تخشى المغامرة… وتُبقي سؤال الهوية مُعلقاً «وحدن» مثال لفرق شبابية موسيقية عديدة

الجسرة الثقافية الالكترونية

يارا بدر

تنتشر في كافيه وصالات بيروت فرق شبابية موسيقيّة متنوّعة لبنانيّة وسوريّة، وفي بعض الحالات تضم الفرقة أفراداً من كلا البلدين. من شارع الحمرا الذي تغيّرت ملامحه بحكم النزوح السوري إلى منطقة الجميزة أو مارمخايل، يتنقل الشباب بين المقاهي المنتشرة ذات الجمهور الشبابي غالباً، وهم يؤدون أغانيهم التي تدرّبوا عليها من لائحة الكلاسيكيّات اللبنانيّة الشهيرة والمعروفة من ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وقد يمرّرون خلال الحفلة أغنية أو اثنتين من أغنياتهم الخاصة قبل مغادرتهم، ليعودوا في اليوم الثاني إلى كافيه مجاور ليكونوا جزءاً من جمهور فرقة أخرى، وهم يبحثون عن فرصتهم الفنيّة الكبيرة، التي تنقلهم من هذه الصالات الصغيرة غالباً إلى قاعات المسارح الكبرى.
قبل أيام، استضافت صالة «ميزيان»- الحمرا سهرة معنونة بـ»أمسية لبنانية وقدود حلبية»، لفرقة «وحدن» اللبنانية. وكان العنوان جاذباً لشرائح متنوّعة من الجمهور، فهو يجمع أهواء اللبنانيين والسوريين إن صحّ القول. وفي كلا الأحوال يبقى أداء الموشحّات مغامرة فنيّة تستحق المتابعة.

ــ وحدن:
في أحد سهراتهم الأدائيّة عام 2012 وبشكلٍ عفو أطلق كل من إيلي واكيم المُغني وعازف الإيقاع في الفرقة ووسام جابر عازف البُزق اسم «وَحدُنْ» على تجمعهم الموسيقي المصبوغ برشاقة الهوّاة، نسبةَ إلى أغنية السيدة فيروز من كلمات الشاعر اللبناني طلال حيدر المعنونة بالاسم ذاته. وتقول: (وحدن بيبقو متل زهر البيلسان/ وحدن بيقطفو وراق الزمان/ بيسكرو الغابة/ بيضلهن متل الشتي يدقوا على بوابي).
يضم التجمع كذلك لبنان عون على الناي، وأمين منصور على القانون، وروي ناشف لاعب بيس غيتار، بالإضافة إلى البيانست شادي سعد الذي افتقده جمهور صالة «مزيان» التي لا تتسع بكل ببساطة للبيانو. إلاّ أنّ هذه لم تكن مشكلة الصالة الوحيدة، وهي صالة فسيحة، جيدة التهوية والإنارة، على العكس من غالبيّة كافيهات شارع الحمرا البيروتي. إذ كان للمشاكل التقنيّة حصتها الكبيرة من الظهور، الذي نسب إليه «عون» المسؤوليّة الأساسيّة في العديد من الأخطاء الفنيّة والأدائيّة التي ظهرت في أداء الفرقة ضمن القسم الأوّل من الحفل الذي غنّى اللبنانيّات القديمة المعروفة، موضّحاً: (كان في الصوت مشاكل بحيث لم نكن نسمع حتى أنفسنا بشكلٍ جيد، لنوازن بين درجة صوت الغناء ودرجة صوت الموسيقى).
متنقلين بخفّة، لم تكن موفقة دوماً، بين الأغاني اللبنانية في ما اطلق عليه عون مصطلح «مدلي» وقصد به التنقل بين الأغاني والدخول من أغنيّة إلى أخرى، بهدف إمتاع الجمهور كما كان واضحاً، وليس بقصد استعراض المهارات الأدائيّة موسيقياً وصوتياً. مُمرّرين كذلك أغنية فردية لهم، حاولت المزج بين إيقاعات لبنانية معروفة، واللعب على هذا التون القريب من ذاكرة الجمهور اللبناني والسوري.
لكن المفاجأة كانت أنّ مُعظم أخطاء الأداء، من خروج عن اللحن، إلى قطع المدى الصوتي في الموال المُؤدّى بشكلٍ غير سلسل، غاب مع غياب المدلي الذي حضر في القسم اللبناني، حيث عزفت الفرقة القدود الحلبيّة.
أربع أغان شهيرة للفنان السوري المعروف بأدائه القدود الحلبيّة صباح فخري أدّتها الفرقة بمهارة أثارت حماسة الجمهور رغم تراجع ضربات الإيقاع مقارنة بالأغانيٍ اللبنانية القصيرة. فيحضر التوازن الموسيقي الذي كان مفقوداً بين صوت الآلات وصوت المُغني، وكأنّنا أمام فرقة وجدت مساحتها واسترخت، فأنشدت. كان هذا جوهر الانتقال بين الأداء والإنشاد. وربما في أدائهم لموشح «قُلْ للمليحةِ في الخمارِ الأسود» لمحنا طيفاً من طرب خَطَر كسحابة صيف في فضاء الصالة.

ــ هويّة مفقودة:
«وحدن» كما يخبرنا لبنان عون تتألّف من ستة شباب جنوبيين، باستثناء واحد تعود جذوره إلى إحدى مناطق شمال لبنان. المعلومة التي تقدّم مجاناً تكشف حساسيّة عاليّة كانت قد توارت قليلاً في السنوات الماضية، إلاّ أنّ التوتر العالي الذي تعيشه المنطقة بأكملها انعكس بالضرورة، مُفرزاً احتقاناً ماضياً وحاضراً، وذكريات مؤلمة. وفي الوقت ذاته تعكس ما أخبرته الموسيقى الصادحة طوال السهرة، من إشكال سؤال الهويّة. الذي تعلّمنا جيداً في تجربتنا السورية القاسية أنّ الاضطرابات المُجتمعيّة ليست أكثر من مرآة تعرّي بُنيّة الهويّة ووعي الفرد بها، فإنّ كانت الاضطرابات عاليّة العنف، والهويّة الوطنيّة أو الثقافيّة أو المواطنة أو الحقوقيّة هشّة، كما حدث في سوريا، ارتدت الجماعة ككتلة وكأفراد إلى جذورها الصلبة، الواضحة المعالم، مثل الدين والقبيلة والعائلة. لتجيب بأقصر الطرق على أكثر الأسئلة إشكالية: من أنا؟ ما موقفي وأين أقف وسط هذه الفوضى؟ وفق ماذا أحدّد الخير والشر، الصح والخطأ؟
«وحدن» كما العديد كذلك من الفرق الشبابيّة السورية أو اللبنانيّة لم تستطع الخروج عن المألوف الكلاسيكي حتى في المحاولات الفردية التي برقت بدون رعد في سهراتهم الأدائيّة، فلا مغامرة موسيقيّة، ولا تجديد بل إعادة تقديم، استنساخ لتسجيلٍ موسيقيٍ ناجح. وكأنّهم يخشون التجريب، ولا يبدو مرد الخشيّة خوفاً من فقدان جمهور غير مُكتَسبٍ بعد، فمَنْ يخشى فقدانَ ما لا يملك؟! بقدر ما هو الخشية من المغامرة ذاتها. قدرات موسيقيّة وطاقات شبابيّة لا تريد التخلي عن تحكمها الصلب بمَلكاتها الفنيّة، تنبذ المجهول المُخبّأ في المدى الموسيقي القابع خلف النور المُنعكِس من الشريط المنسوخ في كل حفلٍ أدائي. تتقيّد بالكتاب، بتعليماته، كتلاميذ مدرسة مبتدئين. لكنهم في الوقت ذاته يوارون أرواحهم التي يُفترض أن تعلّم موسيقاهم وتشكّل صبغتها الخاصة، شغفهم، موقفهم من العالم وإجابتهم على السؤال العميق: من أنتم؟ كل هذا نبحث عنه ولا نرى سوى لمحاتٍ يرفض الشباب أن يطلقوها بحريّة التجريب. وكأنّ تشظّي الأحلام التي فجرّها شباب الربيع العربي دفعت بشهود تلك المغامرة التاريخيّة العظيمة إلى الانكفاء للأسف، وليس لتوليد فعلٍ مُضادٍ، تجريبٍ مُغامرٍ بتكثيف أعلى.
القدس العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى