كن راضيًا

- العافية… نعمة وافية - 2024-12-02
- المدرسة مؤسسة تربوية تعليمية - 2024-09-03
- مناراتُ حبٍّ - 2024-07-29
هل أعطيت يومًا بعضًا من نفسك، أو مالك، أو جهدك للآخرين وقُوبلت بالخذلان والنكران؟ هل أكرمت أحدًا ما، فقابلك بالجحود؟ هل أحببت وأخلصت في حبك لأحدٍ ما، ثمَّ وجدت منه خيانةً وإهمالًا؟ هل بذلت وسعيت وقدّمت للآخرين، ثمّ وجدت أن سعيك صار هباءً منثورًا؟ إن حصل لك ذلك، فلا تحزن، ولا تقف طويلًا عند النتائج، بل فكّر في الأثر، وخذِ العبرَ. كثيرٌ منّا ينتابه شعور في لحظة إدراك بأنه أعطى وقوبل بالخذلان. وأكرم، وقوبل بالجحود. أحبَّ، ووجد خيانة وإهمالًا. بذلَ وسعى، ولكن قيمته صارت كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً. هكذا يحدث معَ بعضِ البشر، وهذه حقيقةً اختبارات حياة، وامتحانات قيم وأخلاق ومسؤوليات وواجبات. فنحن في محطات حياتنا المتنوعة، وفي تعاملنا مع صنوف الناس، نربح رصيدًا عامرًا بالخبرة، قد نشعر بألم عميق في غسق الأتراح والأحزان، لكن عِوضَ الله أكبر من كل ذلك، بل هو طاغٍ بحلوه على كلِّ مرّ، وعامٌّ بنفعه على كلّ ضرّ، وخير يُقصي كلَّ شر. وفي الحصيلة، مِنْ قَدَرِ اللهِ لا مَفَرّ. ومِنْ ثَمَّ، دوام الحال من المُحال، إِنْ في فَرْحٍ أو في تَرْحٍ. فكم مِنْ عسرٍ أعقبه يسران؟ وكم مِنْ غصة وكتمة أتبعها الله بشهيقٍ واسع الأفق، يشرح الصدر، ويعمر القلب؟ فنحن – بتوكلنا على الله، وبثقتنا بأقداره، وبعدم المبالغة في الوقوف على ما أصابنا – في خيرٍ دائمٍ، نستشعره فيصبح ترسًا ودرعًا حصينًا، يحمينا من هول اللحظات المؤلمة. لذلك، فلنسلِّم أمرنا لله الحكيم، خافي اللطف، له في كلِّ أمر حكمةٌ ومقصدٌ.
إنْ أدركت ذلك، وعشته يقينًا في حياتك، فما عليك سوى رفع يديك في محراب رحمة الله قائلًا: يا رب، يا من إذا دعاك عبدٌ، لا يرجع منك صفر اليدين، ويا مَن لا يوصد باب عطاياك، يا إله الأكوان كلّها، يا من لا يَصُدُّ مَنْ بابه دقَّ، ولا يَرُدُّ من دعاهُ بِحقّ. يا مَنْ ليس لرحمتك موعد، ولا لملكك حدّ، ولا لعطائك حصر، يا قبلة الآمال، ويا منتهى الأحلام، أصلح بالنا، واجعلنا في كنفك، وفي رحابك العامرة. ففي رحابك لن ينقصنا شيء، ما دام الرضا بك وعنك زادنا. ولن يوقفنا عن السعي إليك جزر الأيام ومدها، ولا تعبها وكدها، ما دام نور هديك يسطع في قلوبنا. إلهنا، ما دمنا معك وبك، فلن نتوسَّدَ الأحزانَ، ولن نفرش اليد للخد يائسين، ومن رحمتك قانطين، فإن أعمار الألم والوجع قصيرة، وكلُّ شيءٍ بعطاءِ الله يتبدد.
لذلك كلّه، فلْتَهجر مباعث الألم والقهر واليأس، ولو كانت في قوتك ومائك وهوائك، وليس ما كان منها في البشر فحسب. واركض نحو منجاتك، ورحمات ربك ونحو أرضه الواسعة، وعش حيث تجد نفسك راضيةً مطمئنةً ساكنةً هادئةً.
وما دامت «كلّ نفسٍ بما كسبت رهينةً» فعليك بنفسك أصلحها وقوّمها ورمّمها، ثمّ ردّد دع المقاديرَ تجـــــــــــري فـــــــي أعَنّتهـــا ولا تبيتــــــنّ إلا خالـــــــــــــــــــــــــــيَ البــــــــــالِ ما بين غَمضةِ عَيـــــــن وانتباهتــــــــــها يغيّر الله من حــــــــالٍ إلى حــــــــــــــــــــــالِ فكن مع النــــاس كالميــــزانِ معتـــدلاً ولا تقولــــــــن ذا عمــــــــي وذا خالـــــــــي فالعم من أنـــــت مغمـــــــورٌ بنعمتــــــهِ والخالُ من أنت من أضـــرارهِ خالِ ولا يفكُّ الرأس إلا مــن يـركِّبُــــــــــــــــــه ولا تَرُدُّ المنايا كثـــــــــــــــــرةُ المـــــــــــــــــــالِ
**المصدر: جريدة”العرب”