بيني وبينك.. في مديح الصّمت

مَنْ صَمَت سَلِم. ومَنْ كَثُر كلامُه كثُرَ خطؤه فيما رُوِي عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه. والمرءُ مخبوءٌ تحتَ لسانه كما قال عليّ بن أبي طالبٍ كرّم الله وجهه. وخيرٌ للمرء أنْ يبقى مُختبِئًا تحتَ ذلك اللّسان من أنْ يقول فيُفتَضَحُ أمرُه، أو يأتي بالطّوام فيُصيب في مُحدّثه مقتلًا؛ كما قال الشّاعر:
جراحاتُ السّنانِ لها التِئامٌ
ولا يلتامُ ما جَرَحَ اللّسانُ
والمرءُ مأمورٌ بالصّمْت عامّة، إلاّ إذا وجدَ في القولِ سبيلًا إلى الخير، وطريقًا إلى الإصلاح بين النّاس، كما في الحديث: «مَنْ كان يُؤمن بالله واليومِ الآخِر فلْيَقُلْ خيرًا أو ليصمت». ولو تدبّرْنا الحديث حَقَّ تدَبُره فأخذْنا بمُقتضاه لكُنّا في منأى عن كثيرٍ من الخلافات، ولم نقع في المحاذير، ونجونا من الأحابيل. و«رُبَّ كلمةٍ يتكلّم بها المرء من سَخَطِ الله لا يُلقي لها بالًا تهوي به في جهنّم سبعين خريفًا»، كما في الحديث الآخر. وقُرِئ في وصايا لُقمان: «الصّمْتُ حِكَمٌ وقليلٌ فاعِله». وقد دلّ ذلك على أنّ أكثرَ النّاس لا يدخلون في دائرة العُقلاء بلهَ الحُكماء.
وروَوا في أسمارِهم أنّ مَلِكًا صعد صخرةً ملساء، فقال رجلٌ: يا تُرَى لو ذُبِحَ إنسانٌ عليها فمن أيِّ جهة يسيل دمه؟ فقال الملك لِجُنده: اذبحوه عليها وانظروا أين يسيل دمه، فذبحوه، ثم قال الملك: «رُبَّ كلمةٍ تقول لصاحبها دعني»، فأجراها مجرى المثل.
وقيل يومًا للأحنف بن قيس: ما أحلمك! فقال: «لستُ بحليم ولكنّي أتحالم، والله إني لأسمع الكلمة فأحمَّ لها ثلاثَ ليالٍ، ما يمنعني من جوابها إلا الخوفُ مِن أن أسمعَ ما هو شَرٌّ منها».
وكان ابنُ حجّاج الشّاعر أيّام الوزير المهلّبي يلقى المُتنبّي في طرقاتِ بغداد، فيأخذُ بِخِطامِ فَرَسِه، فيقول فيه شعرًا يهجوه هجاءً مُقذِعًا، والمتنبّي ساكتٌ، فإذا فرغ، تركَه المتنبّي ومضى في طريقه دون أنْ يردّ عليه بكلمةٍ واحدة، فقيلَ له: أما تردّ عليه؟ فيقول: لقد فرغْتُ مِمن هو أعظمُ منه من الشّعراء بقولي:
أرى المُتشاعرين غُرُوا بذمّي
ومَنْ ذا يحمدُ الدّاءَ العُضالا؟!
وذهبَ كُلٌّ بما قال، فأمّا ابنُ حجّاج فَعُرِفَ بلقبٍ ذكره الذّهبيّ في سير أعلام النُّبلاء بأنّه (سفيه الأدباء، وأمير الفُحش، وأنّه كان رقيعًا ماجِنًا)، وأمّا المتنبّي فقد ذهب بالذّكر كُلّه.
وإنّ الكلمة الّتي تُقال إنّما هي سَهْم يخرجُ من الرَّمِيّة، أنّى له أنْ يعود، وماءٌ يندلقُ من الكأس على التّراب أنّى له أنْ يُستعاد، والنّدمَ على فواتهما لا يُفيد؛ فإذا أردْتَ أنْ تقول – وخيرٌ لكَ ألاّ تفعل – فَزِنْ قولكَ قبلَ أنْ تتلّفظَ به، وحدّدْ هدفكَ قبلَ أنْ تُخرِجَ سهمكَ من كنانته، وصدق المُوحَى إليه إذ قال: «رحم الله امرءًا قال خيرًا فَغَنِم، أو سَكَتَ فَسَلِم».

AymanOtoom@

otoom72_poet@yahoo.com

المصدر: جريدة “الراية” 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى