«لا أستطيع الحضور».. الألم الصامت وكتابة الغياب

الجسرة الثقافية الالكترونية-السفير-

في مجموعة غيّاث المدهون: «لا أستطيع الحضور» عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» يقول: «لا، لن أكرر ما هو معروف، لكني سأخبركم بما لا تعرفون: ليست مشكلة الحرب في من يموتون، مشكلتها في من يبقون أحياء بعدها». الشاعر في توقيعاته الحزينة، النثرية والسردية، يضيء على الوجه الآخر من غيابه/ اغترابه، الذي يتنفس في الظلام. كل قصيدة في مجموعته، مهما بدت بريئة ومحايدة، غاطسة حتى أذنيها في وجع الغياب، وجذره ما يحدث في أوطاننا العربية. القصيدة عند المدهون، سواء تناولت الأزهار أو الطيور أو المشاهد والكائنات الهشة غير ذات علاقة بما يجري في عالمنا الأسود هذا، ضالعة بامتياز في جرح الاغتراب القسري، وما اليأس المبثوث في القصائد سوى إعلان استقالة وانصراف عن الكتابة المباشرة النافضة يديها من عقم عظيم يصيب إنسانية الكاتب في صميم قلبه.

كتابة متوارية، هشة وخالية من العبارات الغاضبة، لكنها في وجهها الآخر، تشي بضلوع واضح، في التعبير عن مقتلة كبيرة تدور هنا وهناك وتشرد كل منا عن وطنه، وهي صرخات استغاثة أحياناً، لدرء البرد الآخذ بروح الشاعر في منفاه ووحدته.

أيضاً عند غيّاث المدهون، تلك الغنائية البصرية رغم العالم المغلق على موجودات قليلة. ثمة مكانة ممنوحة للعالم المرئي، والوصف صارخ الألوان، حتى ليمكننا القول إن القصيدة بصرية ومكانية في شكلها الوسيط بين الشعر الحر وقصيدة النثر: «لقد بعت أيامي البيضاء في السوق السوداء، واشتريت منزلاً يطل على الحرب، لقد كانت الإطلالة رائعة لدرجة أنني لم أقاوم إغراءها، فانحرفت قصيدتي عن تعاليم الشيخ واتهمني أصدقائي بالعزلة».

تأثير التصوير الفوتوغرافي والسينما، سيتم الإحساس بهما في أكثر من قصيدة وموضع، ويظهر في بنية كتابة القصيدة، كما يمكننا إضافة مؤثرات أخرى لم تبق في هامشها الشكلي بل أضافت إلى المعنى والمبنى إذا جاز التعبير.

جمالية قصيدة الشيء عند المدهون، من تأثره بحتميات داخلية وخارجية على علاقة باغترابه، وجاءت لتغذي حاجته العميقة إلى البوح الذي قارب أن يكون شعراً موسيقياً. الواقع أن سرديات المدهون في بعض المواقع في المجموعة، تكاد تكون فنه الأثير، فالتوزيعات الفراغية (المكانية) تقترب من الشعر الحر، وهي متتالية في الجمل والتمايز الذي يسمها يمكن إسقاطه على الذاكرة مثلما على التقنية الشكلية. القصيدة هنا، ليست بالضرورة تمثيلاً للواقع (كوصف أو سرد) وإنما خلق، شيء مستقل، ما أن تنقل عناصره من الواقع الخارجي، حتى تنفصل عنه للبحث عن واقعها العضوي الخاص بها وهو في الغالب واقع موجوع: «قبل أن تموتي كنّا أنا والموت أصدقاء، الآن، وبعد أن سرقكِ مني كأي لص دنيء، حذفته من قائمة أصدقائي على الفيس بوك». لأن اللغة الأدبية، أكثر من أي شيء آخر، تضع الشاعر في طريق مسدود، فإن المدهون يبالغ في الانشغال الجمالي أو الانشغال بالجمال الشكلي لقصيدته، فلا يقع في فخ البلاغة على حساب الصدق والمشاعر. كما يتهرب الشاعر من سيطرة الفكرة على الكلمات، لرغبته أيضاً في الابتعاد عن البلاغة.

يكتب الشاعر في مجموعته: «لا أستطيع الحضور» في الضرورات الشكلية الأكثر رهافة، محكوماً بفعل ضرورات قصيدته نفسها، جاعلاً استخدام اللغة ملتبساً، لكي يمكنه استعمالها في خلق عالمه، ومنحه في آن الشعور بعالم مختلف. إنها الرغبة في الاستجابة لمشاعر مؤلمة لكنها جمل صامتة وجديرة بترجمة الألم أكثر منها ثرثارة أو هاذية. كلمات إيحائية غير مباشرة كما لو أن الشعر يواصل محاولته اليائسة لمصالحة ما لا يمكن مصالحته، والصراع مع ما هو غير قابل للوصف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى