بيني وبينك.. المَجاعة في غزّة

في الجوع يستتر كلّ شيء؛ الألم، الأسى، الوجع، الخوف، القلق، الهذيان، الجنون، الكُفر بالعرب… ثُمّ أخيرًا الموت الذي لو هجَمَ على الجائع فأخذَ بيده فغادرَ به الدُّنيا وارتقى بروحه إلى السّماء فسيكون أقلّ قسوة وأرحم من ذلك الجوع الذي يستمر حتّى تُحاول الرّوح مئة مرّة أنْ تخرجَ من الجسد، ولكنّ الجسدَ يتأبّى عليها.
الجوعُ يُنشِبُ مخالبه في أعناق النّاس، غزّة كلّها مجاعة، وغول الجوع في الشّمال استفحل، وغطّى سوادُه البيوتَ كلّها. فأمّا النّاس فلا ملامح لهم، لم يعد الأخُ يعرفُ أخاه، بل صار الواحد إذا نظر إلى نفسه في المرآة أنكرَها: أهذا أنا؟! يا ربّاه ما الذي يحدث؟! الأجساد نَحُلتْ، العيونُ غارت، البطون ضَمرتْ، العِظامُ برزتْ، والأرواح تتأرجح في الجسد تستأذنه كلّ لحظةٍ أنْ تفارقه!
الجوع قاتِلٌ خفيّ. سارقٌ دَقّ شَخصُه، طيفٌ هاربٌ لا يُمكنك أنْ تُمسِكَ به من أجل أنْ تقتله، أو أنْ تُقصِيَه، أو حتّى من أجل أنْ تتفاهم معه! إنّه يُراوغ، يغيبُ مع النّوم إنْ كان نومٌ، ويستيقظُ مع الصّحو إنْ كانَ صحو. ثُمّ يبدأ بِنَهْشِ عافِيتك، وجَعْلِ الموت يتراقَصُ أمام عينيك مُتحدِّيًا لك، ثُمّ ها أنتَ تبحثُ عن لقمةٍ واحدة: كسرةِ خبز ولو كانتْ عَفِنة، مِلعقةِ فول ولو نَخَرَها السُّوس، جذرِ نباتٍ رطبٍ تقتلعه من الأرضِ المحروقة، الأرض التي لم يعدْ ينبتُ فيها شيء. لقد جاعتْ هي الأخرى، وها هي تموتُ مثلنا، كلّ شيءٍ في غزّة يموت!
ثُمّ تتذكّر أنّ لكَ إخوةً شرقيّ النّهار، وفي أوطان العرب، وفي بلاد الله المُترامِية، فتسأل: ألا يُمكن أنْ يبعثوا لنا شيئًا؟! كيفَ نَسُوا أنّ مَنْ ليس بينك وبينَه إلا ذراعٌ أو شبر على الضّفّة الأخرى التي تُقابِلك يموتُ من الجوع؟! أليسَتْ تجمعنا روابطُ من الدّين والعروبة والجِيرة لا يُمكن أنْ تنفصم؟ ثُمّ ترجع إلى نفسِك؛ بلى تنفصم ألف مرّة، هذا إذا كانتْ من الأساس موجودة!
ثُمّ يخطر ببالك مشهد أولئك الثّلاثة الّذين خرجوا من أجل أنْ يعودوا إلى عائلاتهم بحَفنةٍ من طحينٍ، يُوقِدون عليها من أجل رغيفِ خُبزٍ واحد. كانوا يسمعون صوت (الكواد كابتر) لكنّهم لم يُعيروها اهتِمامًا، لا، لأنّها لا تقتل، بل لأنّ نِداء الجوع كان أكبر من الموت، وهي لم تُكذّبْ ظَنّهم، قتلتِ الأوّل فارتمى، وقتلتِ الثّاني فهوى، وقنصتِ الثّالث فزحفَ على رُكبتَيه، ثُمّ على ذراعَيه، والرّصاص ينهمر فيه وحوله، وهو مُصمِّمٌ على أنْ يأتي بحَفنة الطّحين تلك، تابعَ زحفه، وصارتِ الحَفنة قريبةً منه، وزَخُّ الرّصاص لا يتوقّف، حتّى إذا أمسكَ بتلك الحَفنة أتته رصاصة في الرأس فانثعبَ دمُه، فعجنَ به الطّحين، وسقطَ هو كالرّغيف النّاضج على الأرض، ثمّ هتف: اعذريني يا ابنتي، لقد حاولت!

AymanOtoom@

otoom72_poet@yahoo.com

** المصدر: جريدة “الراية”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى