هل تحتاح غزة إلى الشِّعر؟

أحمد عايد

 فكَّرتُ -وأنا أتابع ما يُتابعه جميع البشر- ما الذي تحتاجُهُ غزَّة الآن؟ طبعًا تحتاج كل المعونات الغذائية والصحية والحياتية؛ لتستمر الحياة. وتساءلت -فيما أتساءل وبوصفي شاعرًا- هل تحتاج إلى الشِّعر؟

وهو سؤالٌ مُلحٌّ؛ لأنَّ إجابته تعكس القيمة الحقيقية للشِّعر في حياة الإنسان.. فلو أمكننا التخلِّي عن الشِّعر في ظرفٍ قاسٍ كهذا، لكان الشِّعرُ ترفًا ورفاهيةً.

الحقيقة أنَّ مهمة الشِّعر هي تربية الشُّعور والحفاظ على المشاعر الإنسانيَّة، وتناقلها وتهذيبها عبر وسيط اللُّغة الشِّعرية الرَّهيفة.

جاء في وصيَّةِ عبد الملك بن مروان الخليفة الأمويِّ الخامس الـمُؤسِّس الثَّاني للدَّولة الأُمويَّة، التي أرسلها لمؤدِّب أولاده: “ورَوِّهم الشِّعر؛ يشجُعُوا”. ومن هذه الوصيَّةِ ندرك أن من مهمَّاتِ الشِّعر أن يوقظ الشَّجاعة في النُّفوس. ولو نظرنا للشِّعر وقتها وقبلها حتَّى بداياته الجاهليَّةِ، لوجدنا قصائدَ كثيرةً جدًّا تتحدَّث عن الشَّجاعة وتصف الحرب، وتتغنَّى بالفروسيَّة والإقدام، ونستطيع أن نعدَّ مدوَّنةً مهولة الحجم من الشِّعر الحربي -إن جاز التعبير بهذا- عن هذا المحتوى.

ويحكِ.. لن تُراعي

وقف الشَّاعر قطري بن الفُجاءة في إحدى المعارك، لكنَّ نفسَه البشريةَ حدَّثته أن يفرَّ، ما الذي يدور في ذهنه ليُلقي نفسه في الموت، فلربَّما تأتي ضربةٌ تُفقده حياتَهُ في لحظةٍ، لكنَّه لا يترك نفسه تسترسل في هذه الخواطر، بل يُلجم نفسَهُ كما يُلجم فرسَهُ، ويقول لها في أبياتٍ ستُخلَّدُ عبر الزَّمان إلى وقتنا هذا:

أَقولُ لَها -وَقَد طارَت شَعاعًا-: * مِنَ الأَبطالِ وَيحَكَ لَن تُراعي

فَإِنَّكِ لَو سَأَلتِ بَقاءَ يَومٍ * عَلى الأَجَلِ الَّذي لَكِ لَم تُطاعي

فَصَبرًا في مَجالِ الـمَوتِ صَبرًا * فَما نَيلُ الخُلودِ بِمُستَطاعِ

وَلا ثَوبُ البَقاءِ بِثَوبِ عِزٍّ * فَيُطوى عَن أَخي الخَنعِ اليُراعُ

سَبيلُ الـمَوتِ غايَةُ كُلِّ حَيٍّ * فَداعِيَهُ لِأَهلِ الأَرضِ داعي

وَمَن لا يُعتَبَط يَسأَم وَيَهرَم * وَتُسلِمهُ الـمَنونُ إِلى اِنقِطاعِ

وَما لِلمَرءِ خَيرٌ في حَياةٍ * إِذا ما عُدَّ مِن سَقَطِ الـمَتاعِ

وهي أبياتٌ ما إن تقرأها، حتَّى تشعر بالدَّم يغلي في عروقك، وعلى الرُّغم من هذا فهي مليئةٌ بالفلسفة والزُّهد والعزَّة.

لم أحفل متى قام عُوَّدي

قبل الإسلام يولد طَرَفة بن العبد، وينشأ يتيمًا، فيتولاه أعمامه، لكن سرعان ما يدركه ظُلمهم، فيتمرَّد عليهم، ويُطلقُ في معلَّقته الشَّهيرة قولته الخالدة: “وظلمُ ذوي القُربى أشدُّ مضاضةً * على المرء من وقع الحُسام الـمُهنَّدِ)، وعلى الرُّغم من حياته القصيرة التي لا تتجاوز ثلاثين سنةً، إلَّا أنَّ معلَّقته تُعد من أفخر الشِّعر، ولعلَّ أهمَّ ما في هذه القصيدة هذه الأبيات:

أَلا أَيُّهَذا الزَّاجري أَحضَرُ الوَغى * وَأَن أَشهَدَ اللَّذَّاتِ، هَل أَنتَ مُخلِدي؟!

فَإِن كُنتَ لا تَسطِيعُ دَفعَ مَنيَّتي * فَدَعني أُبادِرها بِما مَلَكَت يَدي

أن تكون شاعرًا في غزَّة

تقول هند جودة [شاعرةٌ فلسطينيةٌ من مواليد غزَّة 1983] في قصيدةٍ نشرتها على فيسبوك بتاريخ 30 أكتوبر:

“ماذا يعني أن تكون شاعرًا في زمن الحرب؟

هذا يعني أن تعتذر،

أن تُكثر مِنَ الاعتذار،

للأشجار المحترقة،

للعصافير التي بلا أعشاشٍ،

للبيوت المسحوقة،

لشقوقٍ طويلةٍ في خاصرة الشَّوارع،

للأطفال الشَّاحبين قبل الموت وبعده،

ولوجهِ كُلِّ أُمٍّ حزينةٍ،

 أو مقتولةٍ!”.

وتمضي هند كشاعرةٍ تعيش ويلات الحرب، وتتأمَّل وجه الحياة، وتستبطن ألم الإنسان في هول الحرب.

حالة حصار درويش

في عام 2002 تعرضت رام الله لحصارٍ رهيبٍ، وكان محمود درويش -شاعر فلسطين الأشهر والأهم- موجودًا هناك بعد منعٍ طويلٍ له من زيارة فلسطين. وسرعان ما اكتشف أن الشَّيءَ الوحيدَ الذي يُساعده لفكِّ الحصار هو الشِّعر، وكان يكتب قصاصاتٍ صغيرةً يُخبِّئُها كيفما اتفق، وفي النِّهاية بعد مرور شهرٍ كان لديه ديوان كامل، عبارة عن قصائد قصيرة جدًّا، تعرض لشكل الحياة في رام الله تحت الحصار، يقول درويش فيه:

“سيمتدُّ هذا الحصارُ

إلى أن نُعلِّمَ أعداءَنا

نماذجَ من شِعرنا الجاهلي”.

الشِّعر حاضرٌ في حصار غزَّة، وبمتابعة أهل غزَّة على مواقع التواصل، نرصد استجابتهم لنصيحة دوريش.

**المصدر: مجلة الجسرة الثقافية. العدد: 63

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى