باريس تتحدى الإرهاب بالإحتفال المسرحي

الجسرة الثقافية الالكترونية
أوراس زيباوي
على رغم الأوضاع الصعبة التي تعيشها باريس بعد أحداث الثالث عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) والتي كان من انعكاساتها تراجع ملحوظ في قدوم السياح الى فرنسا وشلل في النشاطات التجارية، فإن الحياة الثقافية لم تتوقف. المعارض والعروض المسرحية والسينمائية مستمرة والجمهور حاضر ويشارك في الأحداث الثقافية والندوات ويتفاعل معها. من العروض المميزة التي تقدم حالياً في باريس مسرحية بعنوان «وفي هذا الوقت، سيمون تسهر وترعى». والمقصود بسيمون، هنا، هي السياسية الفرنسية والوزيرة السابقة للصحة سيمون فيل التي لعبت دوراً أساسياً في نيل النساء الفرنسيات عدداً من حقوقهن لتكريس مساواتهن مع الرجل.
تتناول المسرحية بأسلوب غنائي ومرح مسيرة المرأة الفرنسية منذ مرحلة الخمسينات حتى اليوم. أربع ممثلات رائعات يرقصن ويغنين ويؤدين أدواراً نسائية تعكس التحولات الجذرية التي عاشتها المرأة الفرنسية سواء كانت متعلمة أم أمية، تنتمي الى الطبقة الفقيرة أو الميسورة… فرغم الثورة الفرنسية التي نادت بالحرية والمساواة، ظلت القوانين مجحفة بحق المرأة، تكرّس دونيتها وتتعامل معها كمواطنة من الدرجة الثانية. خلال الحرب العالمية الثانية أثبتت المرأة كفاءات عالية في صفوف مقاومة المحتل النازي وفي العمل وإدارة المؤسسات والإهتمام بأسرتها، لكن ما إن انتهت الحرب حتى طُلب منها العودة الى المنزل والخضوع من جديد لسلطة الرجل.
تقول إحدى بطلات المسرحية في هذا الصدد: «خلال الحرب تولّيت إدارة مصنع والدي بدلاً من أخي الذي ذهب الى الجبهة. لكنه ما إن عاد حتى عاد بي الى المنزل واستولى على حقوقي». وتتابع قائلة إنها تعلمت وحصلت على شهادات عليا، وقرأت كتاب «الجنس الآخر» لسيمون دوبوفوار الذي صدر عام 1949 وتأثرت بعبارتها الشهيرة «المرأة لا تولد امرأة وإنما تصبح كذلك». وتروي كيف حصلت المرأة الفرنسية عام 1944على حق الإنتخاب وصار بإمكانها الاعتماد على الآلات الكهربائية المعدّة للمنزل والتي من شأنها التخفيف من أعباء الحياة اليومية. لكن القوانين ظلت تكرس اللامساواة.
فقط وابتداء من مرحلة الستينات، بدأت تصدر القوانين لصالح المرأة ومنها قانون العام 1965 والذي يقرّ بدخولها سوق العمل من دون إذن زوجها. جميع هذه المعلومات ترويها لنا بطلات المسرحية الأربع من خلال الرقصات والأغنيات واستعادة الإعلانات الشهيرة التي تبثها محطات التلفزة والتي تعكس بدورها الصور النمطية للمرأة وتحولاتها مع مرور الوقت.
من الأمور التي تكشف عنها المسرحية أن بعض القوانين تظل غير فاعلة، فعام 1983 صدر قانون ينص على مساوة الجنسين في أمور العمل والرواتب لكن تظلّ المرأة الفرنسية إلى اليوم تتلقى أجراً أقل بنسبة ستة وعشرين في المئة لقاء العمل نفسه الذي يؤديه الرجل. ومن المواضيع التي تتناولها المسرحية أيضاً، وبأســــلوب مرح، قضــية الحجاب وتفاعلاتها في المجتمع بخاصة بعد صدور قانون عام 2004 الذي يمنع الإشــارات الدينية في المؤسسات التابعة للدولة من جهة، ومن جهة أخرى خضوع المرأة الفرنسية لهيمنة قيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي والذي من مظاهره إقدام عدد من النساء على عمليات التجميل ومنها تكبير الثديين بمادة السيليكون.
مسرحية «وفي هذا الوقت سيمون تسهر وترعى…» عمل ناجح ليس فقط بفضل الأداء الجميل والحيوي لبطلاته الأربع، ومنهن الممثلة ترينيدا التي كتبت أغنيات العمل، بل أيضاً بفضل إدارة المخرج جيل غايو الذي سبق له ان أخرج العديد من المسرحيات الغنائية، وكان هاجسه في هذه المسرحية إمتاع العين قبل كل شيء من دون السقوط في الخطاب النسوي المباشر. هكذا يتاح للمشاهد التعرف على الكثير من الحقائق التاريخية من خلال أصوات نسائية تعاني وتفرح وتغني وتشعر أحياناً بضياعها أمام التحديات الكثيرة التي تفرضها الأزمنة المعاصرة ومنها التوفيق بين تربية الأولاد ومتطلبات العمل وعدم وجود أطر لتحديد معاني الحرية المتاحة للجميع باسم المساواة، فتصبح هذه الأخيرة عبئاً على أصحابها وتنعكس سلباً على المرأة والرجل على السواء.
المصدر: الحياة