كنوز مبدعة .. ثقافة السؤال كأساس للتواصل البنَّاء

- كنوز مبدعة .. ثقافة السؤال كأساس للتواصل البنَّاء - 2026-01-04
- كنوز مبدعة.. الذكاء العاطفي وأهميته في الحياة الشخصية والمهنية - 2025-01-23
- كنوز مبدعة.. دور التعليم في تشكيل القيم الاجتماعية - 2024-09-18
رغمَ كثافة الحضور الكلامي في حياتنا اليوميّة، فإنه لا يزال الفَهم المتبادل غائبًا عن كثيرٍ من الحوارات، وأصبح التواصل من أكثر التحديات التي تواجه الأفراد والمُجتمعات. ورغم وفرة وسائل الاتصال، فإن جودة الحوار لا تزال تعاني من السطحية وسوء الفَهم، وغالبًا ما يتحوّل النقاش إلى جدل أو صراع، بدل أن يكون مساحة للتقارب. هنا تبرز ثقافة السؤال كأحد أهم الأسس التي يقوم عليها التواصل البنّاء، لأنها تنقل الحوار من تبادل المواقف إلى بناء الفَهم المُشترك.
ثقافة السؤال لا تعني كثرة الاستفهام أو التشكيك الدائم، بل تعني امتلاك فضول واعٍ ورغبة حقيقيّة في الفَهم قبل الحكم. فالسؤال الجيد لا يهاجم، ولا يدافع، بل يفتح بابًا للتأمل واكتشاف المعنى. عندما نسأل بدل أن نفترض، نحن نمنح الآخر مساحةً ليعبّر عن ذاته، ونمنح أنفسنا فرصةً لتوسيع رؤيتنا للعالم. وبهذا يصبح السؤال أداة للتواصل لا للمواجهة. في المقابل، يغلب على كثير من الحوارات اليوميّة منطق «الإجابة السريعة». يسارع كل طرف إلى تقديم رأيه وكأنه حقيقة نهائية، دون الإصغاء لما يقوله الطرف الآخر. هذا النمط من التواصل يخلق مسافة نفسية، ويغذّي سوء الفَهم، ويكرّس الانقسام. أما حين يكون السؤال حاضرًا، فإن الحوار يتغيّر جذريًا؛ إذ يتحوّل من محاولة إثبات الذات إلى محاولة فَهم الآخر. سؤال بسيط مثل: «كيف ترى هذا الموضوع؟» أو «ما الذي جعلك تصل إلى هذه القناعة؟»، كفيل بأن يُخفف حدّة التوتر ويُعيد الحوار إلى مساره الإنساني.
هكذا تلعب ثقافة السؤال دورًا محوريًا في بناء العَلاقات، سواء داخل الأسرة أو في بيئة العمل أو في المجتمع ككل. في الأسرة، يساعد السؤال على فَهم احتياجات الأبناء ومشاعرهم بدل الاكتفاء بالتوجيه والأوامر. وفي بيئة العمل، يعزّز السؤال الثقة والتعاون، لأنه يشعر الأفراد بأن آراءهم مسموعة ومقدّرة. أما على المستوى المُجتمعي، فإن انتشار ثقافة السؤال يسهم في بناء وعي جماعي أكثر نضجًا، قادر على إدارة الاختلاف دون صدام.
وهكذا يتحوّل الحوار إلى مساحة أمان نفسي، لا إلى ساحة صراع.
ومن المهم الإشارة إلى أن تبنّي ثقافة السؤال يتطلب شجاعةً ووعيًا ذاتيًا. ولذلك فالسؤال يكشف حدود معرفتنا، ويضعنا أحيانًا أمام قناعاتٍ لم نختبرها من قبل. لكنه في المقابل يمنحنا فرصة للنمو الفكري والإنساني. ولذلك، المجتمعات التي تشجّع على طرح الأسئلة هي مُجتمعات قادرة على التعلّم المستمر.
في الختام، يمكن القول إن التواصل البنّاء لا يقوم على كثرة الحديث، بل على جودة الفَهم. لذلك، فإن ثقافة السؤال هي الجسر الذي يصل بين الاختلاف والتفاهم، وبين الرأي والوعي. عندما نتعلم كيف نسأل بصدق، نصبح أكثر قدرة على التواصل باحترام، وأكثر استعدادًا لبناء عَلاقات صحيّة ومُجتمع مُتماسك. فالسؤال ليس ضعفًا في المعرفة، بل علامة على نضجها.
happytalent@fatinalsada.com
fatin_alsada@
dr.fatin.alsada@
** المصدر: جريدة “الراية”



