ماراثون الحياة الواقفة في الثقافة العراقية

الجسرة الثقافية الالكترونية
صفاء ذياب
لم تكن الثقافة العراقية عام 2015 بمعزل عن الوضع السياسي والاقتصادي، فقد كان للتحالفات السياسية تأثير واضح على مسيرة وزارة الثقافة، خصوصاً بعد تسنم فرياد راوندوزي هذه الوزارة، ومن ثمَّ تسلّط مجموعة من الأدباء على المحافل الثقافية منذ سنوات، فاتحاد الأدباء والكتاب بمركزه العام في بغداد لم تتغير هيئته الإدارية ورئاسة الاتحاد والأمانة العامة فيه.
بعض الأدباء يعزون خمود شعلة الوضع الثقافي بسبب هذه المؤسسة التي يترأسها الناقد فاضل ثامر منذ ثلاث دورات انتخابية، فضلاً عن بقاء الأمين العام للاتحاد؛ الفريد سمعان، المدة ذاتها، إضافة إلى بعض المسؤولين فيه. كما أنهم يرون أن هذه الهيئة لم تقدم للأدباء شيئاً على مدى اثني عشر عاماً بسبب توجهاتهم الأيديولوجية، وعدم مكاشفتهم الأدباء لموارد الاتحاد والطرق التي تصرف فيها، ما دفع أحد أعضاء الهيئة الإدارية فيه؛ وهو الشاعر هادي الناصر، إلى السعي لكشف ما يحدث تحت الكواليس، غير أنهم في النهاية تمكنوا من إسكاته بوسائل لم تُعرف حتى الآن.
بغداد واليونسكو
ربما لم يتمكن الاتحاد من إسكات الثقافة العراقية، على الرغم من دفع أشخاص لا علاقة لهم بالكتابة ولا بالأدب إلى منصاته وإعطائهم العضوية، فقد سعى عدد من الأدباء، منهم الشاعر سهيل نجم والمترجم صادق رحمة وغيرهما لإيصال صوت الثقافة العراقية لمنظمة اليونسكو، أولاء تمكنوا أخيراً من اختيار العاصمة العراقية ضمن شبكة المدن الإبداعية لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو».
رشحت بغداد من بين 47 مدينة لـ33 دولة أعضاء جدد مثلت الحقول الإبداعية (الحرف والفنون الشعبية، تصميم، الأفلام، فن، أدب، فنون الإعلام والموسيقى) وقد جاء هذا الترشيح لما تمتلكه بغداد من إرث حضاري وثقافي وامتلاكها علاقات متميزة مع المحيط الخارجي الثقافي. وقد أشار بيان اليونسكو إلى أن وزارة الثقافة عملت بالتنسيق مع منظمات مجتمع مدني وجمعية المترجمين وعدد من الأدباء لإعداد ملف خاص بترشيح العاصمة بغداد كأول مدينة عربية للانضمام إلى شبكة المدن الإبداعية التابعة لليونسكو، لاسيما أن عضوية المدن للشبكة كان حكراً على الدول الأجنبية فقط.
هذا الحدث أعطى نكهة خاصة للثقافة في بغداد تحديداً، فقد أقام عدد من المنظمات والمؤسسات الثقافية فعاليات احتفاءً بهذا الاختيار، ومن ثمَّ استعداداً لفعاليات أخرى بعد التتويج العام المقبل.
مهرجانات
عام 2015 لم يكن عام المهرجانات، فالوضع الاقتصادي العراقي كان له أثره الواضح في عدم إقامة الكثير منها، مثلاً لم يقم ملتقى السياب الشعري الذي أقيم لدورتين متتاليتين في مدينة البصرة، كذلك مهرجان الكميت الذي يهتم بالنقد الحديث في مدينة العمارة، فضلاً عن مهرجان المربد الذي لم يمر عام إلا ويعقد منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي وحتى الآن، غير أنه سيعقد في السابع من شهر يناير/كانون الثاني العام المقبل.. هذا التأخير كان بسبب تأخر التخصيصات المالية أولاً، ومن ثمَّ لمطالبة وزير الثقافة نقل المهرجان من مدينة البصرة إلى بغداد أو السليمانية. الأمر نفسه حصل مع مهرجان المتنبي، الذي عقد في الثالث والعشرين من شهر ديسمبر/كانون الأول الحالي، بعد تأخره لأكثر من شهرين، وكان من المفترض أن يقام في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، غير أن وزير الثقافة اشترط لدعمه من قبل الوزارة أن ينتقل إلى مدينة السليمانية، إلا أن القائمين على المهرجان في محافظة واسط رفضوا هذا الأمر، ما اضطر الحكومة المحلية لدعمه، وكان هذا الدعم سبباً لانهيار المهرجان بشكل ملحوظ، فقد أقيم ليوم واحد فقط، ولم يحضره إلا أفراد قلائل، والأهم من هذا أنه أقيم وأغلب الأدباء والمتابعين لا يعرفون به إلا بعد أن نشر الحاضرون صورهم بالقرب من نصب المتنبي في مدينة النعمانية شمال مدينة الكوت، للتعبير عن مشاركتهم في المهرجان.
ولا يختلف ملتقى الرواية الثاني في مدينة البصرة عن بقية فعاليات هذا العام، فقد كان من المفترض أن يقام منتصف شهر فبراير/شباط، غير أن تأخر التخصيصات المالية دفعته إلى منتصف شهر أكتوبر، ليقام بحضور أكثر من 60 روائياً وناقداً. اللافت في الأمر أن هذا الملتقى كشف الوجه الحقيقي للنقد العراقي والرواية العراقية أيضاً، فقد كانت أغلب الأوراق النقدية التي قدمت من قبل نقاد معروفين وباحثين أكاديميين لا ترقى إلى هوامش على روايات لم تقرأ بشكل جيد، فضلاً عن أزمة دعوة روائيين جيدين للملتقى، ما اضطر القائمين عليه لدعوة كل من كتب رواية واحدة أو حتى لم يكتب بعد.
الأمر نفسه حدث مع «مهرجان كلاويز» في مدينة السليمانية، فبسبب قلة الدعم المالي، لم يدع من الكتاب العرب إلا خمسة كتاب، في حين خصصت بقية الأموال لدعوة كتاب إيرانيين وبعض العرب.
لكن الأمر كان مختلفاً بعض الشيء مع ملتقى «الأدب يبني الإنسان» في مدينة النجف، إذ لم يسع اتحاد الأدباء في هذه المدينة للتفاوض مع وزارة الثقافة لإيجاد دعم لهذا الملتقى، بل سعى للحصول على تمويل خارجي من قبل تجار ومهتمين بالثقافة، وهو ما حدث فعلاً، فكان أن دعا القائمون على الملتقى 20 باحثاً متخصصين في هذا الموضوع، ما جعل منه ملتقى نوعياً وبحوثه متخصصة وهادفة بشكل أفضل بكثير من بقية المهرجانات والملتقيات العراقية. لكن هناك فعاليات مهمة كانت خارج المؤسسة الثقافية، إن كانت متمثلة بوزارة الثقافة أو اتحاد الأدباء، هذه الفعاليات قام بها عدد من أدباء مدينة الحلة عرفت بـ(ميليشيا الثقافة) قدموا من خلالها قراءات شعرية وتعبيرية في أماكن طحنتها الحروب وكانت بؤراً للموت والدمار.
بدأت فعاليات ميليشيا الثقافة في مدينة الحلة، ومن ثمَّ وصلت إلى نهر جاسم في مدينة البصرة، وهو المكان الذي دارت فيه معارك طاحنة بين القوات العراقية والإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، وصولاً إلى الشلامجة، شرق مدينة البصرة، ومن ثمَّ في مشرحة الطب العدلي، وهكذا استمر مشروعها لوحدهم فقط، من دون البحث عن دعم أو جمهور، بل كل ما أرادوا أن يقدموا نصوصاً شعرية تعبر عن المأساة التي مرَّت بها المدن العراقية، فضلاً عن الحياة التي دمرَّت بين أنياب الحروب التي لم يخسر فيها إلا المواطن.
جوائز
2015 لم يحصد الكثير من الجوائز للعراقيين، بل كان عام يباس حقيقي، سوى بعض الجوائز التي لا تُشبع الشهية العراقية الكبيرة. ربما كانت هناك جائزتان عراقيتان فحسب، الأولى حصول الروائي أحمد السعد على جائزة الإبداع العراقية عن روايته «وهن الحكايات»، وحصول الكاتب علي عدنان آل طعمة على الجائزة الثالثة في مسابقة الشارقة عن مسرحيته «يوسف ملك إسبانيا».
غير أن المهم في سباق الجوائز، هو إطلاق جائزة الإبداع العراقي، وهذه هي المرة الأولى التي تطلق فيها جائزة حكومية بهذا الحجم، وكانت الجائزة قد خصّصت في دورتها الأولى للحقول المعرفية والإبداعية الآتية: السرد، النقد الأدبي والتطبيقي، حقل التشكيل/ الرسم، حقل المسرح/ الإخراج المسرحي، العلوم الإنسانية/ علم الاجتماع. واشترطت اللجنة أن يكون المرشح للجائزة عراقياً، وألا يكون العمل المقدّم قد نال جائزة سابقة من أي جهة، فالجائزة تمنح لعمل أصيل ومبتكر أو مجمل أعمال المبدع. وخصصت الوزارة جائزة نقدية مقدارها (5000) خمسة آلاف دولار لكلّ فائز مع نحت تجريدي من مادة البرونز وشهادة تقديرية.
راحلون
بدأ عام 2015 مع رحيل واختتم مع رحيل آخر، ربما كان أول الراحلين محسن الخفاجي، وهو قاص وروائي ومترجم من الناصرية (جنوب العراق) يكتب الأدب القصصي منذ عام 1967 وحصلت أعماله على تقدير نقدي كبير منذ الستينيات، ويؤكد العديد من الأدباء أنه كتب القصة والرواية في سن مبكرة، فاحتل بجدارة الصف الأول، وأصبح واحداً من الذين يشار إليهم بالبنان، لكنه للأسف واحد من الأقلام التي لم تنل الشهرة، وفق استحقاقتها المعروفة لأنه يعمل وينتج بهدوء وبعيداً عن أي صخب إعلامي أو بحثاً عن الأضواء، ومن ثم لابتعاده عن المشهد الثقافي العراقي، بعد عام 2003 نتيجة النكسات التي واجهته، ووقوعه أخيرا في قبضة المرض الذي أسكت قلبه.
الرحيل الآخر كان لأشهر معماري العراق عبر التاريخ، وهو الفنان والمهندس محمد مكية الذي رحل عن عمر تجاوز المئة عام في لندن، أنجز في حياته أعمالاً معمارية لا يمكن أن يتجاوزها الزمن، فمن أولها جامع الخلفاء في شارع الجمهورية في بغداد، الذي يعد تحفة معمارية أعادت بغداد لزمن كانت قد فارقته منذ مئات السنين، فضلاً عن تصميمه لجامعة الكوفة (1969) إلا أن نظام البعث حال دون تنفيذ هذا المشروع الكبير الذي استعد له مادياً ومعنوياً، فضلاً عن بوابة مدينة عيسى في البحرين، والمسجد الكبير في الكويت، وجامع إسلام آباد في باكستان، وجامع قابوس الكبير في عمان، وجامع تكساس في الولايات المتحدة الأمريكية، وجامع روما في إيطاليا، ومكتبة ديوان الأوقاف العامة في بغداد1967، ومبنى مصرف الرافدين في الكوفة 1968، ومسجد الصديق في الدوحة 1978، وتصميم الجامعة العربية في تونس 1983.. وغيرها الكثير.
الشاعر وليد جمعة رحل في منفاه الدنماركي بعد أن هجر كل شيء في الحياة وبقي قابعاً في غرفته وشعره الذي رفض أن ينشره على مدى سنوات طويلة، ومن ثمَّ كانت فاجعة رحيل الشاعر الذي يعد من أهم أعمدة جماعة كركوك مؤيد الراوي، الذي رحل في منفاه في مدينة برلين الألمانية، مساء الخميس، بعد أيام على وفاة صديقه الشاعر وليد جمعة، وبعد يومين فحسب، على صدور ديوانه «سرد المفرد» الذي صدر عن منشورات الجمل في بيروت. ليرحل بعدهم الشاعر محمد محمد صالح في مدينة البصرة.
وكان خاتمة الراحلين لهذا العام الكاتب والباحث في الفلسفة خضير ميري، الذي رحل بعد صراع مرير مع المرض، وعرف ميري باهتمامه بالفلسفة والدراسات الفكرية، وقد صدر له العديد من المؤلفات في هذا المجال كما كتب الرواية والمسرحية.
رحيل الأثر
على الرغم من رحيل كتاب مهمين عراقياً وعربياً، والألم الذي حل بالوسط الثقافي، غير أن رحيل تاريخ بلد وشعب بالكامل جعل العالم يتألم على تاريخه الذي يداس بالجرافات والفؤوس، وهو ما فعله «داعش» بعد تهديمهم لمتحف الموصل الذي يعد من أغنى متاحف العالم، تاريخاً وآثاراً، فقد كان رجال «داعش» ينزعون أغلفة النايلون عن تماثيل مختلفة الحجم، إضافة إلى أخرى تنتصب على قاعدة رخامية ضخمة بارتفاع نحو مترين، وتماثيل نصفية أو وجوه أثرية معلقة على الجدران. المتحف يضم تماثيل وآثاراً من الحضارتين الآشورية والهلنستية، يعود تاريخها إلى قرون قبل ميلاد المسيح، وقد أشار خبراء إلى أن الآثار المدمرة تشمل قطعاً أصلية، وأخرى أعيد بناؤها من قطع مبعثرة، إضافة إلى نسخ عن قطع أصلية موجودة في متاحف أخرى.
ويتألف متحف الموصل من ثلاث قاعات، الآشورية والحضرية (نسبة إلى مدينة حضر التاريخية في شمال العراق)، والإسلامية.
كما فجر تنظيم «داعش» بعد أن هدموا متحف الموصل في شهر فبراير/شباط من هذا العام مسجد الخضر في وسط الموصل، الذي يعود تاريخه إلى القرن الثاني عشر الميلادي.
وبعد أقل من شهر من هذه الحادثة، قام تنظيم «داعش» بتجريف مدينة الحضر الأثرية جنوب غرب الموصل، بالمعدات الثقيلة بعد نقل آثار وعملات إلى جهة غير معلومة، بعد يومين من تدمير المسلحين لمدينة نمرود الآشورية الأثرية. كما سرق المسلحون العملات القديمة والمصوغات وما يمكن حمله من آثار قديمة قبل أن يعمد عناصر التنظيم إلى جرف المدينة وتخريبها.
القدس العربي