نازن بكير أوغلو: مصر عشقي الأول.. وابنتي اسمها ‘نيل’!

منير عتيبة
عندما حدثني الصديقان سليمان سيزر مدير مركز يونس أمرة للثقافة التركية بالقاهرة، ومصطفى ايدغدو مدير مركز يونس أمرة للثقافة التركية بالإسكندرية، عن كاتبة تركية تحب مصر حد العشق هى نازن بكير أوغلو، كنت أظنهما يبالغان، لكنني عندما التقيت بها في الإسكندرية رأيت كاتبة درست بعمق تاريخ مصر القديم وأحبته، كما لا تنسى رؤية مصر الحديثة ومتابعتها، ورأيت إنسانة تعشق النيل كفارس أحلام صبية في مقتبل العمر، وهي مستعدة لأن تترك كل شيء في الدنيا خلفها لتعيش باقي حياتها في مصر.
وكان حواري معها طوال الساعات التي قضتها بالإسكندرية عن مصر التي تستمتع بنطق اسمها، وتشعر بالنشوة وهي تتحدث عنها وعن نيلها العظيم، حتى أنها أسمت ابنتها “نيل”!
ولدت نازن بكير أوغلو في 3 مايو/آيار 1957 بطرابزون. وبعد أن أتمت تعليمها الابتدائي والثانوي بنفس المدينة أنهت تعليمها بقسم اللغة التركية وآدابها بكلية الآداب جامعة أتاتورك 1979. حصلت على الدكتوراه عام 1987 في موضوع التحليل الفني لروايات “خالدة أديب اديفار”.
كانت نازان بكير أوغلو صغرى أخوات ثلاث في أسرة عريقة وثرية، وهو ما وضح في أشعارها وحكاياتها حيث تتحدث عن مقابض الخزائن الصينية، مقابض الأبواب البلورية، الهواء الساحر الآتي من النوافذ ذات الزجاج الملون، زهور فيل بهار المتفتحة بجانب الباب، فرع التين البري المتفرع من الحوائط الحجرية، شمس وقت العصر التي تقع على وسط السجادة الكبيرة، أصوات الأمواج التي تصل إلى السرير ليلا، وصرخات طائر النورس التي تختلط مع هذه الأصوات.
كان والدها يمتلك جريدة محلية تدعى (هدف)، وكان شغوفا بالتاريخ وخاصة التاريخ العثماني، وله تجارب روايات وأشعار كثيرة غير مطبوعة، وقد تعلمت بكير أوغلو من والدها (الشعور بالجمال). وكان تغير المستوى الاقتصادي الذي عاشته أسرتها بعد وفاة أبيها، وهي في سن الرابعة عشرة سببا في أن ترى جانبا آخر من جوانب الحياة غير الحياة المترفة التي عاشتها، وهو ما أثر أيضا في تجربتها الحياتية والإبداعية، من كتبها المنشورة: حكايات نون، الشاعرة نيجار هانم، خالدة أديب اديفار، الحبر الارجوانى، يوسف وزليخة، توليب الزرقاء، باب الجملة، نهر الزجاج وسفينة الحجر، مقطع بلا نهاية. منهم عملان عن مصر.
* تأثر مصر عليّ مثل حالة جذب لا توصف
* لماذا كتبت أكثر من عمل أدبي عن مصر بالذات؟
ـ الحمد لله الذي خلق نهر النيل! الحمد لله الذي أوجد مصر وأهلها الشرفاء! لدي كتابان بخصوص مصر. أحدهما بعنوان يوسف وزُليخة، والآخر بعنون نهر الزجاج والسفينة الحجرية. ولكن فلأتحدث في البداية عن تأثير مصر عليّ. لأن لولا هذا التأثير، ما كتبتُ هذين الكتابين.
جئتُ مرتين من قبل إلى مصر. أنا في الأصل مولعة بمصر منذ شبابي وكنت أقرأ كل ما يقع بيدي بخصوصها. باختصار وقعت تحت تأثير مصر الساحر هذا دون رؤيتها. حالة رائعة، وإحساس جذب لا يمكنني أن أسميه بشيء. زيارتي الأولى لمصر كانت في عام 2006 من أجل المشاركة في معرض القاهرة للكتاب. كنت مدعوّه من طرف دار نشر (تيماش) التي تطبع كتبي. بعد انتهاء المعرض تركت المجموعة وذهبت إلى الأقصر بالقطار بمفردي. لأنني في الحقيقة كنت أود رؤية نهر النيل. فالنيل الذي رأيته في القاهرة لم يمنحنى إحساس نهر النيل الحقيقي. فقد كان محاطا بالأبنية العالية، ولم يكن بصورته الزرقاء التي كانت في مخيلتى.
وصلت إلى الأقصر صباحاً. واستقريت في فندق ونتر بالاس الذي كتبت عنه أجاثا كريستي “الموت في النيل”. عند دخولي الغرفة كانت الأنوار منطفئة ويعم الظلام في داخلها. عندما أضأتُ الأنوار ورأيتُ النيل للمرة الأولى أمامي شعرت بشيء لن أستطيع نسيانه طوال عمري. شديد الزُرقة، ساحر، مشهد جنة لا توجد في هذا العالم. اللحظات التي سعدت فيها سعادة بهذا القدر في عمرى قليلة. وأيقنت أنني أعرف نهر النيل منذ الأزل.
زيارتي الثانية كانت قبل أربع سنوات، كنت بصحبة أطفالي وجئنا للسياحة. كنا سنذهب من الأقصر إلى أسوان بسفينة في النيل. لا أنسى أبداً، وصلت السفينة إلى ميناء الأقصر. في تلك الأثناء كنا نتناول وجبة الغداء. شعرت أن السفينة تتحرك. لا يمكنني أن أنسى تلك اللحظة طوال عمري. تركت نصف الطعام وأسرعت إلى مقدمة السفية. ولم أُبرح مكانى مرة أخرى. لم أكن أريد أن أضيع لحظة واحدة من الرحلة النيلية هذه.
توقفنا كثيراً طوال الرحلة. لفتت انتباهي الناحية الغربية لنهر النيل والتي تعود إلى الأموات، أكثر من الناحية الشرقية التي تعود إلى الأحياء. وفي وادى الملوك، ذهبت إلى قبر (توت عنخ آمون) الفرعون الوحيد الذى يرقد في قبره دون أن أُعير اهتماما بالأحاديث عن اللعنة. عندما كنت أجوب معبد أدفو والكرنك ومعابد الأقصر انتابني شعور أعمق بكثير من المشاعر السطحية للسائح. سرت من الطرق المحاطة بتماثيل أبو الهول ومررتُ من بوابات ضخمة. دخلت إلى (هيبو ستيل) الموجود بعد الفناء المفتوح الذي يعد آخر مكان كان يستطع الناس الدخول إليه في هذا الوقت. هذا المكان كان الملوك والرهبان والشخصيات المهمة هم فقط من يدخلون إليه أثناء المراسم.
فكرت أن (معجزة آمون) حدثت هنا. بالتقدم إلى الأمام باتت تلك الأماكن المغلقة المظلمة التي كان الدخول إليها ممنوعا في تلك الأوقات، ماثلة أمام عيني. حيث كانت تماثيل الآلهة، والكنوز المقدسة تُخبأ هناك، ولا يدخل إلى هذا المكان سوى الرهبان ذوي المناصب العالية، وكانت مراحل البدء والتعاليم تتم هنا. أما الآن تهب الرياح مكان كل هذا.
* تمنيت الفيضان ورؤية تماسيح النيل!
* هل كانت هذه التجارب كافية بالنسبة لك لتعمقي علاقتك بمصر وتاريخها ونيلها؟
ـ هذه التجارب تركت بداخلي آثارا عميقة، إلا أن ما رأيته لم يكفني. أردتُ ما لم أره. أردت أن أكون شاهدة على أحد فيضانات النيل التي تحل بالبركة أو الكارثة. عندما يتوقف التدفق مع الشمس التي تشرق في الأفق، ونجمة السيريوس التي تتلألأ في السماء في شفق ليلة 18 و 19 من شهر يونيو كل عام، أردت أن أسمع أولى موجات النيل التي تفيض على الأراضى القاحلة، وأن أشاهد هذه الظاهرة الخارقة للعادة. حتى أنني أردتُ رؤية تماسيح نهر النيل. ولكن لم يعد هناك تماسيح. أصبحوا تاريخا، ولكنني لم أستطع نزعهم من مخيلتي.
* نهر الزجاج والسفينة الحجرية
* حاولتِ أن تدخلي في عمق فكرة التوحيد من خلال قصتين في كتابك “نهر الزجاج والسفينة الحجرية”، فما هي الأفكار التي كانت تراودك أثناء كتابة هاتين القصتين؟
ـ نهر الزجاج والسفينة الحجرية، هو كتاب يحتوى على ست حكايات. اثنتان من هذه الحكايات خصصت لها 60 صفحة وهما (فرع الوردة الزرقاء- نهر الزجاج والسفينة الحجرية)، من الممكن أن يفكر أحدهم أن هاتين الحكايتين المرتبطتبن ببعضها البعض، حكاية واحدة. أحداث كل منهما تدور في مصر القديمة (الأثرية).
فكرة هذه الحكاية أرقتني طوال الرحلة النيلية التي تحدثت عنها. كلما رأيت الكتابات الهيروغليفية، والنقوشات، والمنحوتات على الجدران الضخمة والأعمدة، وتلك التماثيل العظيمة، والملوك والملكات، أعتقدُ أنها حجر. فقد علمتني مصر أن أفكر في الحجر. الحجر أصيل ويمكن الوثوق به. رائع وهادئ وبسيط. صبور ولكنه وقور. الحجر هو الموضوع الذى يقترب حد الخلود (اللا نهاية). لأنه باق. بقيت أنا منبهرة بشدة تجاه هذا البقاء. ولكنني علمت أنه حتى الأحجار التي تقترب حد اللا نهاية محدودة. كل شيء على وجه الأرض مؤقت ومحدود، حتى الحجر. هذه الحقيقة الإلهية، حقيقة مطلقة.
هذه المرة بدأت أفكر فيما هو المطلق عبر آلاف السنين؟ مصر كانت هي الأرض التي مر عليها الأنبياء وهناك آثار لا تتغير تعود إلى الحقيقة المطلقة عبر آلاف السنين هذه. وجدت إجابة ذاك السؤال عند الفرعون (آمنحتوب الرابع – إخناتون). كان (إخناتون) يشبه بطل الرواية. بالإضافة إلى أنه كان يُخبّر عن الحقيقة المطلقة. كان يقول فى إحدى إلهياته: “أيها الإله الواحد، لا يوجد إله سواك، وجد طريقاً باسمك وتدفق في قلب هذا الحاكم.” هذا الفرعون الغامض دافع عن عقيدة الإله الواحد وسط الاعتقاد السائد بتعدد الآلهه. منع عبادة الآلهه القديمة وغير اسمه إلى (إخناتون) ونقل العاصمة من طيبة إلى تل العمارنة. وكانت هذه مدينة جديدة ليس لها أي تقاليد. إلا أن إخناتون دفع ثمناً باهظاً من أجل هذا. لأنه بات مجبراً على الدخول في صراع مع “دين الأجداد”، ومع طبقة الرهبان التي لها قدرة عظيمة.
ومن بعد رُفض دين التوحيد بشدة، وتم الرجوع إلى دين الآباء من جديد وإلى الآلهة والاعتقادات القديمة. تم تدمير المدينة والقصور والمعابد التي أسسها. ولم يدفن في المقبرة التي أعدها لنفسه. اختفى اسمه من الكتابات كما أن مومياءه لم يتم العثور عليها. حيث إن محو اسمه يعتبر محوا لوجوده. مُسح اسم إخناتون من تاريخ المصريين الذين يحبون الكتابة. ولكن كما قال أحد الباحثين بالغرب: “إخناتون هو أكثر الحكام استهلاكاً للحبر.” فحتى لو تم محو اسمه فهو يعد واحداً من أكثر ملوك الفراعنة لفتاً للانتباه لمن يضع الحقيقة في عين اعتباره”.
الهدف الأصلى من حكايتي هو إظهار شعاع عقيدة التوحيد وسط ثقافة الشرك والوثنية.
* نحات الآلهة وعقيدة التوحيد
* هل كانت الحكاية تركز على الملوك والملكات فقط؟
ـ بينما كنت أكتب حكايتي لفت نظري عامة الشعب بقدر الملوك والملكات. وجدت بطلا آخر لحكايتي وسط بقايا قرية العمال الموجودة بجوار وادي الملوك. نحات يعيش في تلك القرية. انتابني الفضول عن الألم الذي يشعر به نحات ينحت تماثيل الآلهه في عالم متعدد الآلهه. وبحثت أيضاً بداخله عند عقيدة التوحيد.
وعن طريق النحات وجدت إمكانية إثارة موقفين محددين من الجدل الذي يدور حول الفن في مصر القديمة. وهكذا حاولت بث الروح في تلك الفترة وإحيائها بدلاً من إعطاء معلومات مكثفة عنها.
هذان الموقفان هما التقليدي والحقيقي (الواقعي). الحقيقة في تماثيل مصر التقليدية ونقوشاتها تبدو مثالية، وتبدو كما يُراد لها، وليس كما هي عليه. وعلى هذه الحال تكرر نفس الوجه الجميل والموقف الإيجابي المشترك. لاحظت هذا وأنا مندهشة بينما كنت أجوب مصر الفرعونية. فراعنة مصر أدركوا أن الحجر هو الشيء الباقي وأرادوا أن يتركوا أثراً لأنفسهم بشكل مثالي على الأحجار من أجل المستقبل. الشيء الذي رأيته على وجوههم لا يشبه أبداً الشيء الذي رأيته على وجوه الموميايات الموجودة في متحف القاهرة.
البطلة الثالثة لحكايتي بعد الحاكم والنحات هي الملكة. ملكة مصر التاريخية هي نفرتيتى. وفي تمثال الملكة نفرتيتى الشهير تتجلى واقعية تل العمارنة بجمال. لأن نفرتيتى جميلة بقدر لا يجعلها بحاجة إلى أي (تعديل بسيط).
هذا التمثال الذي تم العثور عليه في أتيليه تحتمس أثناء عمليات الحفر التي قام بها الألمان في تل العمارنة في عام 1912، يُعرض حالياً في معرض برلين، ويعد هذا فخرا لبرلين. الملكة الموجودة في حكايتى تحمل سمات من ملكات فى حكايات أخرى. مثلاً واحدة من هؤلاء ابنة (هاتتوشيلى) التي أُرسلت إلى رمسيس كعروس. هذه الفتاة التي اعتادت على الإقليم المعتدل في الأناضول لم تستطع الاعتياد على صحراء مصر الحارة، ويقال إنها عانت كثيراً. هناك دعاء سيىء في اللغة التركية يقول: “كونى زوجة لفرعون” ولا أعرف إذا ما كان موجودا في اللغة العربية؟ أم هو انتقل من العربية إلى التركية؟
أرجفني ما عاشته هذه الفتاة وأثارني كروائية، وشاركت هذه الفتاة في شخصية الملكة التى تناولتها. ذكرت أن كما وجدت الملكة الحب في دولتها الجديدة، فهي أحضرت شيئاً آخر مع شتلات الورد الزقاء إلى الدولة: ألا وهو عقيدة التوحيد. تعلم زوجها فرعون الحقيقة المطلقة من امرأة. وهكذا بينما تروى الحكاية صراع فرعون مع دين أجداده، يدخل النحات وفكرته عن التوحيد داخل العمل، هذا من جانب. ومن الجانب الآخر يشكل الحب البائس الذي لمسه النحات في الملكة بُعداً مختلفاً.
* كان تعمدا منك عدم وضع اسم لأبطال قصتك، وكانت تشغلك أيضا فكرة الفارق بين الواقع والمثال في الفكر والفن المصري القديم؟
ـ في هذه الحكاية لا يوجد اسم خاص لأي بطل. فقط يذكرون بالألقاب والصفات مثل: النحات، الملك، الملكة، صانع الزجاج، القائد. ولهذا فإنني فضلت أن أعطيهم مساحة واسعة بدلاً من أن أظهرهم واحد واحدا وأحصرهم في نطاق محدد من الزمان والمكان. وبهذه الحال جعلت الأبطال يستطيعون الظهور أمامنا في كل وقت وكل مكان. لأن الأبطال والأحداث الواضح زمانها ومكانها تشير إلى زمان واحد، ولكن عندما تكون غير واضحة فهي تشير إلى كل زمان. وما أردته هو أن يكون الحدث مشترك في كل زمان وفي كل وقت.
من ناحية أخرى كثيراً ما تساءلت لماذا أبحث عن الحقيقة في الماضى بهذا الحد؟ وهذه هي الإجابة. عندما يلاحظ الإنسان الحقيقة لمرة واحدة يشعر برغبة في العودة إلى الماضي حتى يستطيع العثور عليها.
أنا أيضاً عندما لاحظت الحقيقة مرة واحدة شعرت برغبة في الذهاب إلى أقدم الأماكن لأتمكن من العثور عليها في التسجيلات التاريخية. أين تجلت الحقيقة المطلقة؟ أين تجمعت الأشياء التي ارتفعت؟ كان هذا ما أريد فعله.
صدر كتاب “نهر الزجاج والسفينة الحجرية” في تركيا بنقوشات مصرية على غلافه. في الأصل أتى اسم الكتاب من الثقافة المصرية. أثناء قراءتى في المصريات صادفت رسمة تظهر إلاهة أثناء جولتها بالسفينة الحجرية. للأسف وقتها لم أدون ملاحظة، ولا أتذكر أين رأيتها. ولكنني أرجو إذا كان بينكم أحد يتذكر هذه الصورة أن يقول لي. لأن هذا الاسم يعني لي الكثير.
إذا جعلنا سفينة حجرية تسبح فوق نهر من الزجاج فالنتيجة الطبيعية هي كسر الزجاج. ولكن هذا لا يحدث في كل وقت. وأحياناً تنزف السفينة الحجرية بجراح لا تبدو. فلا الزجاج ولا الحجر يستطع أن ينجو من هذه المغامرة دون بلاء أو جرح. والنتيجة هي أن السفينة الحجرية لا تسبح فوق نهر الزجاج. لكن لو قواعد الحياة جعلت هذا مستحيلاً، ممكن أن يتحقق بصورة كاملة. عندما عثر النحات على حب الإله الواحد بدأ يبحر بهدوء بالسفينة الحجرية فوق نهر الزجاج.
أعترف أنه إذا كانت تشغلنى صورة فرعون الذي يعتبره التاريخ رمز الظلم، فكثيراً ما تأثرت بالهدوء الموجود على وجوه التماثيل التي تحدثت عنها، والابتسامة الغامضة البريئة الرحيمة. ضحكت على مكر الحاكم الذي نقش نفسه على بوابات معبد الكرنك على أنه الفائز في الحرب التى غُلب فيها. ولكنني أيضا وسط الآلاف منهمً أخذت في عين الاعتبار ملوك الفراعنة الأخيار الذين كانوا يفكرون في شعبهم.
وبالوصول إلى طراز مدينة تل العمارنة، بعد التحديثات التي حققها إخناتون في الدين وصل طراز مختلف تماماً في العاصمة الجديدة (تل العمارنة). طراز تل العمارنة، يقدم نمطا جديدا في الفن يوازي نمط هذه الحياة الجديدة. يعد هذا أسلوبا واقعياً، ضد الفن المصري التقليدي الذي كرر على مر العصور الوجوه والأجسام المثالية، رافضاً التمييز. تحقق الأسلوب الواقعي بقدر ما أظهر إخناتون القصور البدني في النقوشات والتماثيل.
* حكاية يوسف وزليخة وإخناتون!
* حكاية يوسف وزليخة من الحكايات المؤسسة في الأدب في مصر وتركيا وكثير من البلاد الإسلامية، علاوة على ذكرها في القرآن الكريم ذاته، فكيف كان مدخلك إلى هذه الحكاية؟
ـ كتبت حكاية يوسف وزليخة في عام 2000. كُتبت مثنويات يوسف وزليخة طوال العصور في الأدب العثماني الكلاسيكي. وهذا أعطاني الشجاعة. فقد وجدت الشجاعة واللغة التي تمكنني من قص حكاية يوسف وزليخة بصورة أدبية. تم تقييم الكتاب على أنه بحث جديد تجمع لغته بين الشعر والنثر وأنه يشبه المثنوي الذي يعد نوعا كلاسيكيا أكثر من الرواية. ومع أن العمل حديث فقد تم تقييمه على أنه أصلي ومؤثر ويحول تأثير التقاليد وفقاً للاحتياجات الأدبية لهذا اليوم.
الكتاب عرفّ طبقة عريضة من القرّاء بي. وباستثناء اللغة والشكل في هذا الكتاب هناك أشياء لافتة للنظر من حيث المحتوى. أحدهم على سبيل المثال شخصية (الفرعون الطيب). كان يوجد هناك فرعون مؤمن. توضيح هذا كالتالي: نعرف من قصص القرآن أن الفرعون الذي خاطب سيدنا يوسف، كان يعرف قيمته، وأودعه في مقام يليق به. أو بقول آخر هو فرعون لم ينكر الحقيقة التي تشير أنه نبي. وهذا يوضح شخصية غير صورة الفرعون المعروفة عموماً. توحدت بداخلى شخصية إخناتون وفرعون سيدنا يوسف. فما استطعت ألا أفكر أن هذا الفرعون هو نفسه إخناتون. فهل مر نبي يدعو إلى الحقيقة من قصر إخناتون؟!
قال بعض أصدقائي من علماء الدين أن إخناتون يمكن أن يكون أحد الـ 124 نبيا الذين ذُكروا في الحديث. لا نستطيع أن نقول إنه نبي لأن اسمه لم يرد في القرآن الكريم، ولكن هناك أسماء لا مانع في إشارتنا إليها على أنهم أنبياء؟ فهل يمكن أن يكون إخناتون أحد هؤلاء؟ الله أعلم!
• النيل نهر الجنة
• لنهر النيل مكانة مهمة في أدبك وحياتك حتى أنك أسميت ابنتك “نيل”؟
ـ يحتل نهر النيل في كتاب يوسف وزليخة مكانة مهمة أيضا. فهو (أم الأنهار) ويعتقد أنه خرج من الجنة. وحياة مصر ترتبط به. إذا كان يحمل الحياة فهو أيضاً يحضر الموت. هناك قصائد قيلت للنيل، قيلت قصائد على لسان النيل. يعني في كتاب يوسف وزليخة بينما يحدث وينتهى كل شىء يُسمع صوت النيل. عندما كتبت حكاية يوسف وزليخة لم أكن رأيت مصر بعد. ولكنني عندما رأيتها أدركت أن النيل الذي أردت أن أكتب عنه هو هذا النيل.
* أم كلثوم
* أنت من عشاق أم كلثوم أيضا؟
ـ لدي عدة كتابات عن مصر تُنشر في عمودي بجريدة “زمان”. أحدها عن أم كلثوم. دائماً ما أحببت أم كلثوم، واستمعت إليها كثيراً. كلما استمعت إلى صوتها، إلى هذه النبرة الرائعة التي لا يوجد مثلها في هذه الدنيا لا لذكر ولا لأنثى، هذه النغمات التي تتعالى من قرى دلتا النيل حتى القصور، هذه الصرخة الآتية من الصحراء، أغلق عيني وأجد نفسي داخل مركب في نهر النيل.
* مصر منبع ومصب كل الأنهار
* كيف تصفين تأثير مصر عليك كاتبة وإنسانة؟
ـ تأثير مصر علي شديد الوضوح. أحببت مصر دائماً. وإذا كان يجب على أن أعيش في دولة غير تركيا، لأردت أن تكون هذه الدولة مصر. فضلت قول خوفو، خفرع، منقرع بدلاً من (كيوبص، كفران، ميكارينوس). فكرت ملياً هل هذا الاهتمام يعد استشراقا أم لا. ولكن ولعي بمصر جاء على أنه حب للفن أكثر من كونه اقتراب للاستشراق.
لأن لو مصر واحدة لم تكن موجودة، فهناك مصر أخرى، وأنا لاحظتهم جميعاً. مصر الفرعونية، مصر الإسلامية، مصر المسيحية، مصر القبطية، مصر الغنية، مصر الفكرية، مصر الفقيرة، مصر المظلومة. لاحظتهم جميعاً وحاولت الإمساك بعرق الحقيقة التي تجمعهم ولا تفرقهم.
بحثت عن ذلك العرق في أقدم العصور التي يمكن أن يُرى فيها. لاحظت أيضاً أن المصري متعلم جيداً على دراية بتاريخ بلده وثقافتها. وهذا جعلني متأكدة من قدرتكم على التجاوز. حيث حاولت متابعة التطورات التي حدثت في الآونة الأخيرة في بلدكم، بدقة. ووثقت في عقول مصر المثقفة. ودعوت الله ليفتح خير الأبواب لشعب هذا البلد الجميل، هذا الشعب الصبور المفعم بالحب.
والنتيجة أننا بصدد التحدث عن دولة تحيطني ككاتبة بتأثير ليس بقليل. إننى أربط سبب هذه الرجفة القوية بكون مصر هي وطن الحكمة القديمة العالمية. لأن مصر منطقة جغرافية مر عليها أنبياء. وهذا يرد على أبحاثي. فاشتياقي يهدأ من ناحية ويزيد من ناحية. في رأيي لكي يمكن رؤية كل الأنهار تخرج من نبع واحد، وتصب في نفس البحر المُحمدي، لا يوجد مكان أنسب من مصر. أعلم أن هناك معرفة بيني وبين النيل منذ الأزل، ولو قُسم لي نهر في الجنة فأريد أن يكون هذا النهر هو نهر النيل.
(ميدل ايست اونلاين)