أشهر 12 مشهدًا في نصف قرن من السينما الفلسطينية

أعمال سينمائية كثيرة، وثائقية وروائية، طويلة وقصيرة، من صنع فلسطينيين وعرب وأجانب، عن فلسطين والقضية الفلسطينية، من الصعب الحديث عنها أو عن أهمها في مقال واحد، ولكن هنا دستة من أشهر المشاهد في تاريخ هذه السينما، كل مشهد يلخص مضمون الفيلم نفسه، ويقول في دقائق معدودة ما تقوله مئات الأشرطة والكتب.
___________________ عصام زكريا
“مشاهد من الاحتلال في غزة“، 1973، وثائقي، 13 دقيقة.
“قطاع غزة..صداع إسرائيل الدائم. البؤرة الأكثر مقاومة وثورية للاحتلال على الخريطة الثورية الفلسطينية. يقول أحد ضباط العدو: “أفضل أن أشترك في خمس حروب على أن أشترك مرة واحدة في مواجهة المخربين في غزة”.
تبدو العبارات السابقة وكأنها تصف غزة 2023، ولكن الحقيقة أن عمرها نصف قرن بالتمام. وهي العبارات التي يفتتح بها فيلم “مشاهد من الاحتلال في غزة” لرائد السينما الفلسطينية مصطفى أبو علي، وهو واحد من أوائل الأفلام الفلسطينية، وأول فيلم تصنعه جماعة السينما الفلسطينية التي تأسست في العام نفسه، ورغم أنها لم تنتج غيره، لكنَّ مصطفى أبو علي وعددًا آخر من السينمائيين الفلسطينيين واصلوا جهودهم نحو تأسيس سينما فلسطينية رغم كل المعوقات، وأولها عدم فهم السلطات والقائمين على الأمور لدور السينما في التوثيق والنضال وإيصال الصوت الفلسطيني إلى العالم. وفيلم “من مشاهد الاحتلال في غزة” خير مثال على ذلك، فقد طاف عددًا من المهرجانات العالمية وقتها، وحصل على جوائز، ووثق لفترة تاريخية مهمة، وهي بداية ما عرف بـ”الثورة الفلسطينية” التي انطلقت عقب هزيمة 1967، وبعد خمسين عامًا، ها هو الفيلم حيٌّ، كوثيقة ترصد ممارسات الاحتلال الإسرائيلي في غزة، ومقاومة شعبها، جيلًا بعد جيل، دون كلل. ويجمع الفيلم بين المشاهد اليومية لمواطنين فلسطينيين وعربات الاحتلال تجوب المدينة وتفتش وتعتقل المواطنين، ولقطات لمواطنين يشكون القصف، ولقطات لبعض حركات التحرر العالمية، على شريط صوت حماسي، يذكر العديد من الأرقام والتواريخ حول اعتداءات الاحتلال وعمليات المقاومة.
Hanna K.، روائي، 1983، 140 دقيقة.
من أوائل وأجمل الأفلام التي قام بصنعها أجانب عن القضية الفلسطينية فيلم “حنا ك.” للمخرج اليوناني الفرنسي كوستا جافراس، المتخصص في الأفلام السياسية “الثورية” مثل “زد” Z و”حالة حصار” State of Siege و”مفقود” Missing والتي تدور في أماكن مختلفة من بلاد العالم.
يبدأ “حنا ك.” بواحد من أجمل المشاهد الافتتاحية في تاريخ السينما: أمام منزل فلسطيني فقير، ولكن جميل، تجلس أم تحتضن وتهدهد طفلها كأنها لوحة دينية من عصر النهضة، مع موسيقى فلسطينية هادئة وشجية، وتنزل عناوين الفيلم على الشاشة، ومع انتهاء العناوين يخرج من المنزل فجأة عدد من الجنود الإسرائيليين المدججين بالسلاح، وبصحبتهم كلابًا “بوليسية”، وتتحرك الكاميرا يسارًا فنرى عددًا من المواطنين الفلسطينيين واقفين خارج المنزل في انتظار انتهاء التفتيش، وتستمر الكاميرا في حركتها لنرى عددًا كبيرًا من الجنود والمصفحات، وسيارة نقل وضع داخلها عدد كبير من الشباب الفلسطينيين الذين تم اعتقالهم، وتتحرك الكاميرا أكثر فنرى عددًا أكبر من البيوت، وأمام كل بيت يتراص عدد من المواطنين، حتى يبدو وكأن القرية بأكملها تم تفتيشها واعتقال أبنائها.
وبهذا المشهد الافتتاحي تتأسس قصة الفيلم التي تروي محاكمة أحد هؤلاء الشباب المتهمين بالإرهاب (الفلسطيني محمد بكري في أول أفلامه) والصراع بين المدعين الإسرائيليين من ناحية والمحامية الفرنسية التي تكلف بالدفاع عن الشاب، وتؤدي دورها الممثلة جيل كلايبورج.
“فلسطين.. سجل شعب“، 1984، 110 دقائق.
هناك سينمائيون عرب تخصصوا في القضية الفلسطينية، من أبرزهم المخرج العراقي المقيم في ألمانيا قيس الزبيدي، والذي صنع العديد من الأفلام عن فلسطين منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي. ومن أشهر هذه الأفلام “فلسطين..سجل شعب” الذي عرض في الكثير من البلاد وحاز جائزة لجنة التحكيم من مهرجان فالينسيا، 1986، وجائزة لجنة التحكيم من مهرجان دمشق، 1985.
يروي الفيلم تاريخ القضية الفلسطينية منذ عام 1917، من خلال مجموعة كبيرة من الوثائق السينمائية والفوتوغرافية عن تاريخ فلسطين، وأجمل ما في الفيلم هو اعتماده على مشاهد صورها أجانب منذ بداية القرن العشرين لجوانب من حياة الفلسطينيين، وهي مشاهد تثبت أن هذه المدن والأراضي كانت فلسطينية وتفند المزاعم الإسرائيلية بأنها كانت أرضًا بلا شعب، كما تظهر تنوع وثراء الحياة الاجتماعية والثقافية والمهنية في هذه المدن التي تحول معظمها إلى دولة إسرائيل!
“عرس الجليل” 1987، 113 دقيقة.
“عرس الجليل” هو ثاني أعمال المخرج الفلسطيني البلجيكي ميشيل خليفي، الذي كان أول صانع أفلام فلسطيني يحقق شهرة ونجاحًا في أوروبا.
أثار “عرس الجليل” الكثير من الجدل في زمنه، وطاله الكثير من الاتهامات المجحفة، ولكن مع مرور الزمن تتبين بصيرة وأصالة هذا الفيلم الرائد.
يدور الفيلم، كما يدل اسمه، حول عرس يتم في قرية الجليل المحتلة، حيث يضطر والد العريس إلى دعوة الحاكم العسكري الإسرائيلي لضمان عدم قيامهم بمنع العرس، ما يثير كثيرًا من ردود الفعل المتباينة وسط سكان القرية.
وفيما يبدو على السطح أنه نوع من التعايش و”التطبيع” تظهر هشاشة هذا المظهر مع اقتراب نهاية الفيلم من خلال مشهدين دالين. الأول يقوم فيه جنود الاحتلال بسرقة حصان عربي أصيل مملوك لأحد أبناء القرية، ولكن الحصان يضل طريقه وسط حقل ألغام. وفيما يحاول جنود الاحتلال استعادة الحصان باللغة الوحيدة التي يعرفونها، وهي إطلاق النار، يقوم صاحب الحصان بالنداء عليه بأصوات يعرفها كل منهما، فيخرج الحصان عائدًا إلى صاحبه. المشهد الثاني يأتي في نهاية الفيلم، حيث يغادر جنود الاحتلال القرية مطاردين من قبل الأطفال الذين يمطرونهم بالحجارة. وهو مشهد صُوِّر قبل اندلاع انتفاضة الحجارة الأولى بعام تقريبًا!
“المنام“، 1987، وثائقي، 45 دقيقة.
المخرج السوري محمد ملص أحد المهمومين بالقضية الفلسطينية في معظم أعماله الروائية، ولكنه قدم أيضًا فيلمًا وثائقيًّا مكرسًا لفلسطين هو “المنام”، الذي يعتمد على فكرة ألمعية، وهي سؤال اللاجئين في المخيمات اللبنانية، الذين عانوا القصف والتشريد والتهجير، عن أحلامهم الليلية. وهناك العديد من اللحظات الإنسانية والمشاهد المؤثرة خاصة ما يتعلق بأحلام الأطفال والفتيات، مثل الفتاة التي نجت من الموت بأعجوبة خلال مذبحة “تل الزعتر”، ولكنها تحلم بشخص يأتي ويخبرها بـ”أننا انتصرنا”، فتجيبه “بها السرعة هاي؟”، أو تلك الفتاة التي شاركت في الثورة لسنوات ولكنها أحبطت نتيجة الخيانات والضربات الموجعة، فلم تعد تحلم إلا بالهجرة.
“سجل اختفاء“، 1994 و“يد إلهية“، 2002.
واحد من أنجب وألمع صناع السينما الفلسطينية هو المخرج والمؤلف إيليا سليمان ابن مدينة الناصرة.
بعد عدد من الأفلام القصيرة قدم سليمان فيلمه الروائي الطويل الأول “سجل اختفاء” الذي شارك في مهرجان فينيسيا الدولي وحصل على جائزة أفضل عمل أول.
مثل كل أفلامه، يتكون “سجل اختفاء” من مقاطع منفصلة، لا يربطها خط سردي واحد، ولكن روح واحدة، وأسلوب وموضوع واحد. وكما في معظم أفلامه اللاحقة أيضا تسود هذه المشاهد نبرة سخرية وكوميديا سوداء تقول ما تعجز عن قوله عشرات المشاهد الجادة. من مشاهد كثيرة لا تنسى في أعمال سليمان هناك مشهدان لعلهما أكثر مشهدين كتب عنهما في تاريخ السينما الفلسطينية. المشهد الأول من “سجل اختفاء” والثاني من “يد إلهية”.
في أحد مقاطع “سجل اختفاء” تظهر سيارة شرطة كبيرة وسط أحد الميادين الرئيسية بمدينة الناصرة الأثرية. تظهر سائحة أوربية أو أميركية تحمل خريطة ويبدو أنها تائهة. تقترب من سيارة الشرطة وتسأل الشرطي أمام عجلة القيادة عن المكان، يسألها هل هذه كنيسة، فتجيبه نعم. فيخبرها أنه لا يعلم، ويفتح باب السيارة ليخرج منها شابًا فلسطينيًّا مقيدًا ومعصوب العينين ليسأله. والشاب المعصوب العينين يصف المكان للسائحة بدقة، بل يصف لها أكثر من اتجاه يمكنها الذهاب عبره. تذهب السائحة ويعيد الشرطي وضع الشاب في السيارة.
إن كلًّا من الشرطي الإسرائيلي والسائحة الأوربية غريبان في هذا البلد، ولا يستطيع كل منهما ببساطة، أن يرى الحقيقة التي يراها الأعمى، وهي أن صاحب البلد الأصلي معتقل على يد الشرطي الغازي وعلى مرأى من المتفرج الغربي!
المشهد الثاني من فيلم “يد إلهية” يقوم فيه مجموعة من المتدربين الإسرائيليين (جنود، مستوطنين) بإطلاق النيران على لوحات تحمل صورة فتاة فلسطينية ملثمة، وهم يؤدون حركات راقصة لإطلاق النار من جميع الاتجاهات حتى يدمروا ويسقطوا كل اللوحات ما عدا واحدة. يقترب مدربهم ويطلق الرصاص على الصورة المتبقية ويطلب منهم إكمال المهمة، ولكن يحيط ضباب بالصورة وتخرج منها الفتاة (على طريقة كيانو ريفز وآن كاري موس في “الماتريكس”) وتطير في الهواء متجنبة طلقات الرصاص التي تحيط برأسها مثل تاج الشوك على رأس صور السيد المسيح. ثم تقوم الفتاة بقذف مهاجميها بعدد من الأهِلَّة، ثم الحجارة، ثم خريطة فلسطين التي تتخذها درعًا مثل درع “كابتن أميركا”، وتسقط بها طائرة!
“حيفا“، 1996، 75 دقيقة.
في هذا الفيلم الذي مثل فلسطين بشكل رسمي للمرة الأولى في مهرجان “كان” يرصد المخرج المتميز رشيد مشهراوي ردود فعل الفلسطينيين وحياتهم اليومية في الأراضي المحتلة عقب توقيع اتفاقية أوسلو وإعلان الدولة الفلسطينية. ويبين حالة الحيرة والاختلافات في الرأي والرؤى، والأمل مع الخوف من المستقبل التي تبدت لاحقًا في انهيار هذا الاتفاق. ومن المشاهد الشهيرة بالفيلم، والتي عبرت بشكل رمزي عن مضمونه وعن الحالة العامة السائدة، تقوم سيدة عجوز بإيقاف سيارة، فيسألها السائق عن المكان الذي تود أن تذهب إليه، فتجيبه: “ما بعرف وين بدي روح”!
“زمن الأخبار“، 2001، 50 دقيقة.
مع بداية الألفية الجديدة شهدت السينما الفلسطينية طفرة كبيرة تزامنت مع الثورة الرقمية من انتشار وتطور الكاميرات الرقمية الحديثة والمونتاج الرقمي، بجانب أجهزة الكمبيوتر والإنترنت التي سهلت الوصول إلى المعلومات، بجانب ظهور عدد كبير من أبناء الجيل الثالث من أبناء فلسطينيي الداخل والأرض المحتلة والمهاجرين، والذين تعلموا السينما واللغات الأجنبية. ومن هؤلاء المخرجة عزة الحسن التي قدمت عددا من الوثائقيات المتميزة، من أبرزها فيلم “زمن الأخبار”. ويعتمد الفيلم على فكرة وشكل إنساني يخلو من الخطابة والنبرة الدعائية الرنانة التي كانت تسم الأفلام الوثائقية التقليدية. يقوم “زمن الأخبار” على بناء درامي شبيه ببناء الأفلام الروائية، إذ تلعب المخرجة شخصية مخرجة (هي عزة الحسن) تسافر إلى رام الله أثناء أحداث الانتفاضة الثانية (2000)، حيث تحاول أن تصنع فيلمًا عن الناس الفلسطينيين بعيدًا عما تقدمه عنهم نشرات الأخبار: مدير تصوير تطلب منه العمل معها في الفيلم، صاحب البيت الذي تستأجره، قصة حب شاب وفتاة تتعرف عليهما، بعض أطفال الجيران. ولكن كل هؤلاء يصبحون جزءًا من الأخبار بشكل أو آخر. مدير التصوير يعتذر لها عن عدم العمل معها لأنه مشغول بتصوير أحداث الانتفاضة لإحدى وكالات الأخبار العالمية. صاحب المنزل وزوجته يصابان بالرعب عندما تتعرض رام الله للقصف ويقرران المغادرة، تاركين البيت للمخرجة. أطفال الجيران ينخرطون في أعمال الانتفاضة، حيث يشاركون يوميًّا في الثورة، وحيث يمكن أن يقتل أو يصاب أحدهم ويتحول إلى صورة أو رقم في الأخبار. قصة الحب تفشل أيضًا بسبب الوضع السياسي والحياتي المأساوي.
في النهاية لا وجود للفلسطيني إلا داخل زمن الأخبار. لقد تحول إلى كائن سياسي، لا حياة ولا ملامح شخصية له. تتجسد فكرة عزة الحسن في السؤال: (متى نوقف “زمن الأخبار” لنبني “زمن السينما”؟ حيث نعرف من استُشهد ومن جُرح، ونعرف تفاصيل هذا البيت الذي هدم، ونسمع أنين تلك الشجرة التي اقتلعت)؟!
“باب الشمس“، 2004، 278 دقيقة.
في رائعته المكونة من جزءين “باب الشمس”، والمقتبسة عن رواية إلياس خوري، يقدم المخرج يسري نصر الله أطول ملحمة روائية عن تاريخ القضية الفلسطينية، ويحتوي الفيلم بجزءيه على عشرات المشاهد التي لا تنسى منذ النكبة وحتى الاجتياح الإسرائيلي للبنان. ولكن ربما يكون المشهد الأكثر شهرة هو اعتقال نهيلة (ريم تركي) زوجة المناضل يونس (عروة نيربية) والتحقيق معها لإثبات أن زوجها يهرب من السجن كل فترة بدليل أنها حبلى. وحتى تنكر نهيلة التهمة تضطر إلى الادعاء بأنها غير مخلصة لزوجها وتقول للمحققين: “أنا حرة يا أخي، أنت شو بدك في، أنا ش…، ليش ما فيش ش… في دولتكم المحترمة اعتبروني واحدة من إياهن وخلصني”.
رغم جرأة المشهد بالنسبة للسينما العربية، ولكنه مثل تصريح نهيلة نفسها، لم يتم التعامل معه على أنه خروج على الآداب، بل نوعٌ من البطولة وقمة الشرف.
“الجنة الآن“، 2005، 90 دقيقة.
هذا هو الأشهر بين الأفلام الفلسطينية، وأكثرها إثارة للجدل. حصل الفيلم على أكبر عدد من الجوائز الدولية لفيلم فلسطيني، من المهرجانات الأوربية، والأهم داخل أميركا نفسها، حيث حصل على “الجولدن جلوب” وترشيح لأوسكار أفضل فيلم أجنبي، في أول مرة تعترف فيها أكاديمية فنون وعلوم السينما أو أي مؤسسة أميركية بدولة فلسطين وسط جدل هائل وحرب شعواء من اللوبي الصهيوني.
وهو ثاني أفلام المخرج هاني أبو أسعد بعد “عرس رانا” الذي يتتبع تفاصيل الاستعداد لعرس فلسطينيين في الأرض المحتلة.
يأتي “الجنة الآن” عقب أحداث 11 سبتمبر 2001، بسنوات معدودة، وسط الحرب العالمية على الإرهاب والجماعات الجهادية. ويتتبع الفيلم شابين فلسطينيين منضمين إلى واحدة من هذه الجماعات يصلهما تكليف بمهمة تفجير أنفسهما داخل حافلة ركاب إسرائيلية. الشابان اللذان يؤدي دورهما كل من الممثلين علي سليمان وقيس ناشف مختلفان في الشخصية والطباع، بينما يبدي أحدهما حماسًا كبيرًا، فإن الآخر هادئ ومتردد، ولكن مع اقتراب عقارب الساعة من اللحظة الحاسمة، وفي مواجهة الموت، تتكشف الحقائق النفسية العميقة لكل منهما، وتصل إلى الذروة في النهاية التي تكسر التوقعات، وتبين لنا بشكل لا لبس فيه، أنه حتى الانتحاريون ليسوا آلات صماء أو “حيوانات بشرية”، ولكنهم أناس من لحم ودم، لهم حياتهم والبيئة التي ولدوا وعاشوا فيها، والثقافة التي تغذوا عليها، وأن تغيير ذلك كله هو الذي يصنع الفرق وليس الحرب التي لا تولد سوى المزيد من “الإرهاب”.
“ملح هذا البحر“، 2008، 109 دقائق.
في فيلمها الروائي الطويل الأول، تقدم المخرجة والمؤلفة الفلسطينية الأميركية آن ماري جاسر فكرة لامعة أخرى حول مفهوم “الإرهاب”. يدور الفيلم، المحمل بمواقف ومشاعر ذاتية، حول فتاة أميركية من أصل فلسطيني تعود إلى مدينة رام الله، مسقط رأس عائلتها الذين تم تهجيرهم وسرقة ممتلكاتهم خلال نكبة 1948، وذلك للبحث عن حساب بنكي قديم لجدها. وبإيقاع هادئ متمكن يرصد طبيعة الحياة تحت وطأة الاحتلال وكراهية العرب، ومنهجية السرقة واغتصاب حقوقهم من قبل الدولة الصهيونية ومؤسساتها، نصل إلى لحظة الذروة الدرامية، عندما تقرر الفتاة وصديقها استعادة حقوق جدها بأية وسيلة، حتى لو كانت السطو على البنك!
جدير بالذكر أن إحدى الفتيات اللبنانيات قامت بعملية مماثلة عندما ماطل أحد البنوك في تسديد جزء من حسابها العام الماضي!
الحل الفردي والخروج عن القانون قد يكون حلًّا أخيرًا يائسًا في مواجهة إجرام الدول والمؤسسات.
** المصدر: مجلة “الجسرة الثقافية”. العدد: 63