مجلة الدوحة.. نافذة قطر على الثقافة العربية

بعودة مجلة الدوحة، التي تصدرها وزارة الثقافة، إلى المشهد الثقافي القطري والعربي، يكون المشهد قد اكتملت أركانه، بعدما افتقدت الساحة الثقافة محلياً وإقليمياً هذا المشروع المعرفي الجامع لسنوات.
لذلك، لا تعد عودة مجلة الدوحة مجرد حدث صحفي أو إعلامي عابر، بل خطوة استراتيجية تعكس رؤية ثقافية لمستقبل الثقافة في قطر والعالم العربي، بعدما أصبحنا أمام منبر ثقافي يشكل منصة للوعي والمعرفة والهوية، بكل ما له من عراقة وتاريخ يمتد إلى عام 1969.
واستناداً لهذا الإرث المعرفي لمجلة الدوحة، وما حققته من تفعيل للمشهد الثقافي العربي، واستقطابها لأقلام العديد من النخب الثقافية على امتداد خمسة عقود تقريباً، تكون عودة «الدوحة»، خُطوة مهمة في المشهد الثقافي، لتعيد الاعتبار إلى منبر فكري كان يوماً رائداً في العالم العربي.
لذلك، لا تشكل عودة مجلة الدوحة ترفاً أو مبادرة رمزية، بل لتجسيد رؤية واضحة لدولة قطر في دعم الثقافة باعتبارها قيمة حضارية ومعرفية، إيماناً بثقافة الاستمرارية، دون الاكتفاء بأعداد تصدر من حين إلى آخر، وذلك في تأسيس رسمي يحول المجلة إلى منصة دائمة، لتغذية المشهد الثقافي محلياً وعربياً.
هذا التأسيس المؤسسي يمنح المجلة فرصة، لتكون منبراً جاداً للنقاش، عبر استقطاب أقلام مبدعة، تملك ناصية القلم، تمنح المجلة فرصة جديدة، لتجديد عهدها مع القارئ، لتصبح قادرة على إعادة تنشيط الذاكرة العربية، نظراً لدور الثقافة اللافت في بناء الوعي.
لذلك، لا يمكن وصف إعادة إصدار المجلة بأنه عودة لطبعة قديمة فحسب، بل لانطلاق منبر فكري معاصر يتماهى مع التحولات التقنية والزمنية، في ظل انفتاح المجلة المرتقب على الفضاء الرقمي، بكل ما يحويه من أدوات العصر لتوسيع دائرة القراء، وتفعيل حضورها ضمن توجه ثقافي معاصر.
وما يمنح هذا المشروع أبعاداً أعمق هو الرؤية بأن الثقافة ليست عنواناً إعلامياً، بل ركيزة للهوية، وبوابة للتواصل بين قطر والعالم العربي، وبين الماضي والحاضر، وبين القارئ التقليدي والجمهور الجديد.
من هنا، تعكس العودة الحالية لمجلة الدوحة رؤية واضحة تسعى إلى الجمع بين إرثها التاريخي وهويتها الثقافية الأصيلة من جهة، وبين أدوات العصر الحديث من جهة أخرى، لتصبح كما كانت جسراً للتواصل بين الثقافة القطرية ونظيرتها العربية، انطلاقاً من ماضيها العريق، الذي استحقت على إثره أن تكون نافذة ثقافية لدولة قطر تسطع من خلالها على الثقافة العربية والعالمية، ما يؤهلها بالتالي لاستعادة دورها، وهى ترتدي حُلة جديدة، تستند فيها إلى هذا الإرث، وتنطلق منه إلى مشروعها المعرفي الرائد.
وختاماً، يمكن القول إن المجلة اليوم أمام فرصة نادرة: أن تصبح منصة تلتقي عندها الأصوات الواعدة مع الأسماء الرصينة، لتفتح باباً لتجارب شابة تبحث عن فضاء النشر والحوار، بالشكل الذي يجعلها تتجاوز الإصدار الدوري إلى المشروع الفكري بمعناه الواسع، ولتضحى كذلك جسراً ثقافياً، يربط المشهد الثقافي المحلي بالآخر العربي والعالمي.

** المصدر: جريدة”الشرق” 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى