روّاد الفكر… ونهضة الأمم

- عندما ترتدي الدبلوماسية جبة الشعر - 2024-11-20
- روّاد الفكر… ونهضة الأمم - 2024-10-23
- عيدكم مبارك - 2024-04-10
لقد أعجز التفكُر في مَكْنُونْ العَقْل كل من أراد إلى ذلك سبيلاً، فلم يُحِط أحدٌ بِكُنْهِهِ ولا بِمُنْتَهَى قدرته، وقد سار في ذلك المضمار نفرٌ من المتكلمين والفلاسفة، حتى بلغ الحديث عنه والتنظير له مبلغاً كاد أن يُعْجَبْ به مَنْ صاغه، وينتشي له من ابتدعه، حتى وجد نفسه لم يبرح واقفاً على شاطئه يغمس مروده في وشَلِ مُحِيطِه لا يَلوي على شيء من عِلمه، بل الْتَبَسَ على بعضهم كُنْهَهُ ومَكَانَ انْعِقَادِه، فمنهم من نسبه للمادة الموجودة في تجويف الرأس، ومنهم من ادعى أنه في مكان ما خارجه.
لا شك أن العقل وإن كان صغيراً في جُرْمِه فهو عجيبٌ في أمره، وأعجب ما يكون في قدرته على التعلم والتدبر والاستنباط واسترجاع الحوادث بصورها وشخوصها وأحاديثها، فضلاً عن تخيل ما لم يحدث، فسبحان الخالق المصور، والفكرُ ثَمَرَةُ العقل وهو يتقلب في ثلاثةِ أحوال، أشرفها وأنفعها للمرء في حالهِ ومآلهِ، هو الانشغال بالتفكر والتدبر، ومنها حال التفكر في الكائنات والجمادات، تفكراً يورث حكمةً وعلماً، ويوصل إلى العبقرية والإبداع، (إنِّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأرْضِ وَاخْتلِافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياَتٍ لِأوُلِي الْألَباَبِ).
وأوسط أحوال الفكر هو الانشغال بالأخبار على أنواعها وأهميتها، وذلك الغالب في مجالس الناس ولا بأس في ذلك، بل إن بعض تلك الأخبار مرتبط بمعايش الناس، والعلم به خير من الجهل إذا ما قدر بقدره وأخذ من مصادره، وقد كثرت في زماننا وسائله، وغلب غَثَهُ سمينه حتى لم يعد يعرف صحيحه من كذبه، وأصبح مضيعةً للأوقات والطاقات، فضلًا عن إشاعة ما لم يصحْ من الأنباء التي تنتشر انتشار النار في الهشيم بلا حدود ولا قيود، حتى لتجد التافه من الناس يتحدث في الشأن العام ويقتفي ما ليس له به علم.
وأدناها وهي الحال الثالثة للفكر، هو الانشغال بالأغيار، والمقصود به الانشغال بالآخرين، حيث لا يجاوز الفكر خاصة الناس، وذلك قد يفضي إلى الغيبة والنميمة التي تورث الشحناء والبغضاء والحقد والحسد، وفي ذلك فساد الدين والدنيا، فضلاً عن غضب الله سبحانه وتعالى، فلا ينشغل بالناس إلا جاهل بنفسه وحكمة وجوده، خلا جِرابَهُ من العلم وتكاسل عن العمل فَسَيّر فضول وقته فيما لا ينفع.
وبذلك نخلص إلى أن أصحاب الفكر هم خلفاء الله في الأرض، وأقدر على عمارتها، يصنعون الحدث ويساهمون في نهضة البشرية وتطورها وينشرون العلم والحكمة، فهم على قلة عددهم مؤثرون في مسيرة الأمم، فلا يخلو من ذكرهم ديوانُ تاريخٍ مضى، ولا كتابُ حاضرٍ نعيشه، ولا صفحاتُ مستقبلٍ نؤمله ونستشرفه، فإن وجدت أمة متخلفة عن باقي الأمم فاعلم أنها لا تقيم لمفكريها وزناً.
**المصدر:جريدة”الشرق”