الحياة حلوة .. تراجيديا إنسانية مغموسة في ضحك كثير

الجسرة الثقافية الالكترونية
أسامة جاد*
عندما ارتمى على أقدام مارتن سكورسيزي، في “كان 1998″، بدا لجمهور حفل إعلان النتائج كمهرج سيرك تقمص الدور، وأوغل في الأداء بعض الشيء.
وقتها، لم يكن روبرتو بينيني (بسبب عيوب الترجمة ربما) أدرك أن جائزته هي “الكبرى” في المهرجان.. ظنها جائزة أفضل مخرج، كما قال بعدها.. وما كادوا يفسرون له الالتباس حتى انبطح على أرض المسرح تماما، مد جسمه الكاريكاتوري في طوله النحيف، وبدت رأسه، في سينوغرافيا المشهد، كرأس طائر نهري، وهي ترتفع وتهبط على حذاء سكورسيزي، اللامع جدا، في قبلات متتالية سريعة تقاطع تمتماته الشاكرة، بالأسلوب الإيطالي المعتاد.
أما المشاهدون، الذين دمعت عيونهم من موجات الضحك المستمرة يومها، فقد تأكد لهم أن بينيني نجح في تحقيق معادلة “كان”، الذي يصر على مفهوم البهجة في جوائزه دائما (لم تذهب جائزة المهرجان الكبرى لفيلم تراجيدي باستثناء فيلم “غرفة الابن”، وكان الاستثناء المحافظ على القاعدة بالمعنى العام).
تأكد المشاهدون، وهم في طريقهم للعرض الختامي لفيلم بينيني، يومها، “الحياة حلوة” La vita è bella أنهم سيشاهدون فيلما مبهجا، يحتفل بالحياة والفرح، وخرجوا بعد العرض متسامحين تماما مع لحظة البكاء المدهشة قرب نهاية الفيلم، وهم يكتشفون أن بينيني “ضحك عليهم”.
ضحك بنيني، فعلا، عليهم؛ عندما اختار عنوانا دالا على الفرح لفيلم هو في الأساس “مرثية”.. نكتشف ذلك في مشهد النهاية، الذي طعمته الطفولة أيضًا بالفرح.
فيلم الحياة حلوة
ولكن بينيني، في الفيلم، كان يشبه بينيني الذي رآه الجمهور يقبل حذاء مارتن سكورسيزي، على الخصوص، كأحد آباء السينما الإيطالية الروحيين في هوليوود (هو صاحب “سائق التاكسي” الذي فاز بسعفة كان، و”الثور الهائج” الفائز بالأوسكار، و”الإغواء الأخير للمسيح” و”رفاق طيبون”) إلى جوار فرانسيس فورد كوبولا بالطبع.. وكمخرج يعرف كيف يحكم الإيقاع في المشهد، ويغلف، حتى العنف، بمسحة من الأحلام.
لم يستغرب المشاهدون وقتها أن يكون المهرج الذي عرفوه في مشهد الحياة مع سكورسيزي، هو ذاته بطل الفيلم، وأن تكون سذاجة المهرج، ذاتها، هي التي تغلف الحياة بالسلوفان، وتحقق المعجزات: تجعل الأميرة تسقط من السماء، في أحضان البطل، وتجعله يخطفها، على حصان، “أخضر” زيادة في الطرافة، أو تجعله، في محاولته لجذب انتباه الأميرة يقدم واحدا من أعظم مشاهد السخرية من العنصرية العرقية التي شهدتها إيطاليا في عصرها الفاشستي.
الفيلم، دون أن نكشف تفاصيله الدرامية بما ينال من متعة مشاهدته، يكاد ينقسم إلى قسمين، لم يهتم روبرتو بملء الفراغ بينهما، الأول بدايات التغير في المجتمع الإيطالي في مطلع الحرب العالمية الثانية، أو هي إرهاصات البدايات، من خلال قصة حب، غير منطقية، بين البطل، الساذج بعض الشيء، وحبيبة، تسقط بين يديه فعلا، من أعلى مبنى ريفي، عند وصوله لمساعدة عمه في إدارة فندق.
ومن خلال منظور شديد الرقة.. بإيقاع يتبنى منطق الحلم، تتطور قصة الحب في رهافة تامة، إلى أن يخطف البطل حبيبته، بالفعل، على حصان قام أطفال الحي بتلوينه بطلاء أخضر، مع بدء العداء الفاشي ضد اليهود في تلك الفترة.
فيلم الحياة حلوة
كما كان تمهيد روبرتو لأجواء تلك الفترة، اجتماعيا، غاية في الكوميديا، حتى حدود “الفارس”، بافتتاح الفيلم بذلك المشهد البديع لراكب في سيارة تعطلت مكابحها يلوح للواقفين، فيظنونه مسئول الحزب الفاشيستي يلوح بالتحية الشهيرة لموسيليني.. المسئول ذاته، الذي نراه في المشهد التالي بائسا، بين جمهور لا ينتظره.. إلا أن المخرج آثر تجاوز تفاصيل المرحلة لينتقل مباشرة لمعسكر الاعتقال، الذي وجد المشاهدون أنفسهم في مواجهته، فجأة، ومطالبين أيضا بتصديق ذات منطق المهرج، الساذج، أن الظروف غير الإنسانية التي يواجهها وصغيره وحبيبته “السماوية”، ليست، فيما أقنع الصغير، سوى لعبة.. من اشتراطاتها الصارمة أن نتحمل كل ما يحدث.
كان الجمهور، في كان 1998، في توقيت مقارب لهذه الفترة من العام، يتحدث على باب قصر المهرجانات وعلى امتداد الـ”كوت دازور”، بعد مشاهدة الفيلم، حول المهرج الذي جعل أقبح ما في الحياة جميلا، حتى لحظة إطلاق النار عليه، التي حرص أن نضحك عندها، لنكتشف، مع الدبابة المنتصرة التي أنقذت الصغير، أنه مات… وسأل أحدهم في دهشة: ولكنه فيلم تراجيدي؟.
غير أن أحدا لم يستطع الرد على سؤال آخر، من لا مكان، تقريبا: هل قصد بينيني “التمحك” في فدريكو فيلليني، شاعر السينما الإيطالية الأشهر، عندما اختار لفيلمه عنوان “الحياة حلوة”.. في معارضة واضحة لفيلم فيلليني الأشهر La dolce vita؟