الجمع والالتقاط

- العافية… نعمة وافية - 2024-12-02
- المدرسة مؤسسة تربوية تعليمية - 2024-09-03
- مناراتُ حبٍّ - 2024-07-29
هي أُولى منهجيات الحياة البدائية عند الإِنسان القديم، ووفق الفلاسفة وعلماء الاجتماع، فقد عمد الإِنسان القديم، قبل أَن يحيط خبرًا بما حوله من إِمكانات الطبيعة، إِلى جمع كل ما تقع عينه عليه من متاع، يظن فيه المنفعة، فيرصده لأَوقاته التي يظن فيها القطيعة.
وإِذ كانت بدائية في سبل عيش الإِنسان، فأَرى أَنها مثالية متقدمة في سبل عيش الأَذهان وفي تنمية المعارف، وتوسيع الحدس، وشحذ الفراسة، وتسريع استجابة الفطنة عند الإِنسان، وقد يتواصل معها حديث المصطفى – صلى الله عليه وسلم -: «الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى بها».
في هذا الحديث، يحضنا الأُسوة الحسنة، والرحمة المهداة، على جمع شذور الحكمة من مناجمها، وعلى التقاط جنى المعرفة من حيث تتدلى قطوفها، وتتنابت غصونها، من غير التفات إِلى منبعها؛ أَكان إِسلاميًا أَم دينياً، ولا إِلى شجرتها؛ أَكانت شرقية أَم غربية، فالحكمة فاكهة طيبة من حيث ما نبتت من المنابت، من أَفواه المجانين أَم من خلوات العارفين، من صلوات العابدين أَم من هفوات الخاطئين.
وإِذ يجهل الإِنسان القديم بمقدار حاجته وكفايته وتجدد الطبيعة وتعويضها من حوله، فإِنه قد يستكثر مما يظنه خيرًا، فيكون بعد حين عبئًا عليه ينقض ظهره إِذا شاء الاحتفاظ به، أَما في جمع العلم والتقاطه، فالمساحة الذهنية والرحابة الفكرية والتأَملية التي منحها الله لخلقه قابلة لكل اللطائف والطرائف والنظريات والفرضيات والقصص، بل إِن العلوم لتفسح للعلوم في عقل الإِنسان، وإِن أَفكارًا تودي إِلى أَفكار، كلما زدنا فضاء الأَفهام علمًا، زدناه اتساعًا ليقول هل من مزيد، وإِن الصدور لتتسع لما تضيق به الرفوف، وتحوي ما تعجز عنه المجلدات والمهارق العظيمة، فالإِمام الشافعي رحمه الله، عندما ضاق ذرعًا بالقراطيس التي ينسخها، والقصاصات الورقية التي يملي فيها شوارد العلم وراء أَساتذته عمد إِليها، فحفظها جميعًا وأَمكنه التخلص من أَكداس الورق التي خشي عليها التلف والضياع، أَما العلم فقد آل إِلى مكانٍ أَمين وقرار مكين، وأَودعه في صدره حيث يستدعيه متى شاء، من دون خسران وقت تنقيبًا بين شعث أًوراقه:
عِلْمي مَعي حَيْثمــــــــــــــــــا يَمَّمْـــــــــــــــتُ فهـــــــــــــــو معـــــي
قلـــــــــــــــــــبي وعَــــــــــــــــاءٌ لَــــــــــــــــــــــــــــهُ لا بَطْــــــــــــــــنُ صُنْدُوقِ
إنْ كُنْتُ فِي البَيْــــــــــتِ كانَ العِلْمُ فِيــــــــــهِ مَعي
أَوْ كُنْتُ في السُّــوقِ كَانَ العِلْمُ في السُّـــــوقِ
وعلى خلاف قوت الأَبدان – الذي يورث الشبع حتى إِذا جاوز الشبع أَورث التخمة – فإِن قوت الأَذهان وغذاء العقول يزيد الجوع والمسغبة، فقد آنست من الكتب نهمًا لا يُسَدُّ، وظمًا لا يروى إِلى مراتع العلم الخصيبة، ومناهل المعرفة العذبة، تلك العوالم التي أَغنتها عن الضوضاء، واجتذبتها إِلى حيث التركيز واغتراف الفوائد واصطياد دقائق التدبر والتفكر، فالخبرة المعتقة بالقراءة والتصفح والجمع والالتقاط، مما تشتهي الأَنفس وتلذ الأَعين من كتب الفلسفة والآداب والشريعة، بنهمٍ لا تطاوله التخمة، وصبر لا يُنفده المكوث الطويل، ورغبة لا تثنيها غلبة، وجلساء لا يُمَلُّ حديثهم، وقديمًا قال القائل:
أَعز مكان في الدُنى سرج سابح
وخير جليس في الأَنام كتــــــــــــــــــــــابُ
المحروم من يستغني عن منثور الحكم في الهوامش والمتون، فلا يلتقطها ليضيف أَلوانًا أُخرى إِلى لوحته العقلية، والمحظوظ من يتقصّى أَخبار السابقين، وسير الغابرين، ويتفحص الطيب والرديء منها فيأخذ أَو يدع.
@zainabalmahmoud
@zalmahmoud@outlook.com
** المصدر: جريدة “العرب”