المثقفون والتصدّي للأحكام المغلوطة بين اسبانيا والعالم العربي

الجسرة الثقافية الالكترونية

 

محمّد محمّد الخطّابي

إسبانيا والعالم العربي بحكم موقعهما الجغرافي الممتاز، والجيوستراتيجي المتميّز، كبلدان جارة ومتقاربة، انطلاقاً من ماضٍ حضاريّ تقاسماه، وثقافةٍ رفيعةٍ نَسَجَا خيوطها معاً، وإشعاعٍ متألق انصهرا فى بوتقته، وبحكم الحاضر الواعد الذي يعيشانه، والمستقبل المشترك الذي يتطلّعان إليه، كلّ ذلك ينبغي أن يجعل منهما بلداناً واعية كلّ الوعي بالدّور الحيوي المهمّ المنوط بهما لتحقيق المزيد من التقارب والتعاون والعمل على نَسْج عُرَى صداقة أوثق، وترسيخ أواصر مودّة أعمق. ومدّ جسور التعاون في ما بينهما في مختلف الحقول، وبشكلٍ خاص في الميادين السياسيّة والتجاريّة والاقتصاديّة، والثقافيّة والعلمّية، والاجتماعيّة والسياحيّة والتاريخية وسواها من أوجه التعاون المختلفة الحيوية ذات الاهتمام المشترك بين الطرفين.
فالعناصر الصالحة المشتركة، والمكتسبات المهمّة للمورثات بينهما، الحضارية منها والتاريخية والثقافية واللغوية الثرية، تحفزهما أكثر من أيّ وقتٍ مضى لوضع قاطرة التعاون الثنائي على السكّة الصّحيحة القويمة، لتقريب المسافات واستغلال واستخراج كلّ العناصر الايجابية بينهما، في عصرٍ أصبحت فيه التكتّلات الاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة،والبشريّة والإنسانيّة بين الدّول والشعوب تتبلور بشكل لم يسبق له مثيل، لزيادة تعزيز وتقوية الأرضية الصّلبة لعلاقاتهما المتينة في مختلف مرافق الحياة المعاصرة، الثقافية منها على وجه الخصوص، وهنا تكمن الأهميّة القصوى للدّور الحيوي الذي ينبغي أن تضطلع به الثقافة فى هذا القبيل بين الجانبين.
الموروث التاريخي والثقافي والحضاري المشترك
الصّداقة القائمة بين هاتين المنطقتين، والتعاون المثمر الذي يجمعهما يَعكسان مقدارَ الرّغبة التي تحدوهما لزيادة بلورة طموحهما، وتوسيع وتعميق تعاونهما في شتىّ المجالات، وفي مخططات التعاون الثنائيّة، والمشاريع الاستثمارية والإنمائيّة والصناعية الكبرى المشتركة. كلّ ذلك ينبغي أن يواكبه تبادلٌ ثقافيٌّ خِصب متنوّع، وتعاون علمي مكثّف يزيدهما تعارفاً، وتقارباً وتفاهماً، ويعمل على زيادة تمتين أواصرالصّداقة والمودّة، وتوفير الاحترام المتبادل بينهما، على الرّغم ممّا يشوب علاقات بعض البلدان العربية والمغاربية منها على وجه الخصوص مع إسبانيا من أخذٍ وردّ! ممثّلة في أمور وقضايا ومطالب ما زالت عالقة تنتظر الحلول الناجعة لها على المدى القريب والمتوسّط وغير البعيد… وهي أمور وقضايا ومطالب مشروعة لا تخفى على أحد، ويعرفها القاصي والدّاني على حدٍّ سواء!
ولا غرو فالموروث التاريخي والثقافي والحضاري المشترك الزّاخر بين المنطقتين يشكّل ولا ريب أرضية صلبة، وحقلًا خصباً ممّا جعلهما ينفردان بخصوصّيات ومميّزات قلّما نجدها لدى سواهما من البلدان الأخرى، الشيء الذي أفضى إلى خلق نوعٍ من الاستمرارية والتواصل الدائمين في علاقات الطرفين منذ عدّة قرون، إذ يرجع التبادل الدبلوماسي بينهما منذ القرن السّابع عشر وبشكل خاص مع المغرب، الذي كان له قصب السّبق في ذلك، حيث كانت البعثات، والسّفارات، والرّحلات الدبلوماسيّة المغربية هي البعثات الأولى التي زارت إسبانيا، بدءاً أو انطلاقا من بعثة ابن عبد الوهّاب الغسّاني سفير السّلطان المولى إسماعيل خلال حكم العاهل الإسباني كارلوس الثاني (1691-1690)، ومروراً بالسّفراء الزيّاني (1758) وأحمد المهدي الغزال (1766) وابن عثمان المكناسي (1779) والكردودي (1885) إلخ، كلّ هذه الاتصالات المبكّرة شكّلت فى العمق» دبلوماسية ثقافية» غير مُعلنة من الطراز الرّفيع، إذ أولت جميع هذه السفارات، وكذا البعثات العربية التي تلتها للجانب الثقافي على وجه الخصوص أهميّة قصوى، وعناية فائقة.
المثقفون والتصدّي للأفكار والأحكام المغلوطة
انطلاقاً من هذا المفهوم، وتماشياً مع هذا السياق ما فتئ المثقفون، في كلتا الضفّتين يؤكّدون على الدّور المحوري المهمّ الذي تلعبه الثقافة، أو بالأحرى ينبغي أن تضطلع به الثقافة في توثيق وتعميق العلاقات بين الشعوب العربية والشعب الإسباني، للتصدّي للأفكار الجاهزة، والأحكام المسبّقة المغلوطة، والتصوّرات الخاطئة المنتشرة، والمُستشرية فيما بين هذه الأطراف جميعها، فقد أصبح الاهتمام فيها يتنامى بالفعل بشكلٍ مُرضٍ، خصوصاً في أوساط النّخب الثقافية، وكذا عند فئات واسعة من الجمهور، إنّ الإقبال المنتظم والمتزايد للإسبان على زيارة العالم العربي، وإقامة أو توافد وتوارد الكثير من المواطنين العرب والأمازيغ على إسبانيا، من شأنه أن ينسج جسورَ الاهتمام لمعرفة واقع وثقافة وتاريخ البلد الآخر.
وينبغي على الطرفين التصدّي فى هذا السياق للمفاهيم المعوجّة التي لا تقدّم صّورتهما الحقيقية، والتي تنتشر أساساً لدى الشرائح ذات الثقافة الضيّقة والمحدودة ،وبالتالي فالوسيلة الوحيدة لمحو هذه التصوّرات الخاطئة هي العمل معاً على واجهات التربية والتعليم، والإعلام والثقافة والفنون في مختلف البلدان العربية وفي إسبانيا. إنه مجال يتطلب، منّا بذل مَجهودٍ مُضنٍ من أجل تعبئة مختلف وسائل الإعلام قصد نقل الصّورة الحقيقية والإيجابية عن كلا الجانبين وصقلها، وتقديمها بالشكل الصّحيح غير المغلوط.
ولم يألُ المثقفون الإسبانُ والعرب بالفعل وسعاً فى بذل الجهود المتواصلة في العقود الأخيرة والاضطلاع بدور طلائعي في تطوير وتفعيل وتلميع وإبراز الصورة الحقيقية بينهما.
اللغة الإسبانية وثقافتها
ينبغي لنا البحث عن الوسائل الناجعة، وعن الآليات العاجلة لزيادة إثراء الحوار الثقافي القائم بين الجانبين لإقرار أرضية صلبة للتفاهم بينهما في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية تتماشى وتتناغم مع المعطيات التاريخية، والموروثات الثقافية المشتركة بينهما، واقتناعهما بالتأثير الإيجابي المتبادل بين ضفّتيْ هذه البلدان على امتداد القرون، مّا جعل من منطقة حوض المتوسّط عبر التاريخ فضاءً ثقافياً خصباً، كان له تأثير بليغ على أوروبّا، وشمال أفريقيا، ومختلف البلدان المجاورة. كما جعلت الأندلس، في عزّ أوجها من العالميْن العربي – الأمازيغي والإسباني عالماً متلاحماً ومشتركاً في العديد من المظاهر الحضارية والثقافية والفكرية، واللغوية والأدبية والإبداعية، وفي مختلف الأشكال الفنيّة، والتصاميم المعمارية والهندسية، ومرافق الحياة الأخرى، هذه التأثيرات والبصمات المتشابهة طبعت المنطقتين الجغرافيتين إلى حدٍّ أصبحتا تشكلان عالماً ينفرد بعلائق تاريخية وطيدة، وخصوصيّات ثقافية مميّزة في ما بينهما منذ عهود وعقود خلت تمتدّ إلى عصر الجنرال فراسيسكو فرانكو، الذي لم يعترف قط بالكيان الصهيوني إبّان مدّة حكمه المطلق (40 سنة). 
ويلاحظ في الوقت الرّاهن حضورا متزايد للّغة والثقافة الإسبانيتين في مختلف ربوع العالم العربي، اللتين كادتا في المدّة الأخيرة تتلاشيان، إلاّ أنّ لغة وثقافة سيرفانتيس طفقتا تسترجعان مكانتيْهما السّابقتيْن لدى جيرانهم العرب والأمازيغ، الذين زاد اهتمامُهم لتعلّم هذه اللغة الجميلة، والتفاعل على أوسع نطاق مع الأنشطة والتظاهرات الثقافية التي تنظمها «المعاهد الثقافية الإسبانية» الموجودة في مختلف البلدان العربية والإسلامية، التي تحمل اسمَ صاحب «دون كيشوت»(سيرفانتيس) ، الشيء الذي يبشّر بتفاؤل كبير لمستقبل الثقافة الاسبانية في هذه المناطق التي تعتبر من أقرب البلدان دنوّاً من إسبانيا جغرافياً وتاريخياً وثقافياً واجتماعياً، بحكم التعايش الذي تقاسماه خلال الوجود العربي- الأمازيغي في الأندلس، الذي استمرّ زهاء ثمانية قرون ونيّف، ولا شكّ أنّ التبادل الثقافي بين الطرفين سيزداد زخما وكثافة،ً ومتانة بين الأجيال الجديدة المقبلة في أفق بلورة فضاء تثاقفي مشترك يتقاسمه الشّعبان العربي والإسباني على مختلف الواجهات.
هذه الجهود المتواصلة والاتصالات المبكّرة والحثيثة بين هذين العالمين خلقت نوعاً من الاستمرارية، زادها العنصرُ الجغرافي بينهما متانةً وقوّةً وتواصلاً، فضلاً عن الجانب الحضاري والثقافي المميّز الذي يُعتبر عنصراً فريداً في بابه في تاريخ الأمم. كلّ هذه الخصوصيّات طبعت علاقات الجانبين على امتداد الحقب والعهود. هذا التقارب والتواصل والحوارالدائم القائم بينهما الذي لم ينقطع، ولم يفترّ قطّ عبر القرون، خير رصيدٍ وضمان لبناء مستقبل واعد حافل بالآمال والتطلعات.
دور المثقّفين المغاربة والإسبان كمثال
وكنموذج للتعاون الإسباني العربي في هذا المجال بشكل عام ما فتئ المثقفون المغاربة، في كلتا الضفتين يؤكّدون على الدّور المحوري المهمّ الذي تلعبه الثقافة على وجه الخصوص في توثيق وتعميق العلاقات بين الشعبين الإسباني والعربي، فقد اضطلع المثقفون في هذين الشقين من العالم بالفعل في العقود الأخيرة بدور طلائعي في تطوير وتفعيل وتقوية العلاقات الثنائية بينهما، ففي عام 1978 تمّ تأسيس «مجموعة المثقفين الإسبان والمغاربة» التي ضمّت صفوةً من الكتّاب والأدباء والمفكّرين المغاربة والإسبان التي ضمّت 40 مثقفاً من المغرب، و46 مثقفاً من إسبانيا الذين طالبوا بضرورة تحريك وتفعيل العلاقات الإسبانية المغربية، وبالتالي العربية على مختلف المستويات، وإعطائها نفساً جديداً، وإذكاء روح التعاون والتفاهم والحوارالدائم بينهما.
وقد أفضت هذه البادرة المبكّرة إلى تنظيم عدّة ندوات، وطاولات مستديرة حول مختلف أوجه التعاون الثقافي والأدبي، ونشرت بياناً طالب فيه هؤلاء المثقفون بضرورة تفعيل وتحريك الجانب الثقافي بينهم. من الموقّعين المغاربة : المهدي بنونة، محّمّد شقور، محمّد شبعة، لسان الدين داود، عبد الكريم غلاب، محمد بن عيسى، مصطفى اليزناسني، محمّد العربي الخطّابي، ، عبد الكبير الخطيبي، عبد الله العروي، محمّد اليازغي، محمّد المليحي، محمّد العربي المساري، سيمون ليفي، محمّد الصبّاغ، علي يعته..إلخ.
ومن الإسبان: خوان غويتيسولو، فرناندو أرّابل، بيدرو مونتافيث، خورخي سينبرون، فاثكيث مونتالبان، فيكتور موراليس، وآخرون كما طالبوا في هذا البيان بضرورة إعطاء نفس جديد للعلاقات الثنائية بين العالم العربي وإسبانيا، وإذكاء روح التعاون والتفاهم والحوار بينهما في مختلف المجالات.
كما أسّست بعد ذلك» لجنة إبن رشد» عام 1997التي تضمّ هي الأخرى نخبة من كبار المثقفين والأدباء والمفكرين، والشخصيات السياسية والإعلامية في الجانبين، والتي سلّطت الاضواء على العديد من المواضيع والقضايا الحيوية التي تحظى باهتمام الطرفين، فضلا عن تأسيس العديد من الجمعيات الإسبانية العربية ذات الصّبغة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والفنية، التي أصبح عددها يتنامى يوماً بعد يوم، والتي تعمل هي الأخرى على تقريب الهوّة بين هذين العالمين، والتعريف بطاقاتهما الخلاقة لتأكيد مزيد من التفاهم والتعايش بينهما في مختلف الميادين، وفي مقدّمة هذه الجمعيات النشيطة «جمعية الصّحافيين، المغاربة الناطقين باللغة الإسبانية» التي تضمّ نخبة مهمة من المثقفين الذين لهم باع طويل، ودراية واسعة بلغة سيرفانتيس وآدابها وثقافتها.
وفي الاتجاه نفسه ودعما وترسيخا لهذه الجهود، كان قٌد أعلن منذ بضع سنوات كذلك عن تأسيس «منتدى الحوار المغربي الإسباني» الذي يؤكّد في بلاغه: «تعبيرا عن اقتناعه الرّاسخ بأهمية العلاقات بين هذه الأطراف جميعها، وضرورة تطويرها وتنويعها وذلك بإقامة وإرساء قواعد ثابتة ودائمة للحوار والتفاهم والتعايش بين الطرفين.
كما تمّ تأسيس «مركز الدّراسات الأندلسية والحوار بين الثقافات»، وتنشيط النادي الاقتصادي للمقاولين من خلال المجلس الاقتصادي المغرب – إسبانيا، وسواها من المبادرات التي كانت تهدف برمّتها كمثيلاتها في البدان العربية الأخرى إلى هذه الغايات، والأهداف النبيلة التي تخدم المصالح المشتركة.
المصدر: القدس العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى