وهم القراءة وقراءة الوهم!

- متى تقتنص الفكرة؟ - 2024-11-11
- وهم القراءة وقراءة الوهم! - 2024-09-23
- ذكاء أم جهل عاطفي؟ - 2024-08-19
في سياق ما أنشره من أخبار عن الكتب الجديدة الصادرة من دور النشر، على حساباتي في وسائل التواصل الاجتماعي، واهتمامي بتقديمها للمتابعين والقراء، أتلقى دائما أسئلة يتعلق بعضها بالكتب ومحتوياتها ورأيي فيها واقتراحاتي بشأن قراءتها، وبعضها الآخر بطريقتي في القراءة وكيف يتأتى لي أن أقرأ كل تلك الأعداد الكبيرة من الكتب إلى جانب عملي ومشاغلي واهتماماتي الأخرى، بالإضافة إلى تساؤلات كثيرة حول أفضل الطرق للقراءة السريعة لأن أصحاب تلك التساؤلات كما يبدو يظنون أنني من خبراء تلك القراءة!. واكتشفت أن كثيرين يظنون فعلاً أنني أقرأ كل الكتب التي أشير إليها أو تظهر على رفوف مكتبتي التي اعتدت على التصوير أمامها في مقاطعي المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي.
وهذا بالتأكيد غير صحيح، ثم إنني لست من خبراء ولا هواة القراءة السريعة، ولا أشجع عليها في الأحوال العادية.. وأسبابي كثيرة!
ظهرت ظاهرة القراءة السريعة في منتصف القرن العشرين كوسيلة لتحسين القدرة على استيعاب محتويات الكتب والأوراق في عالم سريع الحركة تتضخم فيه كمية المعلومات شيئاً فشيئا. ومع تزايد ضغوط الحياة والاهتمامات اليومية أصبح الكثيرون يبحثون عن وسائل لتوفير ما يمكن توفيره من وقت لاستغلاله في أمور أخرى، وهكذا ظهرت فكرة القراءة السريعة فقدمت وعوداً مغرية بتمكين القراء من استيعاب ما يقرأونه بسرعة كبيرة وبرز كثيرون كخبراء لهذه التقنية التي أصبحت تُدرس في دورات مخصصة!. كثيرون بدوا سعيدين بتدربهم على هذه التقنية وأصبحوا يتباهون بارتفاع عدد الصفحات التي يمكنهم قراءتها في الدقيقة الواحدة، متجاهلين السلبيات التي كان لابد لها أن تؤثر على تجربة القراءة نفسها، وهو ما اكتشفته بنفسي من خلال التجربة الذاتية ومن خلال التحقق من الآخرين، خصوصا خبراء تلك التقنية، فالقراءة السريعة غالبًا ما تؤدي إلى فقدان الفهم العميق للنصوص وبدلاً من الانغماس في الأفكار والمشاعر التي تعبر عنها الكلمات يصبح القارئ مجرد متلقٍ للمعلومات التي قد تتلاشى سريعًا من الذاكرة، هذا الفقدان في العمق والتفكير النقدي ينعكس على قدرة القارئ على التفاعل مع المحتوى وفهمه بشكل شامل، مما يحد من الاستفادة الفعلية من القراءة، وتصبح التجربة مجرد واجب ينبغي إنجازه بدلاً من كونه رحلة ممتعة ومليئة باللذة والدهشة الأدبية والنفسية. والقراءة السريعة قد تؤدي إلى تشتيت الانتباه في إطار محاولة استيعاب المعلومات بسرعة، مما يجعل القارئ يتنقل بين الأفكار من دون أن يُعطي نفسه الوقت الكافي للتأمل في ما يقرأه وهذا بالتأكيد سيؤثر على جودة الفهم والتركيز، وفي بعض الأحيان يصبح القارئ أسيرًا للسرعة التي يسعى لتحقيقها فتظهر له نصوص غير مكتملة، أو أفكار لم يتم استيعابها جيداً مما قد يؤدي إلى فقدان الرغبة في القراءة نفسها حتى وإن لم يعترف القارئ بذلك في حمأة الانتصار لفكرة التباهي بكمية الكتب التي يقرأها.
والقراءة السريعة قد تؤثر على علاقتنا بالأدب كفن أيضاً، إذ تحول النصوص الأدبية إلى مجرد معلومات يجب استهلاكها بسرعة من دون تقدير للجماليات والأساليب الأدبية التي تميز كاتباً عن آخر، فالأدب ليس مجرد كلمات على صفحات بل هو عالم مليء بالمشاعر والأفكار التي تحتاج إلى وقت للتفاعل معها وبالتالي فإن الانغماس في القراءة السريعة يقضي على تلك اللحظات السحرية، التي تجعل من القراءة تجربة لا تُنسى في الواقع.
والقراءة السريعة التي أتت كاستجابة لمتطلبات العصر الحديث وظروفه، تسببت في تقويض جوهر القراءة كوسيلة للمتعة واستجلاب الدهشة والتعلم العميق، وبدلاً من أن تكون القراءة وسيلة للتأمل والتفاعل مع الأفكار تصبح مجرد عملية ميكانيكية تُستهلك من خلالها المعلومات بسرعة مما يجعل القارئ يفقد الشعور بالارتباط العاطفي مع النصوص التي يقرأها.
لذا.. من المهم التفكير في كيفية تحقيق توازن بين السرعة والاستمتاع في القراءة، فبدلاً من السعي وراء عدد ما يمكن قراءته من كلمات في وقت محدد في ما يمكن تسميته بوهم القراءة في قراءة الوهم، يمكننا التركيز على تقدير اللحظات التي نقضيها مع الكتب، وأن نمنح أنفسنا الفرصة للغوص في عوالم جديدة والتفاعل مع الأفكار والمشاعر ببطء ولكن بعمق وحب.
** المصدر جريدة”الشرق”