معرض نصّوح زغلولة… فتنة الأبيض

الجسرة الثقافية الالكترونية-السفير-
لا يمكن أن تخرج من معرض الفنان السوري نصوح زغلولة إلا وقد دارت في رأسك مشاهد فاتنة يطغى الفن فيها على الموضوع، لكأنك تسأل نفسك: ماذا أحببت، دمشق التي صورها الفنان أم اللوحة!؟ قد يكون هذا السؤال غير جائز في التصوير الزيتي أو اللوني، أما في التصوير الفوتوغرافي فأنت تتردد كثيراً في طرح مثل هذا السؤال، ذلك أن مهمة المصور التقليدية أن يجمل لك الواقع أو يجعلك تنفعل معه، فإذا صور مشهداً إنما يصوره ليقربك منه أكثر، ليذكرك به أو يريك إياه من الزاوية التي يريد. أما لدى زغلولة فالأمر مختلف.
في المعرض الذي رأيناه له في غاليري Art On 56th، تحت عنوان «صمت في دمشق»، تجنب الفنان أن يذهب بكاميرته إلى الخراب والدمار الذي تصنعه الحرب في بلاده، وأراد أن يعبّر بأعماله عن تمسكه بجماليات دمشقه القديمة، دمشق التي تمسّك بها ورفض أن يخرج منها في أحلك الظروف. وهو يعبر عن ذلك من خلال حمل كاميرته إلى تلك الأماكن الحميمة، إلى الشوارع والشرفات والواجهات والسقوف والردهات والفسحات والشقوق وسوى ذلك من التفاصيل الدقيقة. ومع ذلك فزغلولة لا تغريه التفاصيل، ولا الواقع بطبيعته الجامدة، إنما يذهب إلى تأليف لوحته وبنائها كما يحب ويرغب، فهو يهرب من الكادرات الجامدة، باحثاً عن الحركة الدينامية، تلك التي يعمل على اقتناصها في أماكن واسعة أو ضيقة، حتى لكأنه يبحث عن مكيدة، يلاعب فيها الضوء والظل، أو يحتال في اختيار الزاوية وقطف ما يريد من المشهد، قبل أن يرمي الباقي في العتمة.
الجولة على لوحات المعرض هي، بمعنى ما، تنقّلٌ بين تشكيلات الضوء أو اللون الأبيض. فمن بعيد لا ترى غير تلك الأشكال المتغيرة لمساحات الأبيض بين لوحة وأخرى، قبل أن تتقدم وتدقق في ماهية الأبنية والحارات والأشكال التي تفسح للأبيض أن يتقدمها، أو قبل أن تتأكد من ماهية الأسود، فالفنان هنا يرسم بالضوء، أو يصور بالأبيض، أو يوقّع به في بحر الأسود. فمرة يضرب حضوره أفقياً وأخرى عمودياً، أو يتلوى بأشكال عفوية، في أحضان الأسود، كأن الضوء هنا يعري الظل، بل إن الفنان هنا يضعنا أمام التباس معنى الظل نفسه، عندما يحيل ظل الضوء ضوءاً، فيرينا فسحة بين بناءين وقد دخل الضوء منها فرسمها، ثم وصل إلى الأرض فرسمها مرة ثانية ظلاً، بل ضوءاً مكرراً.
يفتننا زغلولة بعشقه لضوء دمشق، بشغفه وعلاقته الحارة بالكاميرا، التي يحرك عدستها في كل اتجاه، باحثاً عن الحضور المتميز للضوء فيها، بل باحثاً عن التقاط لوحة ظاهرها تجريدي وباطنها واقعي، على أن الضوء الذي يتحرك أمامنا هو الضربة الحرة التي تشد العين، بينما أسود اللوحة هو الواقع الجامد الثابت الذي يحفره الضوء بحدة وقسوة أحياناً، عندما يضرب على هندسة بناء، وبزخرفة وطراوة أحياناً أخرى، عندما يتلألأ من بين أوراق النبات.
ولا شك في أن الفنان يعمل على تعميق الهوة بين الضوء والظل، على جعل الضوء أكثر نصاعة وخفة، والظل أكثر قتامة وثقلاً، من خلال التدخل في إزالة الشوائب، باستخدام «الفوتوشوب». لكن صرامته في رسم الحدود بين اللونين لا تمنع أحياناً من أن يرشح الأبيض من تحت الأسود، أو العكس، إذا اقتضت حنكة التأليف ذلك، أو لعبة التوازن، أو الإخلال به، فالفنان لا يهتم بعقلنة اللوحة، ذلك أنه، وإن كان يرسم الضوء كجناحي طير أحياناً، أو ككائن يقف على قدميه، أو يجلس ويتحرك، غير أنه يأخذه أحياناً إلى حافة اللوحة، أو حافة الخطر، ليهز بذلك عين المشاهد.
لوحات جاذبة، وفنان يرسم بعين ذكية، ودمشق تطل صاخبة بجمالها.. خلف كل هذا الصمت الذي أوهمنا به الفنان.



