قراءة في “فرج نافذة النهار” لنايف النوايسة / مخلد بركات

 

الجسرة الثقافية الإلكترونية-خاص- 

لعلَّ الباحث في تجربة نايف النوايسة الإبداعية يجد أنّها ممتدة وذات شمولية إبداعية، ذات منحى أفقي وعمودي، فهو على مدار سنوات طوال كتب الدراسات الأدبية، ألّف في التراث والمعاجم، تتُبعَ الباحث النشط لهذا الزخم التراثيّ في الأردن عموماً وفي الكرك خصوصاً، كتب أيضاً للأطفال، كتب المقالات والنصوص؛ ومن هنا نحن أمام مبدع متعدد المواهب والاهتمامات، أمام حالة إبداعية غنيّة مركّبة يصعب تفكيك أحجياتها!!.

في المجموعة القصصية التي نحتفي بها هذا المساء والمعنونة ب( فرج نافذة النهار) نلمس الكثير من تجارب نايف الحياتيّة والإبداعيّة والقِرائية، فهو وإن لم يُصرِّح… يكتب سيرته الذاتية، يستدعيها من إغفاءة لذيذة في أصقاع الذاكرة، يهرّبها هنا وهناك في بؤر سرديّة ومشاهد متنوعة؛ ليعيد لها هيبتها وطزاجتها بمكنة ودربة، وهي هنا سيرة ذاتية مقنّعة على حد تعبير غادة السمّان، يختلط فيها الحلم بالواقع كما أشار الناقد السوري نذير جعفر، وبالذاكرة أيضاً، في فسيفسائيّة متزاوجة، يصعب التمايز أحياناً بين هذه الثيمات في البنيات النصية.

وعندما نطالع العنوان( فرج نافذة النهار) نكتشف هذا الاختيار الموفّق لثلاث أيقونات تشكِّل لحمة قصصية في الداخل، فرج (شخص) نافذة(مكان) النهار(زمان) وهي مؤشر على اللبنة السرديّة في الداخل في ثنائيات القصص البالغة عشر… هناك اندماج شديد التعقيد بين الشخوص والمكان والزمان، عناق حميمي، مثلما هو متجسِّد في العنوان اندماجاً وانصهاراً… وهذا يقودنا للحديث عن الأيقونات الثلاث:

•       الشخوص: متعددة السمات والخصائص، لها عوالمها الخاصة، وإن كان بعضها يحمل بطريقة أو بأخرى ملامح نايف نفسه، فكأنّما يعيد صياغة هذه الشخوص بحسب تجاربه الحياتيّة الماضوية لتقترب وتبتعد من (النايفيّة) أي مركبات المؤلف العضوية والحياتية والإبداعية. بعض الشخوص ارتسم بمسحة كاريكاتورية هزلية، كالختيار الأطرم والسكّير المتغافي، ومن الشخوص من كان رمزاً للإبداع الكوني(نجيب محفوظ) ونجد الأطفال المشاكسين ورجليّ الثلج، والأب المطعون… وبرغم تعدد رؤى وجذور هذه الشخوص وتباعدها الظاهري، إلا أنَّ هناك خيطاً يجمعها معا، وهو التشيؤ والرحيل المتصل(الصندوق الحديدي، الباص، 3 من القصص وظفت هذا المعنى) أو الرحيل الموتيّ على أوراق الثلج المنهمر… أو الطعنُ بآلة حادة؛ ومن هنا فهي شخوص ذات ملامح واقعية، ربما يعرفها المؤلف، تشترك جميعاً في فقدانها الاستقرار، في قلقها الحياتيّ، في نشدان الأجمل في الوجود. فرج الفرّاج( نموذجاً) هو أقرب إلى الوليّ المخلِّص، أو النذير الكاشف لخطر الذئاب المحدّق( إسقاط سياسي) فكأنَّما هو الرمز الوطني القومي المنشود، والذي غيّبناه قصراً… فرج الفرّاج اقترن بالنافذة؛ مكان انبعاث النور والحرّية، وهي ضدّ العتمة والاستلاب في الزمن الحاضر المليء بالثقوب والانهزام( النهار)؛ ليظهر لنا قرويّاً بسيطاً يحمل وعيا عميقاً… وعندما نضيّعه… نسقط في وهم الانتصار، ويتلاشى وعينا بالهُوية والأصالة، مما يدلِّل على أننا كائنات بلهاء محايدة، أقرب إلى برودة أوراق الثلج… وهنا أول الفواجع بأنواعها كافة. يقول المؤلف: ” يردُّ الرجل: حتى زماننا كان مجنوناً، لكنَّ فرج الفراج كان نافذة للنور…” وفي مقطع آخر:” ويطوي فرج كرامته في عبِّه أسفا وهو يغرغر كسيفاً: إنَّهم يضحكون، يا أسفي عليهم، ويبكي فرج، لكنَّه نهض هميماً، وينثر صوته عند كلِّ خيمة: الذئاب، الذئاب، الذئاب…!!!”

ويمكن القول هنا إن المؤلف استثمر هذه الشخوص لمحمولاته الفكرية فدجّجها بأفكاره ومعتقداته ورؤاه الخاصة حول ما يجري حوله في العالم… فلعبت دور الحامل والمحمول في آن.

•     المكان: تجلّى في العنوان( نافذة) والنوايسة وإن لم يوغل في رسم تفاصيل المكان، وظلَّ محايداً على الأغلب، ولم ينتج دلالات نصّية، إلا أنَّ هذه الأمكنة ظلّت إلى حدٍّ ما تؤشر وتدلل بصفة موازية للحدث، وتستدعي تاريخها وألقها ومكانتها في جغرافية العالم وفي جغرافية النص بمواربة خفية. وهي أمكنة متنوعة محلّية وعربية ذات فضاءات مفتوحة( القاهرة، مقهى الفيشاوي، الحرم المكي، عمان، العقبة، الميناء، قرى الجنوب…) زارها الكاتب وأثرت في وجدانه الإبداعي.

•       الزمان: هو الأيقونة الثالثة في المفتتح العنواني… في القصص لم نلمس زماناً حياتياً محدّداً بالتواريخ والساعة بشكل واضح جلي، وإنما ظهرت الساعة البيولوجية والزمن النفسي، أي الداخلي، فالكاتب غير مشغول بإلباس الأحداث والمواقف صبغة زمانية محدّدة، لانشغاله بالفكرة، لتظهر محمولاتها زمناً من قلق، وجدانيات، تحسر، نشدان لتغيير الحال، في دواخل الشخوص. ومن خلال الأفعال المضارعة المتسارعة والنشطة، لما يمكن تسميته الزمن السردي النصّي.

وبخصوص اللغة القصصية، أقول إن لغة نايف متعددة الحقول والدلالات، ظهرت في أغلب المقاطع موصّلة جيّدة للمعاني والمحمولات، دونما تحليق شعري، وكأنما الكاتب أراد ذلك عن قصد، لكي يتيح للحدث أكبر مساحة من التحرك والبروز، دون إغراقه في التهويمات والإنشائية، وهذه لا يعني عدم وجود بؤر مشعة باللغة الشعرية، بل ظهر هناك استثمار للطاقة اللغوية الشعرية والجمالية إلى حدٍّ ما، لتأخذ منحى آخر مغلّفاً بالتصوير الجميل والمفردات القلقة الطازجة. يقول الكاتب:” أنا الليل الضاج بالوحشة، أنا الوحشة الضالعة بالصمت، أنا الصمت الصارخ بالموت” قصة(أوراق الثلج).  

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى