“ما وراء الجسد” .. ما وراء “فلسطين” / سلطان القيسي *

الجسرة الثقافية الالكترونية – خاص – 

عندما زرت فلسطين في فبراير 2014، عدتُ برأس متخم، فردتُ الأوراق أمامي لأكتب ما رأيت..ماعشتُ وعايشت، لكنني لم أتمكن حتى الآن من الخروج بنصِّ يشرح كلمة “فلسطين”، هذه البلاد المتورطة بأساب الحياة كلها، تلك الأسباب التي جلبت عليها وعلى المنطقة ويلات لا تضاهى. أكثر الأمور إرباكاً كان تشعب الحالة الفلسطينية، هناك نتحدث عن حالة يمثلها أهل الضفة، تختلف عن حالة يمثلها أهل القدس، وتختلف عنهما الحالة الثالثة التي يمثلها سكان أراضي ال48 أي داخل الخط الأخضر.هذه المتغيرات تعتمد على قوائم كثيرة منها السياسي و الثقافي و الاجتماعي والديني والوطني، الحالات متباينة جدا، ومليئة بالتفاصيل المربكة بحق.

 عدتُ إلى عمّان مذهولاً، لأتلقى عبر الإيميل رواية ميرفت جمعة “ماوراء الجسد”، الرواية حاولت أن تعاين جانباً من هذه التفاصيل، إذ تطرح مشكلا اجتماعياً ليس بالجديد أدبياً ولكنه يكتسب أهميته من وقوعه في فلسطين، حيث تقع البطلة إيلين المسيحية التي تعيش في رام الله في حب يوسف المسلم اللاجئ العائد إلى رام الله من مخيمات الشتات، وتظلّ تعاني ذلك العشق المكتوم أمام قلاع يوسف الشاب الممتلئ ثقافةً ووسامةً، والذي يمشي على ساقي التجربة والمجازفة، حتى تستسلم له وتعلن حبها، إلا أنه يفاجئها برفضه للمسألة كلياً لأنه مرتبط بفتاة أخرى، ثم تكشف الرواية سراً عظيماً ألا وهو مجموعة من رسائل الحب المستعر التي كان يكتبها يوسف إلى إيلين ثم يخبئها في أدراجه معتذرا لها عن ضعفه أمام اتخاذ قرار ارتباط بفتاة من دين آخر، تظل هذه الرسائل سراً حتى ينكشف السر الأخطر وهو استشهاد يوسف قبل أن تبدأ الرواية أصلاً، حيث صوب إلى رأسه مستوطنٌ عياراً نارياً أفقده الحياة، فتتسلم إيلين المغلف الذي يحوي الرسائل ويحمل اسمها.

في الرسائل يصف يوسف صعوبة ظروف المخيم الذي أمضى فيه طفولته معتمدا وعائلته على بقج الأمم المتحدة، قبل أن يحقق حلمه بالعودة إلى الوطن. أهمية الرسائل فنياً تكمن في أنها اتخذت من اللغة الشعرية مجالاً حيوياً لها، فلا يمكن للقارئ أن يتجاوز الموسيقى العالية في النص، والدفق الشعري العالي الذي يكاد يخطف انتباه القارئ ويجرّه إلى لغة عليا تنم عن ثقافة راقية لدى ميرفت جمعة، إذ وظفت موروثها الثقافي والفني والشعري الفلسطيني دون أن تشعر القارئ بثقل  هذا التصدير، وظفتها بطريقة عفوية وانسيابية.

حين انتهيت من الرواية، شعرت بحرقة داخلية، طاقة عالية يحفزها الحزن و حسرة الفقد، هنا صفقت لذكائها، لأنها اختزلت كل طاقات الحزن والحرمان الممكنة في رواية واحدة، ثم حوّلت هذه الطاقات إلى طاقة أمل، هذا الشباك الذي حفرته  في الصخر، احتاج كثيراً من الجموح، من الخيال المجنح، والشعر.. أستطيع أن أقول أن هذه رواية شعرية أخرى تنضم إلى المكتبة العربية، أبطالها كلّهم مقهورون ومبتسمون، مجانين وخلاّقون، أمسكوا بيد القسوة وطوّعوها، احتالوا على الموت وصادقوه رغماً عنه.

رواية تخرج من قلب فلسطين، دون أن تتأثر بدخان الحرب، ترفع صوت الحب أعلى من الرصاص، وأعلى من المعوّقات التي تفرضها قناعات المجتمع، رواية مستغرقة بالروحانية، الروحانية الماكرة التي استطاعت أن تلوي يد الظرف لصالح هؤلاء الأبطال المغلوبين على أمرهم. 

كأن ميرفت جمعة بلغتها الباذخة والعالية، ومن خلال ثقافتها الساطعة في الرواية، تحاول أن تقترح حلّاً مقنعاً يخلّصنا من الموت العلني اليومي، كأنها تهمس لنا بالحل الأمثل: الحب؛ حب الله ..وحب الناس!


*شاعر وكاتب فلسطيني مقيم في عمّان

sultan_alqaesi@yahoo.come-mail: 

 

Twitter: @AlAlqaesi

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى