بيني وبينك …. الوطنُ الذّبيحُ

متى تهدأ هذه الدماء الفوّارة، ومتى تستريح هذه الشرايين المفتوحة؟ متى يكون الفرج، فإنّ أيامنا صارت كليالينا، دماءً، وحُزنًا وبُكاءً، وتهجيرًا وتهديمًا، ونفيًا وإبعادًا، ووجعًا وأحزانًا.
لقد حملْتَ إرثَ حروبٍ لو صُبّتْ على أية أمة لمَحَتْها من الوجود، فكيفَ لكَ أنْ تبقَى بعد هذا الدمار كله؟! كيف تكون عنقاء هذا الزّمان؛ تخرج من رَمادِكَ كأنّكَ خُلِقتَ من جديد، وتصل إلى نهاية الشوط كأنّكَ بدأتَ الآن؟!
لقد سافرْتَ في مدى الأحزان وحدك دون أنيسٍ، ونهشَتْكَ الذّئاب وحدك دون نصير، ولاكتْ لحمَكَ الوحوش وحدكَ دون مُعين، فمتى يكون الخلاص من الوحوش؟
إنّ قافِلةَ الدِّماءِ ما زالتْ تسيلُ وتسير، وإنّ إبِلَكَ اختضبتْ أخفافها بالدم وهي تُحاول أنْ تنجوَ ببنيك وما نجتْ، وإنّ خيولكَ وقعت الرّماح في لَبّاتها، فما دَعَاها ذلك إلى أنْ تستسلم، وإنّ فرسانها سقطوا عن ظهورها مُضرّجين بالدماء وما سقطتْ راياتُهم.
أيّها الوطن الذي كان يُصدّر الوردَ إلى العالَم، ماذا حلّ بكَ حتى استوطنَكَ الخراب وملأتْ رائحة الدخان كلّ مكانٍ فيك؟! أيها الوطن الذي يفيضُ كرامةً لو وُزعَتْ على أهل الأرض لَكَفَتْهم، لن ينال الغزاة فيك مطمحهم أنْ تذلّ، فالذُّل لا يكون إلا لذوي الرؤوس المُنكَّسة، ورأسُكَ شامخٌ قد علّمَ الدُّنيا معاني الصمود والكبرياء.
أيها الوطن الذبيح إنّ أعداءَك الأخفياء أكثرُ من أعدائِك الظاهرين، وإنّ يدًا تطعنك من الأمام تُقابلهُا ألفُ يدٍ تطعنك من الوراء، وأجدِرْ بكَ أنّ تظلّ واقِفًا على قدَمَيك مهما كان عدد هذه الطعنات!
إنّ الوطن الحقيقي لا يأكلُ بَنِيه، وإنّ بَنِيه لا يتركونه لِمَنْ يأكُلُه، وإنّهم لو أكلت الذّئابُ منهم لحومهم فما أكلتْ منهم عزيمتهم، ولا فَتّتْ في عضد صمودهم، إنّهم قد يذوون ولكنّهم يعودون إلى نضرتهم كلما سقتْ ذُبولَهم دِماءُ شهادتهم، وإنهم قد يسقطون، لكنّ يد الله ترفعهم، وإنهم قد يموتون ولكنّهم أحياء عند الله.
أيها الوطن الذبيح إنها مذبحةٌ مُستمرة منذُ عامٍ، وإنّ هذا العامَ عارُنا، لكنّ أيدينا مُكبّلة، وأعرفُ أنّ العذر غير مقبول، ولكنّ الله يرى ويسمع، وإنّ العاقبة لك مهما اشتدّ البُؤس، وإنّ النصر لكَ مهما استحرّ القتل، وإنّ الموتَ كتابٌ، وإنّه جاءَكَ على خيرِ كتابٍ وأجل، وإنّ الأسى علينا أنْ يأتينا الكتاب ونحن على فُرُشِنا جالسون، ونعوذ بالله من عاقبة السُّوء، والليل لا بُدّ مُنتهٍ، والنّصر آتٍ، ووعدُ الله مُتحقِّق، وإنّه إنْ كانت لنا أُمنِية، فهي أنْ يُقال لنا إذا أبحرتَ: «اركبْ مَعَنَا».

AymanOtoom@

otoom72_poet@yahoo.com

** المصدر: جريدة”الراية”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى