الفتور سيطر على العلاقة بين شوقي وأم كلثوم

الجسرة الثقافية الالكترونية
*جهاد فاضل
المصدر: الراية
من مفارقات القدر أن يكون عام ١٩٢٤ هو أسعد الأعوام بالنسبة لعبد الوهاب ولأم كلثوم. فإذا كان الأول قد التقى فيه أمير الشعراء ليكون أباه الروحي حتى رحيله بعد ثماني سنوات، فإن هذا العام شهد أيضًا استقرار الثانية في القاهرة وحضور الشاعر أحمد رامي من بعثته في باريس ليلتقيها ويتعرّف إليها، وتبدأ رحلتها معه بكل أبعادها الفنية والثقافية والوجدانية. كان رامي دليل أم كلثوم إلى الثقافة العربية والشعر والأدب طوال رحلة استمرّت واحدًا وخمسين عامًا منذ لقائهما حتى رحيلها في عام ١٩٧٥. ولا شك أن دور رامي في حياتها لا يقلّ أهمية عن دور شوقي في حياة عبدالوهاب.
كان رامي شاعرًا كما كان شوقي، وكان رامي معجبًا إعجابًا شديدًا بشوقي، ولكن شتان بين الشاعرين.
أما لماذا لم تنلْ أم كلثوم الحظوة ذاتها التي نالها عبدالوهاب عند شوقي، فلسبب بديهي هو أن شوقي كان في شغُل عنها بعبد الوهاب.
ملأ عبدالوهاب قلبه، فلم يعد في هذا القلب ولو حيزًا ضئيلاً لسواه.
ولكن الأخبار تُجمع على أن أمير الشعراء كان معجبًا إعجابًا شديدًا بأمّ كلثوم بدليل أنه قال يومًا: «لو كانت الأصوات معادن، لكان صوت أم كلثوم من معدن الذهب الإبريز»، وعلى الرغم من إعجابها هي بشعره، وتقديره هو لفنّها، فإن العلاقة بينهما اتّسمت بالتحفظ والفتور. كانت الرسميات تجمعهما أحيانًا، وربما حضرا عرضًا سينمائيًا مع عبدالوهاب، وكان شوقي مولعًا بدخول السينما ويجلس في الصفوف الأولى – عكس ما هو متبع لروّاد السينما – وذلك كي يسترخي ويستغرق ويطلق العنان لأفكاره. وربما جمعتهما المناسبات الاجتماعية، لكن ذلك كان يتمّ في إطار من العلاقة القائمة على الاحترام الرسمي والصداقة التي لا تنتهي إلى حميمية متميزة.
وبسبب المنزلة الرفيعة التي شغلها عبدالوهاب في نفس شوقي ظلت العلاقة بين أم كلثوم وأمير الشعراء فاترة والخطوات على طريقها محسوبة. فالعلاقة بين عبدالوهاب وأم كلثوم ظلت حتى أوائل الستينيات من القرن الماضي قائمة على التنافس والصراع. والشواهد على ذلك كثيرة، منها على سبيل المثال التنافس على منصب نقيب الموسيقيين الذي حسمته أم كلثوم لصالحها في أكثر من دورة.
وكانت أم كلثوم حريصة على أن تتقدم عبدالوهاب ولا تتخلف عنه. حتى عندما بدأت الإذاعة المصرية إرسالها في مايو ١٩٣٤ وتعاقدت مع أم كلثوم على أداء وصلة غنائية كل خميس، أصرّت أم كلثوم على أن تضيف بندًا مخطوطًا إلى العقد المطبوع، ينصّ على أنه إذا تبين لها أن الطرف الأول في العقد، أي الإذاعة، منح أجرًا أعلى مما تتقاضاه هي لمطرب آخر محل إقامته القُطر المصري (وهي تقصد عبدالوهاب بالطبع) فإنها ستحصل على الأجر نفسه مهما علت قيمته. وقد ظلّ هذا البند يُضاف تلقائيًا إلى بنود العقد المطبوع فيما تلا ذلك من أعوام.
ولم يكن باستطاعة أم كلثوم أن تنافس عبدالوهاب على مكانته عند شوقي. فعبد الوهاب كان رجلاً يستطيع أن يرافق شوقي ليلاً ونهارًا وأن ينام عنده وأن يبقى برفقته ساعة يشاء، وهو ما لم يكن أن يتاح لمطربة أو لسيدة مثل أم كلثوم، تقاليدها وتربيتها تقاليد وتربية فلاحية ريفية وقد بدأت حياتها الفنية قارئة للسيرة النبوية.
وإذا أخذنا في الاعتبار ما عُرف عن أم كلثوم من مزاجية الطبع والإصرار على الموقف والعناد واللدد في الخصومة، أدركنا أن العلاقة الحميمة والرعاية الكاملة التي أسبغها شوقي على تلميذه المدلل وصفيه المختار محمد عبدالوهاب كانت السبب في امتناع أم كلثوم عن الشدو بأي من قصائده. فهي لم تُغَنِّ من شعره إلا بعد وفاته. حتى إن قصيدته التي نظمها فيها عام ١٩٣١، أي قبل رحيله بعام، ظلت حبيسة لديها ولم تفرج عنها وتترنم بأبياتها إلا بعد رحيل شوقي بأربعة أعوام!.
تقول هذه القصيدة التي قالها شوقي في أم كلثوم:
سلوا كؤوس الطلا هل لامست فاها
واستخبروا الراح هل مسّت ثناياها
باتت على الروض تسقيني بصافيةٍ
لا للسلاف ولا للورد ريّاها
ما ضرّ لو جعلت كأسي مراشفها
ولو سقتني بصافٍ من حُميّاها
هيفاء كالبان يلتفّ النسيم بها
وينثني فيه تحت الوشي عطفاها
حديثها السحر إلا أنه نغم
جرت على فم داود فغّناها
حمامة الأيك من بالشجر طارحها
ومن وراء الدجى بالشوق ناجاها
ألقت إلى الليل جيدًا نافرًا ورمت
إليه أذنا وحارت فيه عيناها
وعادها الشوق للأحباب فانبعثت
تبكي وتهتف أحيانا بشكواها
يا جارة الأيك أيام الهوى ذهبت
كالحلم آهًا لأيام الهوى آها!
هذه هي قصيدة شوقي الرومانسية الجميلة في كوكب الشرق وهي مبنية على موقف واقعي حصل بين شوقي وأم كلثوم. كان شوقي قد دعا إلى حفل في دارته بالجيزة: كرمة ابن هانئ. كان ضيوف الحفل كبار رجالات مصر، وكانت أم كلثوم مدعوة إليه، وقد غنت يومها إحدى روائع زكريا أحمد: إللّي حبّك يا هناه. وفي الحفل جمعها لقاء جانبي بتوفيق دياب صاحب جريدة الجهاد والدكتور محجوب ثابت، ومرّ النادل يحمل كؤوس الخمر فاقترح توفيق دياب أن يشربوا نخب أم كلثوم ودعاها إلى أن تشاركهم النخب وتتناول كأسًا ولكنها اعتذرت أو امتنعت بإصرار. أقسم محجوب ثابت بالطلاق أن تشرب.. انزعجت أم كلثوم، ذات الأصول القروية المحافظة، من يمين الطلاق. مرّ شوقي بهذه الحلقة مرحبًا بضيوفه. لاحظ توتر أم كلثوم فسألها عن السبب فأخبرته أن الدكتور محجوب ثابت أقسم بالطلاق إن لم تحتسِ الخمر.. علّق شوقي قائلاً: «تتحرجين أن تشربي الخمر وصوتك دائمًا يسكرنا».. أجابت أم كلثوم: «الكلام ده شعر يا باشا».. هنا حاول شوقي أن يغريها فقال لها بأنها لو شربت كأسًا فسينظم ما قاله شعرًا.. وبذكائها الفطري تناولت أم كلثوم الكأس ورفعتها إلى شفتيها وأنزلتها.. وبعد أن عادت إلى منزلها فوجئت مع تباشير الفجر بزيارة شوقي لها في منزلها. دفع إليها بمظروف وظنت أن محتواه مبلغ من المال نظير غنائها في الحفل. ولكن شوقي قال لها إن صوتها لا يُقدّر بالمال وإنما بدرر الشعر. وترك بين يديها مخطوطة القصيدة.
يقول أحمد عنتر مصطفى إن أكثر الدراسات الإحصائية حول أغاني أم كلثوم تدرج قصيدة «أتعجل العمر ابتغاء لقائها» على أنها لشوقي في حين أنها لرامي. وقد اعتمدت هذه الدراسات على القائمة التي وردت في كتاب اللجنة الموسيقية العليا بمصر الذي ختم النصوص الكاملة لأغاني كوكب الشرق وقد صدر عام ١٩٧٩ (بعد وفاة أم كلثوم بأربعة أعوام). لم يسلم من هذا الخطأ باحثون مثل فكتور سحاب في كتابه «السبعة الكبار في الموسيقى العربية المعاصرة»، أو سعد سامي رمضان في كتابه «أم كلثوم: صوت في تاريخ أمة» الصادر عن معهد الموسيقى العربية في تونس. كذلك الدكتورة رتيبة الحفني في كتابها «أم كلثوم/ معجزة الغناء العربي»، حيث تقول: «ومن شعر شوقي غنّت أم كلثوم قصيدة «أتعجل العمر» و«النيل»..
إذا استبعدنا هذه القصيدة: «أتعجّل العمر» وأعدناها لصاحبها الشاعر أحمد رامي، تبقى قصائد تسع في قائمة أم كلثوم الغنائية شدت بها من شعر شوقي، وكلها غنتها بعد رحيله، وكلها أيضًا من تلحين الموسيقار الكبير رياض السنباطي. هذه القصائد هي:
– الملك بين يديك في إقباله: وقد وردت في «الشوقيات» بعنوان «عيد الدهر وليلة القدر». نظمها شوقي لتهنئة السلطان محمد رشاد الخامس بعيد جلوسه وليلة القدر عام ١٩١٠ وغنتها أم كلثوم سنة ١٩٣٦ بمناسبة تولي الملك فاروق سلطاته الدستورية. يبلغ عدد أبيات القصيدة في «الشوقيات» ٥٧ بيتًا، وغنت أم كلثوم منها ١١ بيتًا.
– سلوا كؤوس الطلا: لم تكن موجودة «بالشوقيات» في طبعاتها الأولى وظهرت بعد ذلك في طبعات تالية منها ديوان شوقي للدكتور أحمد الحوفي تحت عنوان «إلى أم كلثوم». سُجّلت على أسطوانة عام ١٩٣٦ وغنتها أم كلثوم بالإذاعة بتاريخ ٧ مايو ١٩٣٧.
– سلوا قلبي غداة سلا وتابا: وهي في «الشوقيات» بعنوان «ذكرى المولد». أُذيعت من الإذاعة المصرية في ١٢ يناير ١٩٤٦، وغنتها في حفل ٧ فبراير ١٩٤٦. وكان الشاعر محمد الأسمر قد كُلف بإضافة خمسة أبيات إلى النص المختار من القصيدة بمناسبة زيارة الملك عبدالعزيز بن سعود لمصر. القصيدة في الشوقيات ٧١ بيتًا، والمختار منها ٢١ بيتًا. نظمها شوقي سنة ١٩١٤.
– وقى الأرض شر مقاديره (السودان): وهي في «الشوقيات» بعنوان «اعتداء» نظمها شوقي سنة 1924 بمناسبة نجاة سعد زغلول من حادث اعتداء.
انتقت أم كلثوم الأبيات التي تخصّ قضية السودان وسجلتها على أسطوانة سنة ١٩٤٦. مجموع أبياتها في «الشوقيات» ٤٧ بيتًا، انتقت منها أم كلثوم ١٤ بيتًا.
– ريم على القاع بين البان والعلم: وهي في الشوقيات بعنوان «نهج البردة»، كما هي في المديح النبوي. نظمها شوقي سنة ١٩٠٩، مجموع أبياتها ١٩٠ بيتًا، اختارت منها أم كلثوم ٣٠ بيتًا للغناء. وغنتها لأول مرة في حفل ٢ ديسمبر ١٩٤٨ بحديقة الأزبكية.
– من أي عهد في القرى تتدفق: وهي في الشوقيات بعنوان «أيها النيل» كتبها شوقي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وأهداها إلى المستشرق الإنجليزي مرجليوث الذي اشتهر بشكّه في الشعر الجاهلي. مجموع أبيات القصيدة ٥٣ بيتًا، غنت منها أم كلثوم ٢٤ بيتًا، وغنتها لأول مرة في حفل بتاريخ ٣ فبراير ١٩٤٩.
– ولد الهدى فالكائنات ضياء: وهي في الشوقيات بعنوان «الهمزة النبوية» نظمها شوقي في المديح النبوي عام 1912. مجموع أبياتها ١٣١ بيتًا، اختارت منها أم كلثوم ٣٤ بيتًا للغناء وأذيعت في ١٠ نوفمبر ١٩٥١.
– إلى عرفات الله يا خير زائر: وهي في «الشوقيات» بعنوان «إلى عرفات» نظمها شوقي مهنئًا الخديوي عباس حلمي مباركًا قيامه بأداء فريضة الحج عام ١٩١٠. مجموع أبياتها ٦٣ بيتًا، اختارت منها أم كلثوم ٢٥ بيتًا للغناء. قُدمّت لأول مرة في حفل بتاريخ ٦ ديسمبر ١٩٥١.
– بأبي وروحي الناعمات الغيدا: وهي في «الشوقيات» بعنوان «تكريم» نظمها شوقي سنة 1924 بمناسبة إطلاق وزارة سعد زغلول للسجناء المصريين الذين اتهمتهم المحاكم العسكرية الإنجليزية بتدبير مؤامرة. عدد أبياتها ٥٠ بيتًا، اختارت أم كلثوم منها ١٦ بيتًا غنتها بالإذاعة عام ١٩٥٤ بعد توقيع اتفاقية الجلاء مباشرة.
ويغفل الباحثون ذكر قصيدة عاشرة لشوقي غنتها أم كلثوم هي قصيدة «مقادير من جفينك»، التي قدمتها أم كلثوم قبل عبدالوهاب بخمس عشرة سنة حين غنتها في حفلها الشهري بحديقة الأزبكية في ٣ مارس ١٩٣٨.
تلك هي القصائد التي غنتها أم كلثوم من شعر شوقي، وكلها بالفصحى. وهي تشكل نسبة ٣٫٥ بالمائة من مجموع أعمال أم كلثوم الغنائية، وبها يأتي أمير الشعراء ثالثًا بين مؤلفي أعمالها، يسبقه في الترتيب أحمد رامي أولاً بنسبة ٤٦٫٧ بالمائة، ثم بيرم التونسي بنسبة ١٢٫٣٨ بالمائة.
ويلي شوقي شعراء وكتاب آخرون منهم طاهر أبو فاشا وصالح جودت وعبدالوهاب محمد وعبد الفتاح مصطفى.
أحمد رامي، كما يقول أحمد عنتر مصطفى، بحكم موقعه من أم كلثوم، لم يكن بعيدًا عن اختيار هذه القصائد. فضلاً عن تذوق أم كلثوم للغة الشعر، فقد وضع رامي خبرته وتجربته بين يدي أم كلثوم لاختيار النصّ الملائم للمناسبة، ثم انتقاء الأبيات الصالحة للغناء والتي تتسق في الوقت نفسه مع المناسبة وتتواءم مع الواقع الجديد. كان رامي محبًا لشوقي معجبًا به، وقد سبق لأمير الشعراء أن قرّظ ديوانه وحياه بقصيدة تحفظها «الشوقيات». كما كان قريب العهد بشوقي.
ولا شكّ أن عملية الانتقاء عملية دقيقة، كما هي بمثابة تكثيف للقصيدة. وقد خلقت «نصًا كلثوميًا» قادت الجمهور إلى نصّ شوقي الأصلي في ديوانه. وبقدر ما كان النجاح يُنسب إلى أم كلثوم ورامي في هذه العملية، فإنها كانت على الجانب الآخر إدانة لقصائد شوقي تلك، إذ تشير إلى بعض الترهل فيها من حيث وحدة القصيدة وتعدّد أغراضها أحيانًا والانتقال فيها من موضوع إلى آخر..
في مرحلة لاحقة لعمليتي الاختيار والانتقاء للنصّ الشوقي المغنّى، تأتي مرحلة ثالثة لم تغب عنها أنامل رامي الإبداعية، وهي تغيير أو استبدال بعض الكلمات والألفاظ، وهي تتمّ بدقة وحرفية الشعراء. ومن التغييرات التي أجراها رامي على كلمات شوقي المغّناة:
– في القصيدة «إلى عرفات الله» تمّ حذف كلمة «العرصات» من البيت:
لك الدين ياربّ الحجيج جمعتهم
لبيت طهور الساح و«العرصاتِ»
واستبدلت بها كلمة «الشرفات». و«العرصات» هي الفناء بين الدور لا بناء فيه. ولا شكّ أن الكلمة في نصّ شوقي الشعري أدقّ ولكنها ثقيلة وغريبة في النصّ المغنّى.
– في قصيدة «نهج البردة» استثقلت أم كلثوم لفظة «منتصت» في قول شوقي:
لقد أنلتُك أذنا غير واعية
ورُبّ «منتصتٍ» والقلب في صمم
واقترحت على رامي أن تكون «وربّ مستمع». وتبدو «منتصت» في سياق شوقي الشعري أجمل وأوقع في الدلالة على إبداء الاهتمام وحُسن الإصغاء ما يؤكد المفارقة القادمة في نهاية البيت «والقلب في صمم». ومرة ثانية يكون التغيير لصالح النصّ المغنّى.
في قصيدة «تكريم/ الجلاء» تحّرجت أم كلثوم أن تغّني البيت التالي كما جاء في «الشوقيات»:
وجه الكنانة ليس يغضب ربكّم
أن تجعلوه «كوجهه» معبودًا
ورأت بحسّها الديني المحافظ أن الشرط الثاني بهذا الشكل يحمل مسحة إشراك بالإله الواحد الأحد، فحاولت أن تخفف أو تلتفّ على هذه المسحة، وقد فشلت، فغنّت البيت:
وجه الكنانة ليس يغضب ربكم
أن تجعلوه «بينكم» معبودًا
هذه نماذج من التعديلات التي أُجريت على القصائد الشوقية، المغّناة بصوت أم كلثوم. وقد تجاوز تداخل المراحل السابقة إلى مرحلة الإضافة، وفيها يسفر وجه رامي واضحًا. ففي قصيدة «عيد الدهر» التي اختيرت لتُقدّم في الإذاعة بمناسبة تولّي الملك فاروق سلطاته الدستورية عام ١٩٣٦ والتي مطلعها:
الملكُ بين يديك في إقبالِه
عوَّذتُ ملكك بالنبي وآلهِ
وكان شوقي قد نظمها في تهنئة السلطان محمد رشاد بالآستانة عام ١٩١٠، ولم يرد بها أي ذكر للخديوي عباس حلمي والي مصر آنذاك.
ينبري رامي ليضيف إلى القصيدة بيتين يفرّق بينهما ببيت من النصّ الأصلي لتجيء الأبيات الثلاثة في سياق متّسق تذوب كلها في نسيج القصيدة الواحدة، وهي الأبيات التي يذكر فيها الملك فاروق:
يا جنة الوادي ونزهة روحه
ونعيم مهجته وراحة بالهِ
الله صاغك جنتين لخلقه
محفوفتين بأنعم لعيالهِ
فاروق جمّلها وزان ضفافها
عرش يلوذ الشعب تحت ظلالهِ
مرة أخرى استوجبت المناسبة إضافة بعض الأبيات إلى النصّ الشوقيّ الأصليّ. فقد كانت المناسبة هي زيارة الملك عبدالعزيز آل سعود لمصر عام ١٩٤٦، وانطلق صوت أمّ كلثوم من الإذاعة بقصيدة «ذكرى المولد» (سلوا قلبي غداة سلا وتابا) وأنصت المستمعون إلى أبيات خمسة أُضيفت إلى قصيدة شوقي ترحب كلماتها بالزائر الضيف. كان الشاعر الذي قام هذه المرة بعملية الإضافة هو الشاعر محمد الأسمر الذي كلّف بذلك، والأبيات الخمسة المضافة إلى النصّ الشوقي تجيء بعد البيت الأخير المختار من قصيدة شوقي:
وما للمسلمين سواك حصنٌ
إذا ما الضرّ مسَّهُمُ ونابا.
يضيف محمد الأسمر:
وكيف ينالهم عنت وفيهم
يدا ملكين، بل روضين طابا
إذا «الفاروق» باسم الله نادى
رأى «عبدالعزيز» قد استجابا
وإن «عبدالعزيز» دعا لأمرٍ
رأى «الفاروق» في «رضوى» جوابا
فصُنْ يا ربّنا الملكين واحفظ
بلادهما، وجنّبها الصعابا
إذا اتحدت أسود الشرق عزّت
بلادهُم، وصار الشرقُ غابا.



