من دفتر مقالات د.أحمد عبدالملك.. عبدالعزيز ناصر

صادفَ يوم 22/7/2016 الذكرى الثالثة لرحيل الموسيقار عبدالعزيز ناصر، الذي أثرى الساحة الفنية بألحانه الشجية، ومشاعره تجاه الوطن والإنسان والحبيبة.
وفي يوليو من عام 2016، كتبتُ مقالاً في هذا المكان عن الموسيقار الراحل عبدالعزيز ناصر، بعنوان (أوجعتَنا برحيلك يا عبدالعزيز)، تحدّثتُ فيه عن الرحيل المفاجئ والمؤلم، للموسيقار الكبير، لم أكن أُريد أن أستدّر عطف القارئ الكريم، للتعاطف مع محنة رحيل الموسيقار الكبير، بقدر ما كنت أُريد توثيقَ خصال هذه الشخصية الكريمة، لأنني تعرّفت عليها عن قُرب، منذ التقائنا في فرقة الأضواء الموسيقية عام 1967.
استعرضتُ في ذاك المقال، اتجاهات الفقيد في تلحين الأغنية القطرية، وبعد فترة، وضعتُ كتاباً عن الفقيد بعنوان (عبدالعزيز ناصر.. رحلة الحب والوفاء) جمعتُ فيه مشاعرَ وأحاسيسَ الراحل، وآراء مُحبيه من الشعراء والملحنين والمطربين، وقامت وزارة الثقافة والرياضة بطباعة هذا الكتاب بصورة مهنيّة راقية، تتناسب مع مقام الفقيد، نعم (أوجعتنا برحيلك يا عبدالعزيز)، وتركت فينا فراغاً هائلاً، لأن القضايا التي تناولتها في التلحين، متشعبّة، عميقة، وذات بُعد إنساني كبير، يصعب أن نجدها في هذه الأيام.
لا يجوز أن نَرثي (عبدالعزيز)، لأنه حاضرٌ كُلَّ يوم في النشيد الوطني، وفي (عيشي يا قطر) وفي ( الله يا عمري قطر)، و(يا قطر ما يهون عليّ الفراق)، وجيتك يا قطر، وغيرها.
في المقال المذكور تطرّقتُ إلى جَمعتنا في مقر فرقة الأضواء الموسيقية في الجسرة، وحالتنا مع المكيّف العجوز، الذي بالكاد يرشح الهواء في الغرفة التي ينحشر فيها الموسيقيون وقت التدريبات الموسيقية، انتقلت في المقال المذكور إلى القاهرة، حيث حطَّ عبدالعزيز رحاله، كي يدرس الموسيقى، استكمالاً لمشروعه الفنّي للأغنية القطرية، وهناك أنتج عبدالعزيز مئات الأغاني القطرية، باتّجاهاتها المختلفة، مع اهتمامه، وملازمته للأخلاق القويمة، ونُبل الكلمة، فجاءت أغانيه دُرَراً متواترة، مثل: أصدّر للورق همّي، تصوّر لو الهوى ما كان، أريد وأتمنى الفرح، مغربية وسط سكة تلاقينا، عندي أمل، وافترقنا، لين يطرى عليّ لول، وغيرها من أغاني الشجن، التي نثرها عبدالعزيز في فضاءات قطر، وغيرها من الأغاني الرائعة التي لا تسمح المساحة باستعراضها.
لا أريد أن أُحوّل هذا المقال إلى (مناحة)، أو رثاء، لأن الراحل موجود معنا، كُلَّ صباح في النشيد الوطني على ألسنة الطلبة والطالبات، وهو موجود معنا في البروتوكولات الرسمية، وهو موجود معنا في انحناءات الوجد التي تفاجئنا، وفي صباحات العُشاق، عندما يسمعون: تصوّر لو الهوى ما كان، ولا كنا أنا وأنت يا عين أحباب، وفي يا قطر يا حبّ في عيون البشر، وفي دعوة الأمل، عندما نسمع: عندي أمل، طال الزمان وإلا قصر.


عبدالعزيز ناصر كان قدَرياً، وعلمتُ من بعض أقربائه، أنه رفض تلقّي العلاج، وقال للأطباء، الذين حاولوا أن يُجروا له عملية جراحية، لابد منها: “أنا خلقني الله في أحسن تقويم، فلماذا ترجعوني إليه وأنا غير ذلك.
الكلام يكثر عن عبدالعزيز ناصر، لكننا، كما عشنا معه، وتعّلمنا منه، واستفدنا من خصاله، لابدّ أن نشهد شهادة للتاريخ، دون منّة، بأن الرجل كان قطرياً نبيلاً، وكان عالِماً تقيّاً، ومُبدعاً أثيرياً، أحَبّ قطر، وأبدعَ للقطريين، ووضع اسمه بين النبلاء والمخلصين لهذه الأرض، وكان لديه مشروع فنّي، استطاع مع نخبة من الفنانين القطريين، أن يُحققه، في زمن، كان يَصعب فيه تحقيق المُنجزات الفنيّة.
وبعد أن أكملَ الفقيد مشروعه الفني، على مستوى الأغنية القطرية، في اتّجاهاتها المختلفة: الوطنية، التراثية، الرومانسية، اتّجهَ نحو الأعمال الإنسانية، مُضمِراً رؤية فلسفية وسياسية، حول الأوضاع في العالم العربي والإسلامي، فرَست (سفينة الأحزان) عند مآقيه، كما رفض طغيان الإنسان في ( قمعستان)، ولم ينسَ فقراء العالم، فأنتج (تصدّق)، و(صرخة إنسان)، وغيرها من الأغنيات التي اختلفت عن مساره الرومانسي، الذي أكملهُ باقتدار.
كما لم يفتهُ الالتفات إلى قضايا الإنسان العربي، فكانت (مرحباً يا عراق)، و(آه.. يا بيروت)، و(أحبّك يا قدس)، و(أولاد القدس)، و(مدينة الأحزان)، و(الإنسان والأرض)، و(شمس الحرية)، و( لا غالب إلا الحبّ).


موسيقى مُنوّعة، قدّمها الراحل، بصورة علميّة رشيقة، خالفت نمط الأغنية التقليدية، وطافت بالأذن، في فضاءات الخيال الرحبة، وعمّقت لدى الإنسان الشعور بالآخر، وقيمة الإنسان في إسعاد أخيه الإنسان. وقد وصلت شفافية الفقيد إلى الاهتمام بالقطط وتربيتها، حتى أننا لمَ دخلنا مجلسه، بعد رحيله، جاءت قطّة سمينة ودخلت المجلس، بصورةٍ فيها الكثير من الإحساس بالفقد، وعندما لمَسَت قدَميّ، عرفت بأنني لستُ المقصود، فذهبت وجلست تحت الكرسي الذي كان يجلس عليه الفقيد، لقد كان إحساساً واضحاً بمدى اهتمام عبدالعزيز بالآخر، ولو لم يكن إنساناً.

الموسيقار عبدالعزيز ناصر

عبدالعزيز ناصر، قامة فنية قطرية، رحلَ عن عالمنا بهدوئه المعهود، وإيمانه الكبير بقدر الله، رحلَ مُخلّفاً مئاتِ الألحان الشجية، ومئاتِ الرسائل، التي لم يُفلح كثيرون في تفسيرها.
نشهد شهادة للتاريخ بأن الرجل كان نبيلاً عالِماً تقيّاً ومُبدعاً أثيرياً
أحَبّ قطر وأبدعَ للقطريين ووضع اسمه بين النبلاء والمخلصين لهذه الأرض

المصدر: جريدة”الشرق” بتاريخ 24 يوليو 2019

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى