مدينة القدس

د.زينب المحمود
Latest posts by د.زينب المحمود (see all)

«القدس جوهرة تشـــعُّ فتملأ الدنيـا ضياء… القدس درب الأنبياء الذاهبين إلى السماء… القدس أولى القبلتين، وثالث الحرمين، فاكتب في هواها ما تشاء». إذا وقفْتَ حيث وقفَ سيدُنا عيسى عليه السلام في ليلته الأخيرةِ، على جبل الزيتون، ستجدْ نفسَك أمامَ مشهد مَهيب، لمسرى سيدنا محمّد عليه السلام، للمسجد الأقصى المبارك، ودرَّتِه قبةِ الصخرةِ المشرفةِ، التي تشرّفت بمعراج محمد عليه السلام منها إلى السماوات العلى، وسترى أشعةَ القداسةِ والطهرِ تتلألأ من قباب مدينةِ القدس العريقة، التي شُيِّدت عبر آلاف السنين. القدس: إليها تهفو العيونُ، وتتهافتُ القلوبُ، توقًا إلى الصلاة في محاريبها، وبينَ أعمدَتِها الرُّخاميةِ، وأروِقتها التي تعبقُ بتاريخ حافل، بَدَأَ منذ فجر التاريخ.

مدينة القدس التي كانت، وما زالت، وستبقى قبلة الشرائع السماوية السَّمْحةِ، وقبلةَ المسلمين الأولى، ومسرى خاتَم الأنبياء والمرسلين، ووصيةَ الأنبياء والفاتحين، والعلماءِ والفقهاء والمحدّثين، أرضَ رباطٍ إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، وهي وطنُ العالِمين المؤمنين الموحِّدين، مدينةُ تسامحٍ وأمنٍ وسلامٍ، رغم ما تعانيه في هذه الحقبة من احتلال وقهر وظلم.

حظيت مدينةُ القدس، وما تزال، بمكانة عظيمة في التاريخ الإنساني، وتميزت بخصوصية الزمان والمكان. فهي، في الزمان، تضربُ جذورها منذ الحضارة العربية الكنعانية، وهي، في المكان، تشمل الموقِع والموضِع… فعُرِفَتْ، منذ القِدم، بملتقى الاتصال والتواصل بين قارات العالم القديم، تعاقبَتْ عليها الحضارات، وأَمَّتها الجماعاتُ البشريةُ المختلفةُ، مخلفةً وراءَها آثارَها ومخطوطاتها الأثرية، التي جسَّدَتْ الملاحمَ والحضارةَ والتاريخَ، ولِتدلَّ على عِظَمِ المكان وقدسيَّتِه.

إنَّ هناك أسبابًا وظروفًا منحت القدسَ مكانتها المرموقةَ، وخلودَها السرمديَّ، رغم كل ما تعرضت له من نكْبات وحروب، أدت إلى هدمها وإعادة بنائها ثماني عشرة مرةً عبر التاريخ، وفي كلِّ مرةٍ، كانت القدس تخرجُ أعظمَ وأصلبَ وأشدَّ رسوخًا من سابقتها. وهذا دليل على إصرارها على البقاء والخلود. فسيبزغ فجر القدس مهما طال الظلام، وسيعود الألق إلى قبابها وساحاتها وأزقتها.

وأخيرًا أسأل الله أن يحفظ القدس وأهلها والمسجد الأقصى المبارك، وأن يكتب لنا صلاة فيه قبل الممات أعزةً مرفوعي الرأس والجبين.

** المصدر: جريدة “العرب”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى