«جسر نحو فلسطين».. صناديق لشاغال وديلاكروا

الجسرة الثقافية الالكترونية-السفير-
يقدم معرض «جسر نحو فلسطين» في مركز بيروت للمعارض ـ مدخل البيال، تواصلاً حياً ونابضاً بين مواقع جغرافية متعددة: الشرق والغرب، رام الله، غزة والقدس، عبر مدارس فنية مختلفة ومتعاقبة. فلسطين، هذه الأرض المباركة، مهد الحضارة المشرقية العربية، تمنح ثمانية عشر فناناً فلسطينياً تربة خصبة للإبداع ووسائل تعبير فنية متنوعة. فنانون يعيشون إما في المنافي أو تحت الاحتلال. لكنهم يبدعون مواجهات فنية بين ما هو محاصر بجدار العنصرية وما هو في المنفى. تتنوع الأعمال المعروضة بين الرسم الزيتي والإكليريك والتركيب الفني والتصوير الفوتوغرافي والفن الرقمي والفيديو. إنها أعمال مقاومة فنية وجسر بين المتفرج وما هو بعيد وخارج التحقق. ترى هذه الأعمال ما هو غير مسموع وتسمع ما هو غير مرئي وتسبب اختلاطاً في الحواس كي يستيقظ المتفرج الأجنبي من غيبوبات لامبالاته إزاء قضية فلسطين. فنانون فلسطينيون يعانون شعوراً دائماً بالحرمان من العيش بكرامة في وطنهم، وتعذيباً ضميرياً موجعاً وناتجاً من توقهم لاستعادة فلسطين وعجزهم عن تحقيق هذا التوق.
في مدخل الصالة يواجهك تجهيزان مجسمان: تجهيز خشبي مرآتي لناصر صومي، يجسم جملة محمود درويش «بيروت خيمتنا» في قصيدته «مديح الظل العالي» عبر مظلة خشبية زجاجية قاعدتها مرآة عاكسة عليها كلمة بيروت والقدس. وتجهيز ليلى شوَّا لآلة القتل الكلاشنيكوف مزينة بالجواهر والفراشات الملونة. وحسب بعض الأساطير القديمة، تعود أرواح الذين قتلوا إلى مكان اغتيالها كفراشات ملونة بألف لون ولون. هكذا تزين الكلاشينكوف أرواح المستشهدين الفراشاتية. وتواجهك صور كومبيوترية رقمية لستيف سابيلا عن حياة المهاجرين ومنازلهم وشققهم في بلدان الاغتراب. ونقف أمام ثلاث صور فوتوغرافية ملونة لمحمد مسلم: بدلاً من كرتونة البيض الدجاجي تمتلئ الكرتونة بالصبار. وبدلاً من عقد الجواهر على رقبة الفلسطينية لم يبق سوى عقد حبات الزيتون الخضراء. أما البرتقالة الفلسطينية فممنوع عصرها أو قطفها لأنها منخورة بآلة الميكانيك الإسرائيلي الباقرة بطن هذه الثمرة الفلسطينية الشهيرة. عند هشام زريق نشاهد لوحات سوريالية ـ دادائية للحروب العبثية المختلطة بألعاب الأطفال المهمشة. وتتلون عند ناصر السومي لوحات كبيرة للمسجد الأقصى بمواد ترابية وأوراق زيتون. مع لوحات تجريدية فيها الثلاثي الفلسطيني بمائه وسمائه وأرضه. والجديد والمميز الذي يقدمه السومي في هذا المعرض غرفة ممتلئة جدرانها بثلاثين صندوقاً شبّاكياً. إنها صناديق الذكريات عن مدينة يافا بداخلها قناني ممتلئة بمياه يافا وكتابات هي ذكريات حميمة وشجية لنازحين عن يافا. وبين الصندوق والآخر شمعة مضاءة. وينقلك بشار الحروب عبر شاشة فيديو إلى جولة بالكاميرا داخل دهاليز المخيمات، بينما تستوقفك صور بالقلم الرصاص على الورق لتيسير بركات عن الحياة اليومية للفلسطينيين ولكن بأسلوب عفوي وساذج. وفي زيارته لبيروت، التقط بشير مخول صوراً لآثار القذائف الإسرائيلية على جدران بيروت. تتغير ظلال الفجوات لهذه القذائف أمام حركة المتفرج أمامها بفعل مادة المرايا العاكسة المصنوعة منها تلك الصور. بدوره، يشتغل محمد الهواجري على مارك شاغال في لوحته الشهيرة «فوق المدينة» بعدما حول الهواجري مدينة شاغال إلى القدس المشطورة بالجدار العازل وأزال منها المسجد الأقصى. هكذا لم يعد الشاب وحبيبته الطائران فوق المدينة يعرفان إلى أين يحلقان. كذلك يشتغل الهواجري على لوحة ديلاكروا الشهيرة «الحرية تقود الشعب» فيحولها بالدمج بين اللوحة الزيتية الأصلية والتصوير الفوتوغرافي، إلى مشهد دموي مشتعل بالمنازل المهدمة والحرائق أمام أكوام من جثث المستشهدين. وبدلاً من ساحة الباستيل الباريسية الشهيرة تشعر أنك في ساحة صبرا أو شاتيلاً أو غزة المدمرة بالطائرات الإسرائيلية العسكرية. كذلك يبدو ناجحاً اشتغال الهواجري على لوحة (الفلاحات الحاصدات)، لميليت (1857). أما المجسم التصغيري لمدينة قلندية الذي قدمته وفا كوراني أو لوحة ياسر بركات للبولدوزرات والدبابات التي تتربص بمدينة رام الله فجديران بالتأمل والاستيقاف. انه معرض بعيد عن النمطية والتكرار. غني بتنوعاته التشكيلية ويستقطب انتباه المتفرج خصوصاً في بعض التقنيات والتجهيزات التشكيلية المستجدة. (تم افتتاح المعرض مساء الخميس الماضي ويستمر حتى (3) آب الآتي).



