ربوع الجزيرة كي يصنعوا بها آة موسيقية مشهورة تسمّى “الطنبور”.

 

وبعد الانتهاء من العمليّة يقوم الفريق الطبّي بمداواة الضّحيّة كعربون رحمة ونوع من المخافة للباري الذي يثأر من مللهم على تلك الأيّام الّتي هاجرت عبر قطارات القهر، وتناثرت مع عواصف الأيّام التي ذابت مع موتهم، لذا كانت المدينة ممتلئة بالحمير مقطوعة الأذيال، طبعا هذه رسائل مبطّنة يرسمها لنا حليم يوسف عنوانها الحرمان والمعاناة لأطفال يانعين، يقارن فيها معاناتهم في إلغاء لغة الأم بمعاناة الحمير عندما كانوا يرمونها أرضا ويشحذون أذيالها. حالتهم أشبه بتلك القطّة التي تدوس على ذيلها وتجبرها على الصّمت.

 

“سمكو” صيّاد الحمير كان ماهرا في العزف على تلك الآلة العجيبة، التي عجزوا وهم يطلبون من أهاليهم شراءها ولم يجدوا الجواب، فخلقوا لأنفسهم عالما خاصا، تجلّى ذاك في الرّكن الميت في حوش “قاسمو”، حيث كوخ مهجور حوّلوه إلى معرض للأذيال المقطوعة. الكاتب يركّز على عنصر الخوف الذي يظهر واضحا في أوّل كلمة من العنوان، فيكتب سيرة شعب، وتاريخا منسيا، في جغرافيّة المعاناة والذي هو أحد ضحاياها، بدليل أنّه اختار طريق المدرّس “موسى”.

 

الخيار الثاني وهو “السّفر إلى خارج البلاد” مفضلا إيّاه على الانتحار، أو السّجن، كي يقوم بكتابة تاريخ مأساوي في حقبة زمنيّة لا يُنسى، آخذا من شخصيّة “موسى” الذي لم يستطع شرح تاريخ مدينته “قامشلو” درسا لطلابه، أبى الوقوع فيه حليم يوسف، من جديد ينقلنا إلى عالم الحيوانات، ويكمّل نهج وتاريخ سليم بركات ابن مدينته البار بأدوات جديدة، ولغة ومفردات بسيطة، وإضافات مختلفة.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

العرب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى