عطرُكِ أجنحةٌ خفيفةٌ

_________________ وليد خازندار
غزة ـ
النهار معجزة يوميّة
العشيّة أن يقاوم الجمال وينتصر
1
لكِ دارٌ صغيرةٌ هُنا. تلتفتين إليها، تعرفين الزمان. فجرٌ يستعيدُكِ من مكائدِ الليل. تستعيدُ أشرعةٌ ألوانَها وراياتٌ. هواءٌ باردٌ يأخذُ جسمَكِ كلَّهُ والموجُ ساكت. طيورٌ بيضاءُ من الأفقِ الذي لا ترينهُ. البحرُ غامقٌ مثلُ السماء.
بريقٌ معتمٌ على الأصدافِ يكملُ أحلامَكِ. لكِ شرفةٌ ملكيَّةٌ، لكن الزمانَ كثيفٌ ولا ترينها. حرَسٌ، مراكبُ محجوبةٌ عن العيونِ، لكنكِ لا تريدين أن تغادري. صخرةٌ تلجأُ الطيورُ إليها تذهبين كُلَّ فجر.
الرملُ باردٌ وطريٌّ ويهتدي إلى شكلِ خطوِكِ. يرسمُهُ في ترنُّحٍ خفيفٍ، ربَّما من كثرةِ التفاتِكِ إلى البحر.
تريدين الآن أن تلقي بجسمكِ إلى الماءِ العاري، أن تكون ثيابُكِ مرميَّةً على الرملِ آنذاك.
تلزمُ غيمةٌ تدنو وتحجبُكِ. قد يراكِ الحرسُ الملكيُّ ويُغضي. النوافذُ التي سهرتْ، النوافذُ التي الآن تصحو، النورُ الأبيضُ قبل الشمسِ من خلف المنازل؛ كُلُّ ما ترينهُ يراكِ.
الصيّادون قبل الغِناء. يجهِّزون شباكَهم في ضبابٍ خفيفٍ كأنهم يحلمون. ينادونكِ إن ابتعدتِ عن عيونِهم، أو عندما تقتربُ الطائرات.
2
بَحّارةٌ في الأصلِ
أُغلِقَ البحرُ دونهم والصحراءُ خُتِمتْ عليهم
ليس غيرُ شِباكٍ يرتقونها، مراكبَ لا تبتعد.
مكشوفةٌ تمتماتُهم.
ليست عن الوَحشةِ
قِلَّةِ الأرضِ
أو كثرةِ الحواجزِ
بل عن المواسمِ التي لا ترجعُ في كلامِها.
سماؤهم مسيَّجةٌ بخطوطٍ بيضاءَ في تقاطعٍ
قفصٌ دون الجهات.
لهم خبرةٌ بالموج.
يعرفون عن اللجَّةِ أبعدَ مما يرون.
في خيالِهم شواطئُ يسرفون إليها
قمرٌ يجذبُ الماءَ
يأخذُ قلوبَهم إلى مقاصدِها.
أفكارُهم موصولةٌ بأشرعةٍ
ينعطفُ المَدُّ كُلَّما انعطفتْ إليه.
لا يُطْرِقون، لا يُؤخذُ من يقينِهم
إلّا إذا استبدَّتْ بهم الأغاني.
أغلبُ معانيهم في الغرام ـ
مقامُ الصخرةِ
قالبُ الموجةِ التي تنكسر.
3
يصحو من ذهابِكِ. النعومةُ أكثرُ ما يوقظُ في مدينةٍ كهذهِ، فضاؤها طاسةُ رجَّةٍ مقلوبةٌ عليها. ما إن يبدو لها نهارٌ قويٌّ حتى تغيرُ عليهِ الطائرات. ترتفعُ المنازلُ التي انقصفَتْ أعمارُها. ترتجُّ المنازلُ القريبةُ. المنازلُ البعيدةُ تشرئبُّ وتصغي.
تتسحَّبين في خِفَّةٍ من جوارِهِ. تكون شمالُكِ على صدرِهِ ويمينُهُ عليكِ. تشُقّين ستارةَ البحرِ، مراكبُ خطفٍ في انتظارِكِ. رشاشُ الماءِ في الحمّامِ، غناؤكِ الخفيضُ، صمتُكِ بين المقاطع. سقوطُ الصابونةِ من يديكِ.
بلادٌ يصعبُ الوصولُ إليها تأتي من قهوتِكِ المغليَّة. قد تكون من هُنا عثرةُ فنجانِكِ على صحنِهِ كُلَّ فجر. رشفُكِ في سُرعةٍ، همسُكِ بينما تلبسين. كما لو تطلبين من وصيفاتٍ ألّا تعلو أصواتُهنَّ كي لا يصحو.
عطرُكِ أجنحةٌ خفيفةٌ والجهاتُ لا يأتي منها أحد. ليس إلّا حرّاقاتٌ سوداءُ تنظرُ إلى الشاطئ. سرابٌ يندفعُ من الصحراء. قد يكونُ من هُنا وسواسُ حيرتِكِ بين الخواتِم. تعثُّرُ أصابعِكِ على إبزيمِ الصندل. بحثُكِ الطويلُ عن المفتاحِ، في قِلَّةِ صبرٍ، قبل أن تغادري. كأنَّ حرسًا يتململُ.
هواءٌ باردٌ حين تفتحين الباب. تغلقينهُ في جذبتين خفيضتين. تتأكَّدين منهُ كأنكِ لن تعودي.
*المقاطع الثلاثة الأولى من ديوان الشاعر وليد خازندار «جهات هذه المدينة» صدر في طبعة محدودة عن دار بيان في لندن عام ٢٠١٥ ومنشور على موقع الشاعر https://www.walidkhazendar.co. في هذا الديوان يقدم ابن غزة صورة لمدينته، يتميز الديوان ككل دواوين خازندار بالرهافة الشديدة التي تنبع من لغة عالية المجاز تومئ ولا تصرخ.
** المصدر: مجلة”الجسرة الثقافية”. العدد: 63