الرواية والعدل والأشرار

- الرواية والعدل والأشرار - 2026-01-26
- «ورد السياج» العابر لكل حصار.. - 2025-08-18
- الهوية وغزة - 2025-07-24
– لقد بكى على شخصية فنية وهبته كل ما فيها، حتى أنه صدق أنها تعيش معه ثم رحلت. الكاتب يبكي على رحيل الأخيار والأشرار من شخوصه، لأنهم كانوا أعظم صحبة، وأكرموه كل الكرم، ثم تركوه وحيدا».
هذه المقدمة تلخص في رأيي معنى الكتابة وجوهرها. أعني هنا كتابة الرواية. فالرواية روح وليست عقلا. رغم ذلك واجهت الرواية ولا تزال تفسيرات عقلية، فبحث الأشرار عن رموز خفية لا يراها غيرهم، واعتبروا الرواية هجوما عليها وعلى أصحابها. ما أكثر الروايات التي تمت مصادرتها في العالم، وتحول مؤلفوها إلى المحاكمة.
قيل يوما بعد انتصار الحركة الشيوعية في روسيا، إنه مع العدل ستنتهي الرواية. لكن الذي حدث هو اضطهاد الكتاب فيما صار يسمى الاتحاد السوفييتي، وخروج الكثيرين إلى أوروبا لأن الظلم فاق العصر القيصري، والعدل شعار لن يتحقق أصلا في الدنيا كاملا. انتهى الأمر بتفكك الاتحاد السوفييتي نفسه وعاشت الرواية. العالم الآن تتسع فيه الحكايات أكثر.
أقل ما فيه ما يحدث في بلادنا العربية مثل غزة والسودان، ولك أن تتخيل كمّ الروايات التي ستأتي. عالم يرفع شعار القتل والإبادة يتصور أنه يحقق العدل، ولا يرى العدل يقف بعيدا باكيا؟ أتخيل ضاحكا رغم الآلام، أن من يقومون بذلك، يعملون في السر في دور نشر تنشر الروايات، ويعدونها بطوابير من الكتاب، وأرفف من الروايات، لكنهم ينسون أنهم سيحتلون مقدمة الأشرار دون أن تذكر أسماؤهم.
ذكر الأسماء في الروايات، يحتاج كتاباً أذكياء يحركهم الخيال أكثر، وأسماء رائعة منهم بيننا. من أجمل ما كتب مع ذكر الأسماء مسرحية كاليجولا لألبير كامي. كاليجولا الحاكم الروماني جعله كامي حالة عبثية، يبرر ما يفعله، برغبته أن يأتي بالقمر من السماء. صار كاليجولا حالة فلسفية وجودية عابرة للتاريخ. النقد الأدبي جعل الرواية عملا عقليا حين راح يتحدث عن المدن في الرواية، والمرأة في الرواية، والحرب في الرواية، وغير ذلك من موضوعات. لكن النقاد لم يقصدوا أن تتحول الرواية إلى حقل تأتي منه الاتهامات.
مؤكد يقدم النقاد للكتاب الآخرين صفحات عليهم أن يتجاوزوها. لكن ظل هناك أشرار بعيدا عن النقد، يبحثون في الرواية عن رأي الكاتب في غيره، بينما الرواية التي يظهر فيها الرأي لا تستحق القراءة. الآراء كامنة خلف الأحداث يدركها الأكثر ثقافة، وتظل نسبية أيضا قد تختلف من شخص إلى آخر.
تأتي صفحات الدعاية للروايات من دور النشر والكتاب، تتحدث عن موضوع الرواية كأنها مقال علمي، وتغري القراء بحداثة الموضوع، ولا موضوع حديث في الفن حتى الآن، فكل الموضوعات شبعت بحثا وكتابة منذ الملاحم القديمة، والذي اختلف هو كيف تتم الكتابة. هذه هي الحداثة. طبعا أضيفت إلى عالمنا الثورة الرقمية، فحفلت الروايات بالتغريدات والإيميلات وغيرها، لكن الموضوعات لم تتغير. حتى إذا كتبت عن شخص يري حياته خلف اللاب توب يرسل الرسائل إلى لا أحد، فأنت لم تبتعد عن الوجودية التي تجلت في أعمال سابقة على الثورة الرقمية.
الأشرار ليسوا حقائق في الرواية. الشر يأتي ممن يبحث فيها عن أشرار حقيقيين. أعود إلى البداية ويطل سؤال دائم. لماذا لا تكتب رواية تدين فيها من حاربوك حربا قذرة في حياتك؟ لأن الشر حولي في كل مكان ولا حاجة لي بهم. ثم لماذا أحييهم مرة ثانية، وأمنحهم دموعي حين يموتون. لماذا أهبهم الخلود؟
** المصدر: جريدة “الشرق”



