حسين البرغوثي.. الضفة الثالثة للنهر

تقول الأغنية الإسرائيلية الشهيرة: لنهر الأردن ضفتان: الضفة الأولى لنا، والضفة الأخرى لنا. وقد جعل حسين البرغوثي لنهر الأردن ضفة ثالثة
مضت رواية حسين البرغوثي إلى الصعلكة والفوضى والجنس والحب في فضاء الآخر الأوربي، ولكن دون أن تغيب فلسطين، بل والأردن ولبنان
لرواية الضفة الثالثة امتيازها الخاص والأكبر، وهو التفاعل العميق بين الفن الروائي والفن الموسيقي
وإذا كانت رواية حنا مينه قد تميزت بكلاسيكيتها، فقد تميزت رواية حسين البرغوثي بالتجريب، وبنمط خاص من البناء الفني
“““““““`
نبيل سليمان
ما أكثر ما نشبه كاتبًا غيّبه الموت بالشهاب الذي انطفأ. ومن ذلك ما أذكره حين رحل في نهاية 2021 الصديق شاكر عبد الحميد، المفكر والكاتب ووزير الثقافة المصري الأسبق، إذ كتبت مجلة الثقافة الجديدة (القاهرية) بعد حين: (شاكر عبد الحميد الذي لن ينطفئ)، واختار مؤتمر أدباء مصر في دورته الخامسة والثلاثين عنوانًا له هو: (شاكر عبد الحميد: الشهاب الذي لم ينطفئ).
وحين أقبلت على الكتابة عن الشاعر والمفكر والروائي والناقد والسيناريست والمسرحي حسين البرغوثي، الفلسطيني، هيمنت عليّ فكرة الشهاب الذي لا ينطفئ، ما دام قد أورثنا ما أورثنا خلال عمره القصير في الرواية: الضفة الثالثة لنهر الأردن – في السيرة: سأكون بين اللوز، الضوء الأزرق – في الشعر: الرؤيا، توجد ألفاظ أوحش من هذه، ما قالته الغجرية، ليلى وتوبة، مرايا سائلة – في النقد: أزمة الشعر المحلي الفلسطيني، سقوط الجدار السابع: الصراع النفسي في الأدب – في المسرح: لا لم يمت، حفلة على أغنية، وجوه، الليل والجبل، موسم للغرابيب، قصة ساحة الورد، المزبلة – وفي الترجمة: هاملت (ترجمها شعرًا ولم تنشر بعد)، روميو وجولييت (ترجمة وإعداد) – وللشهاب حسين البرغوثي أيضًا ما جنّسه نصًا: الفراغ الذي رأى التفاصيل، حجر الورد، وكذلك: ريشة الذهب، قصص من التراث الشعبي – السادن، قصص عن زمن وثني. أما للسينما، فقد كتب حسين البرغوثي أربعة سيناريوهات، وعددًا من الأغاني لفرق موسيقية فلسطينية مختلفة. ويُذكر في ثبت أعماله أيضًا كتاب: الصوت الآخر، مقدمة إلى ظواهرية التحول.
ولد حسين البرغوثي في قرية كوبر الواقعة شمال غرب رام الله، وتوفي في القرية نفسها في 1/5/2002 بعد معاناة مريرة مع مرض السرطان. وكان قد أكمل دراساته العليا في جامعة بودابست وفي جامعة واشنطن سياتل. كما قام بالتدريس في جامعة بيرزيت وجامعة القدس، وسوف نرى لمحات من حياة الشهاب الذي لا ينطفئ في روايته الوحيدة.
الضفة الثالثة لنهر الأردن:
تقول الأغنية الإسرائيلية الشهيرة: لنهر الأردن ضفتان: الضفة الأولى لنا، والضفة الأخرى لنا. وقد جعل حسين البرغوثي لنهر الأردن ضفة ثالثة، ثمة من رآها في الغربة، وثمة من رآها في اللغة، ولكن لِمَ نذهب بعيدًا أو نتمحّل بينما الأمر أجْلَى؟
في سيرة الكاتب أنه بدأ بكتابة روايته هذه عام 1979 وفرغ منها بعد أربع سنوات. وتتعلق الرواية بالفترة التي عاشها في مدينة بودابست (1973-1977)، وتنقّل خلالها أيضًا بين فلسطين ولبنان وبولندا ويوغسلافيا. وقد كان لذلك ثلثا الرواية، بينما كان الثلث الأخير لما تلا دراسة الكاتب في هنغاريا من عودته إلى فلسطين، ثم ما عاشه في بيروت.
بخلاف ما كان يغلب على الرواية الفلسطينية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، جاءت رواية (الضفة الثالثة لنهر الأردن) تمور بالهواجس والهموم الفردية لشاب انتقل من المجتمع الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال الإسرائيلي وإرث المحافظة، إلى المجتمع الأوربي. وبينما كانت روايات غسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا وإميل حبيبي وسحر خليفة ويحيى يخلف ورشاد أبو شاور… موقوفة على ما يكابده الفلسطيني فردًا ومجتمعًا من التوحش الإسرائيلي، مضت رواية حسين البرغوثي إلى الصعلكة والفوضى والجنس والحب في فضاء الآخر الأوربي، ولكن دون أن تغيب فلسطين، بل والأردن ولبنان، بما كان لفلسطين منهما في سبعينيات القرن الماضي.
أطلق أصدقاء حسين عليه في بودابست لقب نيتشه. وقد بنى نيتشه الفلسطيني روايته على هيئة رسالة إلى دانا البولندية التي جاءت إلى بودابست في رحلة سياحية، فجمعت المصادفة بينها وبين حسين، في منتزه. وقدحت شرارة الحب والجنس بينهما، وقضيا عطلتهما على ضفاف الدانوب. وقد افتتحت الرسالة بعبارة “حبيبتي دانا”، واختتمت بعبارة “وداعًا يا حبيبتي” ليعود الراوي حسين بعد ذلك إلى بلده، في بيروت. ولما عادت دانا من رحلتها لحق بها، وفي بيتها باغته أنها مع آخر، فارتدّ إلى “غجري مجري” يبحث عن أية امرأة. ومضى إلى صديقة جديدة هي ماكدا التي يعرض عليها الزواج ليحصل على (ورقة) تقيه من التشرد.
حول نيتشه كان من الأصدقاء العرب: واحد حاول الانتحار، واحد من حيفا، وآخر من مخيم اليرموك الدمشقي. أما الصديق المجري الشاعر يوجيف فقد أصيب بالانفصام وانتحر تحت عجلات القطار. وقد ضاعفت العلاقة مع دانا التي وصفها: “جميلة كانهيار الثلج عند قمم الجبال”، مما يبدو في حياة حسين من تعقيدات وتأزم، حتى كتب لها: “أنا لم أقتل أحدًا يا دانا! لم أعذب ولا قطة سائبة. أنا يا دانا! أنا يا دانا بلا أهل ولا وطن ولا مستقبل ولا مال! أنا مجرد إنسان متعب جدًّا”.
بعد عودته إلى بلاده وأثناء تجوله في أحد شوارع حيفا – تل أبيب، اعتقله الجنود الإسرائيليون. وفي السجن تشرّب حكايات السجناء ودوّن ما دوّن، لتكون الصفحات الأخيرة من الرواية سِيرًا قصيرة لأولاء، وهو ما عدّه بعضهم نشازًا على السياق السيري للرواية. ومن الرسوم الإسرائيلية في الرواية ازدحام الفلاحات أمام بوابة سجن رام الله عند زيارتهن للسجناء. وكذلك هو قانون العرض والرفض الذي يُحكم بموجبه بالسجن ستة أشهر على الفلسطيني الذي لا يبلغ المخابرات الإسرائيلية إذا ما عُرض عليه الانتماء لتنظيم سياسي ما، ورفض العرض.
في واحدة من اللحظات التي تفتك بكيان الكاتب يكتب: “سأغوص للقعر هناك بأحلامي وماضيّ وذكرياتي. لن ينقذني أحد، ولا أريد أن ينقذني أحد. هذه ستكون النهاية مثلما يبدو”. لكأنه يقف على شفا الانتحار الذي يقرره في بيروت، في حمأة الحرب الأهلية. لكنه صادف من اصطحبه إلى مقهى، فإذا هما في الطريق إلى حي الأشرفية بين يدي حاجز كتائبي اشتبه بلهجة حسين الفلسطينية، وسأله عن القدس العتيقة، فأنكر معرفته بها، فأطلقه الحاجز الذي اقتنع أنه ليس فلسطينيًّا، وعُوفي من قرار الانتحار.
مثل الحرب اللبنانية تحضر في الرواية الحرب في الأردن، حرب أيلول 1970. ومن الذكريات التي يستعيدها حسين حادثة حرق صديقه بلال ورفاقه لدار السينما التي عرضت فيلمًا مشوهًا عن جيفارا (بطولة عمر الشريف). ومن الصور الفادحة للحرب تلك الجثة المنفوخة مثل البالون الأسود برائحتها الكريهة والذباب الكبير الأسود الذي يخرج من فمها. وعلى الجثة تمر شاحنة كبيرة مغطاة بخيمة مموهة، تجمع الجثث، وفيها جنود يغنون للسلطة، متعلقين بسقف الشاحنة التي تخلّف زوبعة الغبار، وتمرّ على الجثة، فتندلق منها الأمعاء على الرصيف، ونقرأ: “تحركت الجثة من مكانها قليلًا، ثم عادت إليه”.
نُشرت رواية (الضفة الثالثة لنهر الأردن) عام 1984. وفي السنة نفسها ظهرت رواية حنا مينه (الربيع والخريف). ولهذه الرواية (بطلها) السوري كرم، المنفي سياسيًّا، والقادم من منفاه الصيني إلى منفاه الهنغاري، في بودابست. ولقد ألحت عليّ المقارنة بين الروايتين مرة بعد مرة، لكنني لم أقم بها من قبل.
يتقنّع حنا مينه في روايته باسم كرم الذي كان اسمه في الصين زبيد، وأوقف له الكاتب ثلاثية (حدث في بيتاخو). وفي بودابست: كرم هو ما كان عليه حنا مينه: كهل عازب وكاتب لا يحمل شهادات، لكنه يدرّس الأدب العربي في الجامعة، ويساهم في القسم العربي في الإذاعة. وكرم نرجسي بامتياز لكنه ينكر نرجسيته، فالنساء يتهافتن عليه، وهو يلجم شهوته عن بعضهنّ، منتظرًا حبًّا لمّا يأت بعد. ويتبجح كرم بمرضه الذي ليس غير الحنين إلى الوطن، وإلى المجهول. ويبدو بيته فخًّا لمن تطأ عتبته، ليس فقط بما يتدجّج به من التحف الصينية، بل بالطعام والشراب أيضًا. وكرم لا يفتأ يتنقل بين البارات والمقاهي ممتدحًا ما تختلف به هنغاريا عن الصين: هناك المجتمع المغلق وهنا الانفتاح. وقد تعرف في المقهى على بيروشكا وصديقتها ماكدا (ماجدة: لنتذكرْ رواية حسين البرغوثي).
يرى كرم أن بيروشكا التي تصغره عشرين سنة، وتدرس الآداب في الجامعة، وترسل الشعر، هي تحفة حقيقة. وإذ يتظاهر بالعفة والبراءة، تدعوه إلى أن يفضّ ما يلفّه من السوليفان. وبعد حينٍ قصير من العلاقة الكاملة يطوي صفحتها، ويفتح صفحة إيرجكا الفنانة الثلاثينية المطلقة، وهي بهذه العلامات أهون أمرًا – أم شرًّا – من بيروشكا.
تفتقر رواية (الربيع والخريف) إلى الرهافة التي لرواية (الضفة الثالثة لنهر الأردن). والفوارق كبيرة بين الشخصيتين المحوريتين: كرم/ حنا مينه وحسين البرغوثي، ليس بالسن، بل بالرؤيا والحساسية، وبالموقف من الآخر، ومن المرأة بخاصة، وبالتالي بوعي الذات ووعي الآخر/ العالم.
ثمة رواية أخرى ألحت عليّ مرة بعد مرة المقارنة بينها وبين رواية حسين البرغوثي، لكنني لم أقم بذلك من قبل. إنها رواية (الضفة الثالثة) للكاتب العراقي الراحل أسعد محمد علي. وقد سبقت هذه الرواية روايتيّ حسين البرغوثي وحنا مينه، إذ صدرت عام 1981، وهي باكورة صاحبها، كما أن رواية البرغوثي هي باكورته. وكما هو جليّ، اشتركت روايتا الكاتب الفلسطيني والكاتب العراقي بكلمتي (الضفة الثالثة) كما اشتركتا، وثالثتهما (الربيع والخريف) في الفضاء الروائي: بودابست.
لرواية الضفة الثالثة امتيازها الخاص والأكبر، وهو التفاعل العميق بين الفن الروائي والفن الموسيقي، هذا التفاعل الذي كان نادرًا في الرواية العربية إلى أن أهلَّ هذا القرن. وقد كان أسعد محمد علي موسيقيًّا عراقيًّا مرموقًا، وله كتاب رائد وبالغ الأهمية هو (بين الأدب والموسيقى). وقد جمعتنا صداقة حميمية بالمراسلة، إذ لم يتيسر لنا لقاء.
نادى بناء (الضفة الثالثة) الموسيقى الشعبية المجرية (الرابسودي) التي تأتي من بعيد، من الصفر، وتتصاعد بعلاقات الشخصيات والأحداث كما يتصاعد اللحن إلى أن يبلغ الذروة، فيتلاشى، لتكون من بعد قيامة جديدة. وبطل هذه الرواية في الخامسة والثلاثين، أي بين شباب حسين البرغوثي وكهولة كرم، كان يداري ظمأه بالموسيقى في الوطن، حين حمل عبء الزواج المبكر من مطلقة، والعلاقات العديدة الخائبة بعد طلاقها. وفي بودابست تعلق الراوي -أي الكاتب- بجارته آنا الفنانة المؤمنة التي تهوى الشعر والموسيقى. وإذا كان الرجل قد شُغل أيضًا بروجا، فلأن مرامه في الجنس قد كان له معها، بخلاف آنا التي تلاقيه أيضًا، ولكن ببطء لا يلائم شهوات الشرقي الحارقة. ولعل هذه الشهوات هي ما يجمع بين (أبطال) الروايات الثلاث لحنا مينه وحسين البرغوثي وأسعد محمد علي. وإذا كانت رواية الأخير قد تميزت بالتجديد في البناء الفني، وبقدر من التجريب، وإذا كانت رواية حنا مينه قد تميزت بكلاسيكيتها وحمولتها الأيدولوجية، فقد تميزت رواية حسين البرغوثي بقدر من التجريب، وبنمط خاص من البناء الفني يراهن على السيرية بدرجة أكبر مما للروايتين الأخريين، ويتخفف من الحمولة الأيديولوجية، كما تخففت منها رواية أسعد محمد علي. فالروايتان اللتان جمعتهما كلمتا (الضفة الثالثة) يجمعهما الانشغال بالذاتي والفردي، ويظل لرواية حسين البرغوثي التميز بالتلقائية، وبحرارة أكبر، مما يجعلها أنموذجًا بديعًا للرواية السيرية – وإن شئت للسيرة الروائية – التي تلفها بشملتها مع روايتي حنا مينه وأسعد محمد علي.
** المصدر: مجلة الجسرة الثقافية. العدد: 63