الصغير يحلّل آليات الخطاب الشعري في السبعينيات

الجسرة الثقافية الالكترونية

 

 

محمد الحمامصي

 

صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة دراسة نقدية حديثة بعنوان “آليات الخطاب الشعري” للناقد د. أحمد الصغير، مدرس الأدب العربي ونقده بكلية الآداب جامعة أسيوط، فرع الوادي الجديد، وهي الدراسة الرابعة، حيث قدم الصغير من قبل دراسات متعددة في النقد الأدبي، وقراءة الشعر تحديدا، فقدم قراءة في قصيدة النثر المصرية، 2010، وقصيدة الإبيجراما في الشعر الحديث عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، والمفارقة في إبداع طه حسين، التقنيات الدرامية في قصيدة الحداثة العربية.. والكثير من المقالات الأدبية في الدوريات العربية المختلفة.

 

وجاءت هذه الدراسة لتقف على آليات الخطاب الشعري، قراءة في شعر الحداثة، وحاولت أن ترمي بمجموعة من الأحجار في المياه الراكده، لإثارة الكثير من الدوائر المتعددة حول قراءة النص الشعر الذي دشنه شعراء الحداثة بدءا جماعة إضاءة 77 وأصوات، والجراد والأربعائيون، وغيرهم.

 

كما اهتمت الدراسة بتناول الأسباب الأولى التي أسهمت في إنتاج هذا الخطاب الشعري المائز في الشعرية العربية منذ فترة السبعينيات، حيث رأى الصغير أن مرحلة السبعينيات شهدت كثيراً من التحولات والتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية؛ فكان من الطبيعي أن تستجيب الحياة الثقافية بعامة والأدبية بخاصة لكل هذه التحولات. فعقب هزيمة الخامس من يونيو/حزيران عام 1967، سقطت الرموز السياسية وتبددت أساطيرها التي هيمنت على الواقع المصري، مما أدى إلى سقوط الحلم الذي راود عقول المصريين بعامة والمثقفين بخاصة.

 

وأضاف الصغير أنه “على أثر هذا السقوط، تشكلت الحركات، وانتشرت المظاهرات في جميع أنحاء مصر من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها؛ فقد أصبحت مصر جمرة مشتعلة تندد بالكيان الصهيوني على أرض سيناء وتقاتله على شواطىء القناة.

 

وبمجئ السادس من أكتوبر/تشرين الأول 1973، وعبور الجيش المصري لقناة السويس واسترداد الأرض المغتصبة، رُسمت الابتسامة على وجوه المصريين، ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان فقد كانت جموع الشعب المصري تنتظر استكمال المشروع القومي الذي بدأ مع ثورة يوليو/تموز 1952، ولكن ما حدث كان على عكس ما حلم به المصريون، فقد أعلنت السلطة السياسية سياسة الانفتاح والاعتراف بالعدو الصهيوني بوصفه كياناً حقيقيـاً على أرض فلسطين، ولهذا فقد خرجت جموع الشعب في مظاهرات 18،19 يناير/كانون الثاني 1977، رافضة النظام الحاكم وإسقاط شرعيته، وعلى الرغم من شمول تلك الانتفاضة فقد استمر النظام في السلطة وذهب السادات إلى إسرائيل وسط المناخ السيئ الذي أعقب تلك الانتفاضة الشعبية”.

 

وأوضح د. الصغير أن عقد السبعينيات قد شهد موت المشروع القومي الذي كان – فيما يرى الباحث – سبباً قوياً في تمرد شعراء السبعينيات على السائد والمألوف، محاولين بذلك تشكيل واقعٍ جديدٍ يوافق همهم القومي ورؤيتهم المغايرة للسائد. وفي هذه الظروف، ولدت جماعة “إضاءة 77” لتعلن رفضها لثقافة المؤسسة ودعاتها الرسميين آنذاك.

 

وقال: “أثار الخطاب الشعري السبعيني جدلاً واسعاً في الحياة الأدبية المصرية، لتمردهم على الشكل القديم الذي كانت تكتب به القصيدة العربية، سواء أكان عموديَّـاً أو تفعيليَّـاً. هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى: فقد طرح شعراء السبعينيات إنتاجهم الشعري الذي يعبر عن منطلقاتهم الفكرية والثقافية، لتأسيس الشكل الجديد للقصيدة السبعينية التي ينتمون إليها وتنتمي لهم، مجابهين بذلك الحياة الثقافية السائدة آنذاك، فهم يمثلون ظاهرة أدبية فرضت نفسها على الواقع الأدبي والثقاقي. وتقتضي بذلك البحث والدراسة”.

 

طرح الصغير في هذه الدراسة آليات الخطاب الشعري السبعيني، ومدى قدرة شعراء السبعينيات على امتلاك أدواتهم الفنية من خلال تجاوزاتهم على مستويي الشكل والمضمون. ورصد للآليات الفنية التي ارتكز عليها شعراء الحداثة في نصوصهم من هذه الآليات “اللغة، والإيقاع، والصورة، والرمز الشعري، وتوظيف التراث.. الخ”.

 

كما طرح الموضوعات الأكثر بروزاً لدي شعراء السبعينيات محل الدراسة “حسن طلب – حلمى سالم – رفعت سلاّم”، فهم يمثلون فيما رأى د. الصغير” أكثر شعراء السبعينيات إثارة للجدل وللخلاف لدى النقاد والباحثين، فهم الأكثر حضوراً على الساحة الشعرية ويجسد إنتاجهم الشعرى كل التناقضات التى ولدت فى حقبة السبعينيات وإلى اليوم”.

 

وأكد د. أحمد الصغير أن هذه الدراسة أتت لتطرح أسئلة، كان لا بد من طرحها في الحياة الثقافية والأدبية المصرية؛ فهي لا تزعم أنها قد طرحت إجابات عن تلك الأسئلة ولكن قد تفجر هذه الأسئلة قضايا للنقاش وتبادل الآراء. كما تنشغل الدراسة أيضاً بإعادة القارئ إلى حظيرة الشعر العربي مرة أخرى.

 

جاءت الدراسة في مدخل وستة فصول وخاتمة، حيث وقف الصغير في المدخل عند مصطلح جيل السبعينيات ودلالاته، كما طرحت الدراسة مفهوم الجيل الأدبي بعامة وإشكالية المصطلح في النقد الأدبي بين الزمني والفني مع رصد بعض من الإنجازات التي حققها “جيل السبعينيات”.

 

أما فصول الدراسة، فقد جاء كل فصل مرتبطاً ارتباطاً قوياً بغيره أو مكملاً له.

 

وقف المؤلف في الفصل الأول عند موضوعات الخطاب الشعري في السبعينيات فتناول مصطلح الخطاب الشعري، طلقا منه إلي بعض الموضوعات التي تعد أكثر بروزاً في الخطاب كالذات والمرأة والوطن.

 

وجاء الفصل الثاني حول البنية اللغوية للقصيدة السبعينية بركنيها الأساسيين الإفرادي والتركيبي، متناولاً ظاهرتين من ظواهر التركيب هما التقديم والتأخير والحذف.

 

أما الفصل الثالث فحمل عنوان “توظيف التراث في شعر السبعينيات” وطرح توظيف النص الديني بأنواعه المختلفة “توظيف القرآن الكريم والحديث النبوي والكتاب المقدس” وتوظيف الأسطورة والشخصية التراثية وتوظيف النصوص الأدبية شعراً ونثراً.

 

وضم الفصل الرابع المعنون “الإيقاع في شعر السبعينيات” أربعة محاور أساسية: المحور الأول: مفهوم الإيقاع، والمحور الثاني: الإيقاع الخارجي في شعر السبعينيات والثالث: الإيقاع الداخلي في قصيدة النثر والرابع: القافية في شعر السبعينيات.

 

وتناول الفصل الخامس “تشكيل الصورة الشعرية في شعر السبعينيات” ثلاثة محاور: المحور الأول: مفهوم الصورة الشعرية، والثاني: عناصر الصورة الشعرية من “تشبيه واستعارة وكناية”، والثالث “الصورة السينمائية في شعر السبعينيات، اللقطة – االتقطيع – المشهد”.

 

أما الفصل السادس فقد جاء بعنوان “تجليات الرمز الشعري في شعر السبعينيات” وضم أربعة محاور: الأول: مفهوم الرمز الشعري، والثاني: أسباب استخدام الرمز، والثالث: طبيعة الرمز، والرابع: الرمز الشعري لدى حسن طلب ورفعت سلاّم وحلمي سالم.

 

وجاءت خاتمة الدراسة محددة ملامح المنجز الذي قدمه شعراء الحداثة على سبيل المثال، أولاً : لقد انتقل جيل شعراء السبعينيات بالشعر العربي من قصيدة الشعر الحر التفعيليّة إلى قصيدة النثر التي لا مفر من قبولها بوصفها ظاهرة أدبية تجلت في أواخر القرن الماضي، ولها شعراؤها المتميزون الذين يدافعون عنها بشدة أمثال رفعت سـلّام الذي اهتم بمراجعة الترجمـة لكتاب سوزان برنار عن “قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا”؛ فقد يعطي الكتاب رواجاً لمشروعية قصيدة النثر؛ استناداً إلى المعايير التي قدمتها سوزان برنار لقصيدة النثر.

 

ثانياً: إن الإضافة الحقيقية أيضاً – التي قدمها شعراء السبعينيات – قد حددها حلمي سالم في ثلاث نقاط: 1- “إن تغيير – أو تحويل – الشكل هو دائماً الضربة الجوهرية انطلاقاً من حقيقتين؛ الأولى: أن القصيدة كالحياة والواقع في تغيـير وصيرورة دائمة. والثانيـة: أن الشـكل – كما يقول فيشر – هو الخبرة الاجتماعية لجماعة بشرية في مكان وزمان محددين. 2 – إن الفن الثوري ليس هو الذي يتحدث أو يقـول الثورة؛ وإنما هو الفن الذي “يفعل” الثورة ؛ فلا يكون الفن بذلك واصفاً منعزلاً للفعل في حركة الحياة والواقع، بل جزءاً حميمياً وحقيقياً من حركة الواقع. إن الفنان الذي لا يرتبط بحركة الواقع ارتباطاً ديناميكيّـاً فنان لن يبقي في ضمير الأمة.

 

ثالثاً: ومن الإنجازات التي قدمها شعراء السبعينيات أنهم قد رأوا أن الشكل شيء أعلى من أن يكون مجرد شيء سلبي “بل رأوا أن الشكل فوق ذلك – تكوينه أساسي في ما يريد قائل أن يقوله بمعنى أنه إذا كان الشكل هو كيفية تكون قول فإن كيفيات تكون هذا القول هي جزء أساسي في ماهيته، ومن خلال ذلك طرح شعراء السبعينيات، سواء في شعرهم أو في تنظيرهم، أن الشكل مضمون أيضاً، أي ليس في مواجهة المضمون، بل إنه أيضاً يقول : بطريقة قوله للمنقول.

 

رابعاً: ومن إنجازات شعر السبعينيات في اللغة “أنهم قد عدّوا اللغة بوصفها أداة فنية هي الواقع الفعلي وليس تعبيراً عن الواقع، فحاولوا مزج لغة الواقع بالنص الشعري السبعيني، وخلق رؤية جديدة من خلال هذا المزج الحميم”.

 

ويدخل في هذه الإنجازات الإيقاع ؛ فقد أضاف شعراء السبعينيات بعداً آخر للإيقاع، “فلم يعد يقتصر الأمر على التفعيلات المحفوظة، بل سعى إلى تكوين إيقاعات مختلفة من خلال التلاعب باللغة، ومن ثم فإن تراوح النغم والإيقاع والتركيب على المستوى الصوتي، أو على مستوى الجرس، وعلى المستوى الدلالي معاً، هو من أهم سمات هذا الشعر”.

 

ولقد كشف شعر شعراء السبعينيات عن مستويات أخرى للمضـمون وهي “الإمساك بالواقع الحي، حتى وإن كان قذراً وملطخاً، شائها، أو رثاًّ إمساكاً شعرياً محكماً وصارماً، فهم يرون في عملهم شعر المبتذل، والرثّ، والصغير، والجدل بين مستويات الشائع والسامي اليومي والأسطوري الوقائعي والرمزي في وقت معاً.

 

المصدر: ميدل ايست اونلاين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى