حَوْرٌ…للكاتب محمد حمدان الرقب

خاص (الجسرة)
وما المرْءُ إلا كالشهاب وضوؤه
يحورُ رمادًا بعد إذْ هو ساطع
كانا نهْرين من سعادة، وجذوتين تتّقدان ألقًا وبهاءً، محبَّيْن، تسير بهما الدنيا هنيّة رخيّة، لم تعرفْ أسباب الشّقاء إلى بيتهما سبيلًا، ولم تطْرق يدُ الحُزْن بابهما مذ تزوّجا. كان عُشُّهما الصّغير فضاءً واسعًا تحلّق فيها عصافير العشق مغرّدة بأعذب الألحان.
تستيقظ كلّ صباح على صوتِ زوجها الحاني، ويده الناعمة. تعدّ له طعام الفطور وتصنع له الشاي، ثمّ تجهّز له ملابسه، ليبدأ يومًا جديدًا في عمله. كان عمله شاقّا، ولكنّ الشقاء يتبخّر حينما يؤوب إلى بيته، وزوجته تستقبله بابتسامة كبيرة، وحضن دافئ، فينسى العمل ومشكلاته المتكرّرة. وقلّما يخلو العمل من مشكلة!
تجهّز له طعام الغذاء، وتتركه يستريح بعدها، لينام ساعة أو ساعتين. وحينما يخلو بها كان يحدّثها عن كلّ شيْء وقَع له في مقرّ عمله، وكيف أنّ بعضَ الموظّفين لا يحبّون له أن ينجح، ويترقّى في عمله، فيوغرون صدر مديره عليه، فباءت محاولاتهم كلّها بإخفاقٍ وندامة. وكان حينما يتحدّثُ تطوف الأزهار حول كلامه، فيتحدّث كأنما يتحدّث عن رجلٍ آخرَ لا علاقة له به، كان متيقّنًا من أنّ للنجاح ضريبة، وأنّ من ضرائب النجاح أن يتعرّض إلى الحسد والحقد، وكان هذا حسبَه في أن يتعرّف طريقه الصحيح (!)
وكانت حينما يغادر زوجها الحبيب إلى عمله، تقوم على شؤون بيتها، تنظّف الحُجرات، وتغسل الملابس، وحتّى الدرج الذي يوصل إلى بيتها، كانت تنظّف درجاته الثلاثين كلّ صباح، ولا تنتظر من أحدٍ أن ينظّف مدخل بيته؛ فهي تسكن في عمارة تتكوّن من طابقين، وكلّ طابق يتكوّن من شقّتين متقابلتين؛ فكان هذا دأبَها اليوميّ، لا تفتر عنه. وكانت مع تعبها ووصبها مشرقة النّفس طيّبة الابتسامة، نقيّة كصفحة بيضاء لم يخطّ عليها قلم الدهر، يعرفها كلّ من حولها، ويحبّها كلّ من يعرفها.
وكان أكبرَ مصدرٍ لسعادتها زوجُها (!) كأنه جاءها من عالَمٍ مثاليٍّ لا يمتّ إلى هذا العالَم بأدنى صلة. رحيمًا عطوفًا محبّا كريمًا وحنونًا. كانت تعدّه أسطورةً في الحبّ والوفاء والكفاح والرضا؛ فأضاف إلى أخلاقها وديدنها أشياءَ جديدة، رضيت بها واصطبغت.
وكان الذي ينقصها طفْلًا جميلًا، تسكب فيه من حنانها، وتفرغ فيه عاطفتها وحبّة قلبها، ولكنْ لم يخطر ببالها يومًا أن تتذمّر أو تعترض على مشيئة الله تعالى؛ فهي تؤمن إيمانًا جازمًا بأنّ الله تعالى سيرزقها بغلامٍ في الوقت المناسب، ولذا كانت تلهج دائمًا بكلّ دعاء محبّب إلى نفسها. كانت صابرة شاكرة.
وكدأبها في توديع زوجها في صباحات أيّامها، شعرتْ في أحد تلك الصباحات بدُوار خفيفٍ، وغثيانٍ، كأنها تريد أن تستفرغ، فلم تُرِد أن تُزْعِج زوجها، فاتّصلت به وأخبرته بأنها ستزور أمّها التي تقطن قريبًا منها، فأذن لها، وهذه عادته دائمًا. وكانت أن اتفقت مع أمها على أن تصحبها إلى الطبيب، وبعد إجراء الفحوص الطبيّة زفّ إليها الخبرَ السعيد، فطارت عنادل الفرحِ في قلبها، عازفة أجمل الألحان، ونما في داخلها فجأة شعورٌ طاغٍ بالأمومة. ولم تنتظر حتى يثوب زوجها من عمله، فاتّصلت به وزفّت إليه الخبر، فكان وقعه عليه أشدّ من وقعه عليها (!) فسيصبح أبًا صالحًا، واستأذن ربّ العمل في أن يرجع إلى بيته، وأذن له، وكانت هي عادته أيضًا (!).
في البيت الصغير، كانت الزوجة تتحسّس بطنها الصغير، وزوجها جالسٌ بقربها قد أزهرت ابتسامة على ثغره الوضّاح. فأمضيا يومًا بين يدي الأحلامِ العذْبة والبهجة اللذيذة.
مرّت الأيّام والشهور هادئة، والأمّ تراقب انتفاخ بطنها كلّ حين، والأب جذِلٌ بها، حتّى اقترب يومُ الولادة.
كان الزوج في عمله، والزوجة في بيتها، وكانت الساعة تشير إلى العاشرة صباحًا، وفيما هو منهمك في عمله، إذا هاتفه المحمول يرّنّ، وإذا هي زوجته، تطلب منه أن يأتيها ليصحبها إلى المستشفى فورًا، فأتاها سريعًا كأنما قطع المسافات طائرًا لا راكبًا. وفي المستشفى ظلّ يتلو القرآن الكريم، ويدعو الله أن يسلّم زوجته وابنه، وأن تمرّ لحظات الولادة سالمة. وكانت لحظاتٍ ثقيلةً صعبة.
وبعد انتظارٍ ظنّه دهورًا، جاءته إحدى الممرّضات تبشّره بطفلٍ جميل وادعٍ، فلا أدْري كيف دخل في بكاءٍ متواصلٍ طويلٍ (!).
في الغرفة الخاصّة بها في المستشفى، كان الأب حاملًا ابنه مندهشًا، وينابيع الأبوّة تتفجّر فيه، يشمّ جسمه الغضّ الطريّ، يتحسّس أصابعه اللَّدِنة، يتفرّس وجهه الملائكيّ، وكانت أمّه تتكبّد ابتسامةً. كانت واهنة ضعيفة، فشعر زوجها أنّها جائعة، وانطلق إلى أقربِ مطعمٍ ليشتري لها غذاءً، وهنا تقف مشيئة البشر لتنفذ مشيئة الله (!) وهو يقطع الشارع المؤدّي إلى المطعم فاجأته سيّارة يقودها شابّ متهوّر واصطدمت به، وطارَ في الهواءِ، وارتطم بالأرض، مضرّجًا بدمائه، لافظًا أنفاسه، مردّدًا بصوتٍ متقطّع مخلوط بالنشيج، بــ ا بـــــ ا. وكانت زوجته قد وَجَفَ قلبها فجأة، واجتاحها قلقٌ عارمٌ وإحساس مرّ مُبْهَم، لا تعرف مصدره، إلى أن وصلها ذلك الخبر المفجع الذي أحال حياتها رمادًا وسعادتها شقاء، وابتسامتها حزنًا نافذًا إلى القلب. ولست أحسبني بقادرٍ على أن أصف بعد هذه الحادثة الأليمة كيف سارت حياتها، أهي حياة في صورة موت، أم موتٌ في صورةِ حياة، أم موت في صورة موت، فيجتمع موتان في حياة واحدة؟