«هواء المنسيين» لغادة نبيل … فضاء للشعر والأسئلة

الجسرة الثقافية الالكترونية
*يسرى عبد الله
هل ثمّة هواء يخصّ المنسيين فلا يتجاوزهم، بينما يتخطى غيرهم؟ سؤال مركزي ينفتح عليه ديوان الشاعرة المصرية غادة نبيل «هواء المنسيين»، (دار شرقيات)، وعبر تصدير بالغ الدلالة يلوح المنسيون منذ البداية، فيشكلون مساحة وسيعة من فضاء النص/ فضاء العالم. هم يمثلون حيناً «شاندن»؛ الطفل الهندوسي الذي لا يعرفه أحد، والذي تحول في ما بعد إلى عبد الرزاق فضل الله، أو تحيل عليهم علبة البودرة الخاصة بالجدة الراحلة، أو تومىء إليهم أيضاً خطابات الأب الراحل إلى الأم… وفي كل ذلك، كان لزاماً – وفق النص – على الذات الشاعرة وعلى جملة المنسيين معها أن تدرك أنّ الحياة لا تأتي مرة ثانية، وفق مثل كشميري تثبته الشاعرة غادة نبيل في هوامشها، تلك الهوامش التي تعد جزءاً مركزياً من الرؤية الكلية للديوان.
يتشكل الديوان من عشر قصائد، تبدأ بـ «الرجاء»، و»الأمنية»، وتنتهي بـ «محاولات متكرّرة لكتابة قصيدة صادقة». من البعيد إذن تبدأ غادة نبيل، من الرجاء والأمنية، من «وردة طاغور»، التي تعد إحدى القصائد المركزية في الديوان، والتي تنحو صوب استجلاء التجربة الإنسانية لشاعر فارِق وعابر للأيديولوجيا، وواصل ما بين ثقافات مختلفة. فمن «رابندرا طاغور»، ووردته المنسية، وعوالمه المسكوت عنها، تبدأ الشاعرة نصها، من البحث في حياته، ورصد الهامشي داخلها، فتلوح «مايتري ديفي»، الشاعرة الهندية التي أقام لديها طاغور، وتحوّل بيتها إلى متحف له بعد وفاته، كما تلوح فيكتوريا أوكامبو؛ الأرجنتينية التي استضافت طاغور في الفيلا التي تملكها حين مرض، وتتشابك الصلات وتتعقد، وتصبح استعادة طاغور في النص استعادة لقيم جمالية، وإنسانية بالأساس: «شاءت قصيدتان/ لشاعر هندي/ ولشاعرة مصرية/ تمدد بينهما الزمن/ أن تتكرر/ التيمة/ فلولا صُدف الرحلات المدرسية/ ما اكتشفت/ آخر مقر إقامة/ داسه البنغالي/ ولا اعترفت كيف يطلع/ شلال وجهه/ ليعذبها» (ص 16).
تبدو قصيدة «رجل الهيمالايا» بنتاً للمشاهدات الحياتية، لتلك الخبرة المباشرة، والاستجلاء المؤسّس على عوالم تخييلية في الأساس، وهل ثمة وسط بيئي أكثر خصوبة مما اختارته الشاعرة لتتحرك داخله نصوصها، وأعني المجتمع الهندي بتعدده وتنوعه وغناه الإنساني والحضاري، حيث الأساطير والخرافات أيضاً، والعوالم العجائبية، والنفس الفانتازي؟… إنها المكونات الأساسية لتخييل حقيقي، توظّفه الشاعرة هنا فتخلق منه عالمها الخاص، منطلقة من عوالم متعينة إلى فضاءات رحبة ومتخيّلة.
من عامل الفندق «تشرينج شيربار» الذي تسكنه الذات الشاعرة، وعبر زمن استعادي تروح فيه إلى جد العامل «شيربار الأكبر»، وما بين الزمنين «الماضي والحاضر» تتشكل مساحات إنسانية ضافية من الحال المتكئ في – جله – على الأسطورة، وعلى تحدي الواقع ذاته، هذا الواقع القديم المسكون بثنائية «المستعمِر والمستعمَر». فالتاج البريطاني يهيمن على الفضاء الهندي كلّه، بينما ترقد الذات الشاعرة في الفندق، وتُفعّل آليات الذاكرة لنصبح أمام «ماكدونالد»؛ الضابط الإنكليزي، الذي تحوّل بيته إلى الفندق المحكي عنه شعرياً، أو محل الفعل الشعري، والأمير «بطرس» اليوناني؛ دارس العلوم التبتية، والمطارد من السلطة السياسية «الدلاي لاما»: «محاطاً/ بمزارعي البامبو/ يرشف الشاي/ من شرفة تطل على ثالث أعلى قمم العالم/ لا بد أن ينجز الكتاب/ أما الأمير المتمرد/ الذي يغلبه في البوكر/ ففي المرة القادمة/ سيخبره/ أن كل الغرف محجوزة» (ص38،39).
وما بين الارتحالات الزمانية، والتوظيف الدال لآليتي الاسترجاع والاستباق، تؤسس قصيدة غادة نبيل لمنطقها الخاص، ونصبح أمام أشخاص متعينين يساهمون في إضفاء المزيد من واقعية الحدث الشعري. ثمة عالم غرائبي بامتياز في قصيدة «أرض الرعود»، عجائبيته جزء من تكوينه الثقافي، الأسطورة فيه أساس، وأداة لرؤية العالم، عن مصائر مجهولة إذن، وعبر استشراف لأفق سديمي أيضاً تطرح الذات الشاعرة أسئلتها الوجودية، والتي لا تفارقها أبداً: «كم واحدة من التلميذات ستموت مبكراً؟/ من ستصبح سعيدة في الحب؟/ من ستكون عاقراً». أولئك البنات اللاتي ظهرن في مفتتح القصيدة، ومستهلها الشعري في صورة بديعة، لا تخلو من عناصر بصرية ضافية: «التلميذات/ في حصة التربية البدنية/ يحممهن المطر/ محاطات بيمام الهيمالايا/ لا يفكرن/ إلا بأرض الملعب/ التي صارت كالبحيرة/ هو شبح الزمان/ يمر على زائرين/ أرهقهم الهجران» (ص 41).
وتحيل أرض الرعود إلى ذلك المطر المتساقط على الهيمالايا، إلى تلك الأسطورة التي لم تزل تزلزل كيانات بشر ينتظرون بشغف ذلك البوذي الأخير، أو يركعون عند قدمي الدلاي لاما، المطارد سياسياً.
في «السمرقندي»، ثمة إحالة على أجواء تحمل وشيجة ما مع المتلقي العربي. وكان من الممكن لهذا النص أن ينفتح على أفق أكثر ثراء لو لعبت الشاعرة على المكان ذاته، بوصفه ممثلاً حقيقياً لأحد التماسات بين الثقافات المختلفة.
تعد «أغنية الميلاد» من أكثر النصوص جمالية في الديوان، تحوي بداخلها أصواتاً مختلفة، وتوجه فيها الذات الشاعرة خطابها إلى مروي عنه محدد، ونصبح أيضاً أمام خطاب شعري منفتح على فنون أخرى «الموسيقى أهمها»، وابن لقيم التجاور والتنوع، تتجاور فيه موسيقى ياني وسعيد كرماني وفيروز، وبما تحويه من تمثيلات ثقافية ونوعية مختلفة، تحيي جدلاً خلاقاً في ما بينها، يمثل جوهر العالم والحياة ذاتها.
في «القابلة»، ثمة نص مترع بالأسى، والمأسوية في آن، ومقاربة أكثر نضجاً للمرأة التي تستقبل النساء والرجال عند الولادة، فثمة لعب في المساحة الفارغة بين حياتها وصنيعها الفريد، لنصبح أمام قابلة ليست كالقابلات: «أنا القابلة التي لم تقبل أي شيء تحييني/ تعويضات الحرب، ووسامة العابرين/ ألتقط عصاي/ كساحرات دلفي/ لأضرب ليلاً طويلاً/ كأطول أفعى/ وأبتسم بحياد» (ص 72).
تحيل نظرة السجين على الملك الحبيس شاه جهان الذي حبسه ابنه في غرفة لا ترى سوى الضريح الذي بناه لزوجته تاج محل. إنّ «تاج محل/ درة الزمان»، هو مكان خصب إنسانياً ودلالياً وتاريخياً، معبأ بالأسطورة، ومنفتح على تأويلات مختلفة، فتقاربه الشاعرة هنا، واعية بالمكون الروحي للمكان، وواقعة في إسار الهوى الآسيوي الفاتن.
تبدو القصيدة الأخيرة في الديوان «محاولات متكررة لكتابة قصيدة صادقة» بديعة، ومختلفة أيضاً عن مسار الديوان، تجدل ما بين الذاتي والموضوعي، مسكونة بآليات البوح والاعتراف، تبدأ بسؤال لافت، يتماهى فيه صوت الذات الشاعرة مع المؤلف الضمني للعمل: «من تظن نفسها غادة نبيل؟»، ثم يتلو ذلك لعب فني ماكر على فضاء الصفحة الورقية، حيث نجد مساحة بيضاء كبيرة نسبياً، وكأنها تمنح متلقيها فرصة واسعة للتأويل، وتمنحه أيضاً إمكانية لالتقاط السؤال والإجابة في آن، أو على الأقل انتظارها، تلك الإجابة التي لا تأتي أبداً، لأنه ليس مطلوباً في الفن سوى أن ينشغل بطرح المزيد من الأسئلة.
ثمة فتاة رومنطيقية تعتقد في تطابق الصورة مع الزمن/ الجوهر، لكنّ للضباع دوماً رأياً آخر. وفي ظل سياق مسكون بالعتمة والقيود التي تنال من إنسانية المرأة واختلافها، وحريتها، فتأتي الجملة المدهشة لتعلن من خلالها الشاعرة رفضها ومساءلتها واقعاً تعساً ومريراً: «أي زمان ابن حرام سمحنا له بهذا»، مستخدمة جملة تداعب الوجدان الشعبي للقارئ العام، وفي ظلّ حالة من الأسى الشفيف نرى مساحات من الشعرية الرائقة والصادمة لمتلقيها في آن، لكنها ليست صدمة الكشف، بل صدمة المفارقة والتأسي على واقع خامل وكاذب يغتال أنبل ما في البشر. واللافت هنا تشكل رغبة عارمة لدى الذات الشاعرة في النيل من تلك الضباع: «سأريكم/ ماذا بمقدور فتاة طيبة أن تفعل/ سترونها تثأر من ضبع/ تظاهر بالشهامة/ سينزل من منخاره نفط أسود/ ويغرغر/ بأسماء الضحايا/ يعلن كخنزير/ بعد استدراج عامين: كنت هنا أمس/….» (ص 99، 100).
بعد دواوينها المختلفة «المتربصة بنفسها، كأنني أريد، أصلح لحياة أخرى، تطريز بن لادن»، تراكم غادة نبيل منجزها الشعري اللافت، ويأتي ديوانها» هواء المنسيين» مشغولاً بفضاءات شعرية مختلفة، ومشغولاً باستعادة عوالم يتواشج فيها الأسطوري بالواقعي، والكشف الأصيل عن مساحات جديدة في النفس البشرية بالغة التعقد والتشابك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحياة



