كمال الصليبي: الأكاديمي في عزلته

الجسرة الثقافية الالكترونية
صفوان حيدر
كمال الصليبي (1929 ـ 2011) مؤرخ موسوعي كبير تتسم منهجيته بالعمق التحليلي المستند الى خبرة وثقافة متنوّعة ميزتها الشمولية والإتقان حتى في عزفه على البيانو وفي ثقافته الشعرية والموسيقية.
أثار كمال الصليبي عاصفة أكاديمية تاريخية سياسية إعلامية في كتابه: (التوراة جاءت من جزيرة العرب). ومحمود شريح، تلميذ الصليبي أفرحنا بكتاب بعنوان كمال الصليبي ـ أستاذي والتاريخ، ذكريات (1973 ـ 2011) الصادر عن دار نلسن، في طبعة ثانية 2016، هي ذكريات دافئة ومؤنسة كتبها شريح بأسلوبه اللغوي السلس والجذاب، وعلى الرغم من الاختصار الذي هو من خير الكلام فإنه اختصار صاغه شريح بدقة مضمونية تلقي الأضواء على أبرز المعالم والمحطات في سيرة هذا المؤرخ الشهير.
ينقل لنا شريح مضمون مقابلة مطولة أجراها مع الصليبي العام 1985 نشرت في صحيفة النهار كان عنوانها: لا كتابة تاريخية قبل المعرفة الجغرافية ومن عناوينها (المتنبي شخصية مأساوية مثل مكبث والملك لير) يرى كمال الصليبي أن كتابة تاريخ العالم العربي تتطلّب جرأة، وكثيرون لا يجرؤون.
سواء في كتابه الشهير تاريخ لبنان الحديث (1965). أو التوراة جاءت من جزيرة العرب أو في مقالاته التاريخية التي نشرت في منشورات أكاديمية، بقي الصليبي متكلاً على خبرته الحدسية المباشرة من خلال تجواله في أرجاء المشرق العربي زائراً مكتبات دمشق وحلب وبغداد والقاهرة وصنعاء وقارئاً نصوص مؤلفاتها التاريخية.
يرى الصليبي أن كتاب «يقظة العرب» لجورج أنطونيوس وثيقة هامة «ولكن ذلك لا يعني أن تفسير أنطونيوس هو التفسير الوحيد الممكن». أما كتاب البرت حوراني «الفكر العربي في عصر النهضة» فيعتبره صليبي أحدث دراسة تحليلية للأثر الفكري لعصر النهضة، لكن «قد تأتي دراسة ما فتضيف الى دراسة حوراني أو تحلّ مكانها» (ص. 63). فالكتابة التاريخية والعالمية رحلة من عملية نمو، من سلسلة لا متناهية في تطور الفكر التاريخي (ص. 64) وعلى المؤرخ ألا يعتقد ان كلمته في موضوع ما هي الأخيرة (ص. 64) «في التوراة جاءت من جزيرة العرب» (1985) هزّ الصليبي أركان الفكر التوراتي الذي هيمن على جامعات الغرب حين كشف أن البيئة التاريخية للتوراة لم تكن في فلسطين بل في غرب شبه الجزيرة العربية في محاذاة البحر الأحمر وتحديداً في بلاد السراة من منطقة عسير بين الطائف ومشارف اليمن. (ص. 43) وعن الاستشراق يقول الصليبي «نحن نفهم العلاقات العشائرية ومحركاتها لكن المستشرق الغربي المقيم في الغرب يصعب عليه ذلك». (ص. 67) طبعاً هناك محركات اقتصادية واجتماعية يستند إليها المستشرقون الغربيون، لكن الولاءات العشائرية هي التي سيطرت على المجريات السياسية في لبنان منذ القرن التاسع عشر في لبنان. ويصل الصليبي الى القول «يصعب على المستشرق، أكان غربياً أم عربياً، أن يفهم دخائل الأمور اللبنانية ما لم يفهم المحركات الأساسية في حياة بلاد الشام ويضيف «هناك مؤرخون من العرب كتبواً بقصد الإطراء والمديح والتقريظ ففقدوا الموضوعية… هؤلاء كتبوا التاريخ بالادعاء، هؤلاء ليسوا مؤرخين».
تزدحم في هذا الكتاب الأخبار التي فيها روح الدعاية والفكاهة التي عوّدنا عليها محمود شريح والتي تجلّى بها الصليبي مع تلامذته في الجامعة الاميركية في بيروت، لكن إشارات شريح وانطباعاته الودودة عن استاذه تبدو سريعة ومختصرة وتحتاج الى مزيد من الإسهاب والتوسّع والشرح الهوامشي والتحليلي، خصوصاً للمصطلحات التي قد لا يفهمها القارئ العادي. ويبقى القول إنه كتاب يسمح بالاستمتاع باقتطاف خلاصات فكرية وثقافية هي ثمار جهد أكاديمي كان قد زرعه مؤرخ كبير رحل عن رأس بيروت وبقي منيراً كمنارتها.
المصدر: السفير