أهديناهم الأندلس.. وأهدونا تل أبيب!

غزة الصغيرة الفقيرة، فضحت “كليشيهات” الحرية والديمقراطية والقرية الكونية وحقوق الإنسان، وثأرت لمبانيها المدمرة بتدمير مؤسسات كاذبة ومتواطئة
وليس هناك أبلغ من البيان الذي أصدره أطباء إسرائيليون يطالبون فيه جيش الاحتلال بنسف مستشفيات غزة، لنرى مدى الوحشية المتجذرة في الروح الصهيونية
العقاب الجماعي لأهل غزة لا يستهدف فقط محوهم جسديًّا من الوجود، بقدر ما يرمي إلى جعلهم عِبرة لأي روح تحلم بالخلاص من الاستعباد في أي مكان على وجه الأرض
قال الهندي الأحمر في خطبته الأخيرة، بعد أن رأى الغزاة البيض يبيدون الناس والحيوانات: “اتركوا الأشجار”
____________ عماد أبو صالح
في كتابي الصادر قبل أيام قليلة من معركة “طوفان الأقصى” كتبتُ هذه الفقرة: “يمحو الشاعر أثره بنفسه. يريد ألا يترك أي إشارة تدل عليه. يخجل من أن يعرف أحدٌ في المستقبل أنه كان عائشًا هنا في هذا الزمن، أنه كان شريكًا في كل هذا العار”. لم أتمكن من محو أثري للأسف، وهأنا شاهدٌ على الجريمة، وشريكٌ في العار.
منذ ١٩٦٧ (سنة الهزيمة، وسنة ميلادي) عاصرتُ حروبًا ومذابح كثيرة، لكنني لم أشاهد الحقائق مفضوحة مثلما هي الآن. إذا كان هناك من يقول إن “حماس” أعادت “الدولة العبرية” يوم ٧ أكتوبر إلى نقطة الصفر، فإنني أرى أن غزة أعادت العالم كله إلى نقطة الصفر ذاتها. نزعت ملابسه وتركته عاريًا يعوم في بِركة دمها، ويسمع -مهما صمَّ أذنيه- بكاء أطفالها وصرخات نسائها، ويرى -مهما أغمض عينيه- أشلاء أبنائها. غزة الصغيرة الفقيرة، فضحت “كليشيهات” الحرية والديمقراطية والقرية الكونية وحقوق الإنسان، وثأرت لمبانيها المدمرة بتدمير مؤسسات كاذبة ومتواطئة مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ومحكمة العدل الدولية والجامعة العربية، وغيرها من “الإكسسوارات” الصدئة التي يديرها مجرمو الحرب وتجار الدم.
لم تتوقف المذابح ضد الفلسطينيين منذ عام ١٩٤٨ لكن هذه المذبحة أقذرها. حصار قرابة مليونين ونصف مليون إنسان في شريط ضيق، وبدء عملية تصفية شاملة غير مسبوقة في التاريخ. لا ماء، لا غذاء، لا دواء، لا كهرباء، لا وقود ولا اتصالات، بالتزامن مع قصف المستشفيات والمساجد والكنائس والمخابز، واستهداف المدنيين الهاربين إلى أحياء شبه آمنة.
تكشف أميركا (ومعها أوربا) عن وجهها الحقيقي، وتشترك في حفلة الإبادة الجماعية المتواصلة ليل نهار، عبر دعم عسكري ومادي ومعنوي لم يحدث بهذا الشكل الفج منذ بداية المأساة الفلسطينية؛ حاملات طائرات وغواصات وجنود ومرتزقة وعملاء وخبراء تطهير عرقي، إضافة إلى مليارات الدولارات لمحو شعب كامل من الوجود، وزرع دولة على أنقاضه. إن وزير “التراث” في حكومة الكيان المحتل كان صادقًا رغم رعب تصريحاته: “إلقاء قنبلة نووية على قطاع غزة أحد الخيارات المطروحة. لا يوجد أبرياء في غزة، وكل المدنيين متورطون. لن نسلم المساعدات الإنسانية للنازيين. يمكنهم الذهاب إلى أيرلندا أو الصحاري. أي شخص يلوِّح بعلم فلسطين أو علم حماس ينبغي أن يُقتل ولا ينبغي أن يستمر في العيش على وجه الأرض”. لا تأتي تصريحات عميحاي إلياهو في فورة غضب مؤقتة أو لحظة طيش عابرة، برغم الأصوات القليلة التي أدانتها لتحقيق مكاسب انتخابية أو حفظ ورقة التوت الأخلاقية. إنها تعبر عن الضمير الجمعي العميق للإسرائيليين وأنصارهم في أميركا ودول الغرب. كل ما فعله الوزير هو نقل حقيقة ما يحاك في الغرف المغلقة، وإعلانه على الملأ وفي النور. وليس هناك أبلغ من البيان الذي أصدره أطباء إسرائيليون يطالبون فيه جيش الاحتلال بنسف مستشفيات غزة، لنرى مدى الوحشية المتجذرة في الروح الصهيونية حد أن المؤسسة الطبية التي من المفترض أنها تضم “ملائكة الرحمة” وأقسم أعضاؤها على قسم أبوقراط؛ تنظم مظاهرة بالمعاطف البيضاء للحض على إبادة المرضى والجرحى.
لا تقتصر هدايا غزة التي تهديها لنا من تحت الأنقاض، على فضح العصابة السياسية التي تحكم العالم. إنها تعري الأكاذيب الثقافية والفكرية التي راجت منذ سقوط سور برلين، حول “نهاية التاريخ” وتحلل الأيديولوجيات وموت الأسئلة الكبرى، لصالح التبشير بمواطن كوني واحد يتمرغ في نعيم الديمقراطية الأميركية. وترى العين المنصفة أن العرب والمسلمين دفعوا، طوال ثلاثة عقود، فاتورة باهظة لهذه الطبخة المسمومة مقارنة ببقية الشعوب؛ عبر إراقة دمائهم أو تدمير بلدانهم أو نهب ثرواتهم. لقد تعرضت الثقافة العربية الإسلامية مع تدشين العولمة، إلى عمليات رجم مسعورة لم يسبق لها مثيل في التاريخ الحديث، وبلغت ذروتها في السنوات العشر الأخيرة. انتقل الهجوم الكلاسيكي من المستشرقين، الذين كانوا يعملون ضمن دوائر نخبوية ضيقة في أزمنة قديمة، إلى كتائب علنية حديثة تضم المثقفين الغربيين ووكلاءهم (أو مخبريهم) المحليين. تحقير شامل لدين العرب ولغتهم وتراثهم وعاداتهم ونمط حياتهم، مدعومًا بآلة إعلامية واقتصادية جبارة. كأنَّ العربي هو بربري العالم الذي يجب تمدينه طوعيًّا “بالثقافة الناعمة” بعد قرون طويلة من فشل تمدينه إجباريًّا “بالقوة الغاشمة”. حُمَّى تمويلات تهطل سنويًّا على الشعوب العربية بغرض شراء ضمائر المثقفين والفنانين، لا انتشالها من مستنقع الفقر والاستبداد. مِنَح وجوائز وترجمات وورش ومؤتمرات وصحف ومواقع إلكترونية؛ تعمل بدأب لشيطنة التاريخ العربي الإسلامي كله، وضبط العقول والأرواح على المقاييس الأميركية- الأوربية، وفي مقدمتها تسفيه أي حس ثوري، وتضخيم الذات الفردية مقابل الهوية الجماعية، وتلفيق مظالم عرقية وجندرية، وصناعة فوبيا إسلامية، إضافة إلى التطبيع المجاني مع العدو الصهيوني لنيل تأشيرة التسامح و”قبول الآخر” بغض النظر عن السجل العريق لهذا “الآخر” في الإجرام. أسفرت هذه “الأجندة” الثقافية الملغومة عن نزع معيار القيمة من الإبداع وتحويله إلى إنتاج استهلاكي ذي وصفة موحدة، ينبذ الرؤى المغايرة، خاصة تلك التي تؤمن بالنضال والتحرر والمقاومة، ويعتبرها من حفريات التاريخ. لقد أدت حالة السيولة (أي الميوعة) في الحياة والأفكار تحت بريق “الليبرالية” الخادع، إلى غسيل أدمغة جيلين على الأقل لصالح أكذوبة النموذج “المثالي” الغربي، وظهور تيار نخبوي وشعبوي بات يُعرف باسم “الصهاينة العرب”، وتوفير سقف أخلاقي لتدمير كل من يشذُّ عن “السيستم” وأولهم أهل غزة، بعد أن رفضوا دخول بيت الطاعة الإسرائيلي- الأميركي، وتمسكوا بأرضهم ودينهم ولغتهم وتاريخهم وهويتهم. إن العقاب الجماعي لأهل غزة لا يستهدف فقط محوهم جسديًّا من الوجود، بقدر ما يرمي إلى جعلهم عِبرة لأي روح تحلم بالخلاص من الاستعباد والاستبداد في أي مكان على وجه الأرض. إنني أخجل من أن أكون شاعرًا وسط هذا النهر من الدم البريء ولا أتعمد هنا استخدام كلمات شعرية، لكنني لا أستطيع أن أقاوم الإغواء الشعري في أن غزة تقدم نفسها قربانًا لأجل إعادة المعنى إلى البشرية.
هل يفتح جرح غزة المفتوح عيون الشعوب الغربية، التي خرجت بالملايين للمطالبة بوقف الإبادة دون جدوى، على حقيقة أنها لا وزن لها لدى حكوماتها، وأنها تعيش وهْم الصوت الانتخابي الحر والتأثير في صناعة القرار؟ هل يدركون أن بلدانهم ليست رسول السلام ولا الحرية، بعد أن رأوا رؤساءهم يديرون المذبحة ويدعمونها بالأموال والمعدات؟ وهل تدرك النخبة العربية بمفكريها ومثقفيها وفنانيها، أن أميركا ليست جنة الديمقراطية بعد أن عيَّرونا طويلًا بمدى تقدمها وحداثتها مقارنة بفقرنا و”تخلفنا”؟ الإجابة واضحة لكل ذي ضمير حي، و”الهولوكست” على الهواء مباشرة، والحقيقة ناصعة وساطعة كما في بداية الخلق: هذا دم، وهذا القاتل هو قابيل، وهذا القتيل هو هابيل، باستثناء فارق وحيد هو تطور آلة القتل من السكين للصاروخ.
قال الهندي الأحمر في خطبته الأخيرة، بعد أن رأى الغزاة البيض يبيدون الناس والحيوانات: “اتركوا الأشجار”. بدأ غزو هذه القارة الرائعة عام ١٤٩٢م وهو العام نفسه الذي شهد سقوط غرناطة، آخر ممالك الأندلس، التي أهداها العرب لأوربا بكل تسامحها وحضارتها، وأهدتهم بدورها تل أبيب بكل عنصريتها وبربريتها. لا أخاف على الفلسطينيين من مصير الهنود الحمر ولا مصير شعب الأندلس، رغم أن يوآف غالنت وزير دفاع جيش الاحتلال وصفهم بأنهم “حيوانات بشرية” لا تستحق الحياة، ورغم أن خبراء عسكريين يؤكدون أن حجم القنابل التي ألقيت على غزة في الشهر الأول من الحرب يعادل ٢٥ ألف طن، وهو ما يزيد بعشرة أطنان على قنبلة هيروشيما.
كيف أخاف على شعب يهرِّب أسراهُ النُطفَ من الزنازين لتحبل النساء في المنازل، ويزوِّج الآباء الشهداء للشهيدات في المآتم ويحولونها إلى أعراس؟ ما أخافه هو جريمة النسيان. تقول فيسوافا شيمبورسكا: “في نهاية كل حرب.. أحدٌ ما يجب أن ينظِّف”، وأنا أريد لهذه المحرقة أن تظل لطخة وسخة على وجه العالم لا تزول بالتنظيف والغسيل.
أريد أن يظل هذا العار حيًّا وحاضرًا وطازجًا حتى لو توقفت التفجيرات وجف الدم وهدأت الصرخات؛ حتى لو “رحلت الكاميرات إلى حرب أخرى” كما تقول شيمبورسكا نفسها.
المصدر: مجلة الجسرة الثقافية. العدد: 63