آديلا كورتينا: اعط المواطن احتياجاته ثم طالبه بالمسئولية

الجسرة الثقافية الالكترونية
محمد الحمامصي
تكمن المهمة الكبيرة في المستقبل في البحث عن نقطة الالتقاء بين القوانين والقيم الموجودة في الديمقرطيات الليبرالية بأنها أنسنة وأنها العقل الشاعر لكل فرد، من حيث هو كائن اجتماعي، وهذه المهمة هي التي يحاول أن يعالجها كتاب “مواطنون في العالم نحو نظرية للمواطنة” للفيلسوفة الإسبانية آديلا كورتينا وترجمة د. علي المنوفي، حيث الاستقصاء فيما يتعلق بالمدى الذي يمكن أن يكون فيه مضمون محل نقاش أيامنا هذه، وهو المواطنة بمثابة نقطة التقاء بين العقل الشاعر الخاص بأي فرد، وتلك القيم والقواعد التي لدينا والمتعلقة بالأنسنة، الأمر بالتحديد هو محاولة المواءمة بين اثنين من مشاعرنا العقلانية العميقة وهما: أننا ننسب إلى مجتمع، العدل في هذا المجتمع.
وترى المؤلفة في كتابها الصادر ضمن سلسلة مكتبة الأسرة أن المواطنة مفهوم يقوم بدور الوساطة لأنه يضم متطلبات تتعلق بالعدالة ويشير في آن معا إلى هؤلاء الذين هم أعضاء في هذا المجتمع، ويربط بين عقلانية العدالة وحرارة الشعور بالانتماء، ولهذا فإن وضع نظرية للمواطنة مرتبطة بنظريات الديمقراطية والعدالة، ولكن باستقلال ذاتي نسبي بالمقارنة بهما، قد يكون واحدا من التحديات التي نعيشها في عصرنا.
ولما كانت مثل هذه النظرية يمكن أن تقدم لنا الأسس الأفضل من أجل الحفاظ على ديمقراطية ما بعد الليبرالية ودعمها، فإنها أيضا يمكن أن تكون على مستوى المحفزات: أي أنها ديمقراطية تلتقي فيها المطالب الليبرالية للعدالة والجماعة الخاصة بالهوية والانتماء، وبالفعل نجد وفرة من النظريات المتعلقة بالمواطنة خلال عقد التسعينيات تقدم لمسوخ “جزيرة الدكتور مورو” لجورج ويلز إمكانية وضع القوانين الخاصة بها، غير أن الأمور ليست بهذه البساطة ذلك أن وضع نظرية للمواطنة تعني بالشروط المطلوبة التي تقوم على أساس المفاهيم المعاصرة للعدالة والانتماء، أي مفهوم للمواطنة قادرة على تحفيز أعضاء المجتمع على الالتفاف حول مشروعات عامة، دون الحاجة في ذلك إلى استخدام طرائق فيها احتيال، ويتطلب مواجهة مجموعة كبيرة من المشاكل التي غالبا ما تكون موروثة ومشاكل أخرى تطرأ في بعض الحالات.
وتلفت المؤلفة إلى أن المواطنة هي نمط من العلاقات ذات الاتجاه المزدوج، أي من المجتمع نحو المواطن، ومن المواطن نحو المجتمع، ولا شك أن المواطن يدين ببعض الواجبات للمجتمع، وبالتالي يجب أن يتحمل مسئولياته في هذا المجتمع، وهذا جانب أغفله كثيرا نموذج دولة الرفاهية، لكن الواقع الحقيقي أيضا هو أنه يمكن أن نطالب المواطن فقط بأن يتحمل مسئولياته عندما يكون المجتمع السياسي قد أظهر بوضوح أنه يعترف به كعضو من أعضائه وكأنه واحد من المجتمع.
وتؤكد على أن كل مجتمع سياسي عليه أن يولي اهتماما بالحاجات الأساسية لأفراده، فإذا ما تم الوفاء بهذه الحاجات بشكل معقول فإنه مجبر على الاهتمام باحتياجات باقي البشر، رغم أنهم قد لا يكونون من مواطنيه، فأن تغلق الأبواب أمام الوافد أو الأجنبي أو اللاجئ يعني أننا نرفض الوفاء باحتياجاته الأساسية بحجة أننا نعني باحتياجات المواطنين إنما هو ظلم صراح.
وعندما يكون هناك تعارض بين الاحتياجات البيولوجية والرغبات النفسية فإن العدل يقتضي أن نعني في المقام الأولي بغض النظر عمن يعيشونها. ومن هنا فإن على أوروبا أن تقوم بمراجعة وتغيير تلك القوانين المتعلقة بالوافدين والأجانب من تلك التي تضن عليهم ما هو أساس للإنسان بحجة إرضاء رغبات من لا يشعرون بالعوز. وإذا ما كان هناك من يعاني العوز في أوروبا في الوقت الحاضر، فإن ذلك لا يرجع أبدا إلى أن الوافد قد اقتطعها منه، أي أخذ منه مكانه في العمل.
وتضيف الفيلسوفة الإسبانية آديلا كورتينا: على ذلك فحتى يكون المرء مواطنا صالحا في أيامنا هذه وفي أي مجتمع سياسي يجب إرضاء المطلب الأخلاقي الذي هو المرجعية وهو مواطن في هذا العالم، ولن يتم الوفاء بهذا المطلب من خلال التربية فقط أو اتخاذ الإجراءات القانونية، بل العمل على تغيير النظام الدولي في مجالات مختلفة، وفي هذا المقام نذكر حقل الاقتصاد السياسي حيث يجب أن تكون فكرة المواطنة الاجتماعية، ذلك أن خيرات هذا الكوكب هي اجتماعية ولا يمكن استبعاد أي كائن بشري عنها.
وترى المؤلفة أن الكفاح من أجل عولمة أخلاقية ومن أجل عولمة التضامن والعدل، هو الطريقة الوحيدة لتحويل ما أطلق عليه خويسوس كونيل “الغابة الكونية” إلى مجتمع إنساني حيث يندرج تحت لوائها جميع الأشخاص وجميع الأشخاص وجميع الثقافات التي تدعو إلى الإنسانية.
وتخلص إلى أن الاعتراف بالمواطنة الاجتماعية هو شرط أساسي في بناء مواطنة كوزموبوليتية، تنطلق من كونها عادلة، لتجعل جميع الناس يشعرون ويعرفون أنهم مواطنون في هذا العالم.
يذكر أن الكتاب صدرت منه أكثر من طبعة منها طبعة دار الكتب خان، وهو يتضمن سبعة فصول، الاول “نحو نظرية للمواطنة”، والثاني “المواطنة السياسية من الإنسان السياسي إلى الإنسان القانوني”، والثالث “المواطنة الاجتماعية من دولة الرفاهية الى دولة العدالة”، والرابع “المواطنة الاقتصادية: تحول الاقتصاد»، والخامس “المواطنة المدنية عموم الارستقراطية”، والسادس “مواطنة الثقافة البيئية”، والأخير “التربية في إطار المواطنة: تعلم بناء العالم سويا”.
المصدر: ميدل ايست اونلاين



