سعيد مرزوق المولع بأفلام تثير الجدل.. يقتله المرض والقرف

الجسرة الثقافية الالكترونية-السفير-

*نديم جرجورة

مات سعيد مرزوق.

نبأ مؤلم، وإن كان مُنتَظراً. الموت قدرٌ لا فرار منه. المرض أنهك الرجل طويلاً، تماماً كما أنهكته حملات ضارية شُنِّت عليه مراراً وتكراراً. لم يأبه كثيراً بها. تجاهلها. ردّه الوحيد عليها متمثّل بمزيد من الأفلام، وبإصرار على التزام قناعات وسلوك وثقافة وتوجّه. مع هذا، أنهكته الحملات، وأثقلت عليه. ربما لهذا بدا ـ خصوصاً في الفترة الأخيرة التي شهدت اطلالات قليلة له ـ كأنه غير مبالٍ بالمرض وأعبائه، إذ اعتاد مواجهة ما هو أشرس منه، وأخطر.

لم يكن الرجل منزّهاً عن العيب. لم يكن مرضه ولامبالاة الغالبية الساحقة من معارفه به سبباً لإشفاق عليه لحظة وداعه. هو أكبر من هذا. هو جزءٌ من لعبة ثقافية ـ فنية يتداخل فيها إبداع الصورة السينمائية بوقائع العيش على جمر السياسة وفسادها، والاقتصاد وانقلاباته، والمجتمع ومحرّماته. يتداخل فيها أيضاً تناقض الأسئلة ومسالك العيش والمواجهة. لم يكن رجلاً فوق العادة، وإن أتقن، عبر انهماكه في تطوير لغته السينمائية فيلماً بعد آخر، كيف يوازن بين عمق المضمون وحِرَفية الصورة، وإن غلب المضمون على الصورة، معظم الأحيان. شيءٌ من تناقضات المرحلة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، المنطلقة من لحظة رحيل جمال عبد الناصر تحديداً (1970)، يختلط بشيء من وضوح الرؤية الحياتية والإنسانية والسينمائية لديه. المرحلة صعبة. أسئلتها حيوية وضاغطة وملحّة. مُدركٌ هو وقائع المشهد وحكاياته. واع هو طبيعة التحوّلات الحاصلة في لحظات حسّاسة من عمر بلد ومجتمع وناس. صائبٌ هو في التقاط المؤلم في البيئة، وفي كيفية صهره داخل أعمدة الفن السابع، وعناصره.

لحظة الانقلابات

أهي صدفة بحتة، أم نتاج تراكم في المعرفة والوعي وبدايات نضجهما؟

في العام 1970، رحل جمال عبد الناصر، بعد ثلاثة أعوام على نكسة “حرب الأيام الستة”. لم تكن الأعوام الثلاثة هذه عادية. انقلاب مدوّ في مفاهيم ونتاجات وحيوات وأناس وأحلام باتت كوابيس. فيها، تأسّست “حرب الاستنزاف”، التي أفضت إلى ما أفضت إليه من نتائج. فيها، طُرحت أسئلة موجعة، ونشأت مواجهة صعبة مع نظام وفكر ووقائع أفضت إلى هذا الخراب. بعد عام واحد على رحيل عبد الناصر، قدّم سعيد مرزوق فيلمه الروائي الطويل الأول “زوجتي والكلب”. ليس الفيلم سياسياً بحتاً، أو صدامياً على مستوى الأحداث الجارية حينها. غير أن فيه ما يليق بتحليل في السياسة والواقع ومعاني الشقاء الفردي، وسط هول المأساة المندلعة من نكسة لم تلملم جراحها. الركيزة الأساسية للفيلم؟ الشكّ. هذه مصيبة. الشكّ مفتاح لاستعادة ماض “ثقيل” بما فيه من حكايات وخيبات وآلام. ألم يكن مطلع السبعينيات تلك بدايةً عمليةً لفهم، أو لمحاولة فهم الماضي المثقل بالتباسات ووقائع معلّقة؟ ألم تكن تلك اللحظة تفعيلاً قاسياً لشكوك منبعثة مما كان يجري حينها؟ ربما. لكن “زوجتي والكلب” حكاية منسوجة على مقاييس واضحة ومحدّدة وثابتة أيضاً: رجلٌ وزوجته وزملاء في مكان معزول، وشغف وكبت وانقلابات مدوّية.

بعد اثنين وثلاثين عاماً، حقّق سعيد مرزوق فيلمه الأخير “قصاقيص العشّاق” (2003). إنه التعاون الثالث له مع نبيلة عبيد، بعد “هدى ومعالي الوزير” (1995)، و”المرأة والساطور” (1997). الاختلاف في المواضيع ليس اختلافاً على سجالية المخرج في اختراقاته السينمائية بعض محرّمات البيئة الاجتماعية والسياسية: الفساد والخديعة والافتراء. المصالح والقسوة والقتل. التداخل العنيف بين السياسة والمال والجنس. عناوين عديدة، امتلك سعيد مرزوق موهبة تحويلها إلى مشاهد سينمائية، وحِرَفية ثقافية وفنية تُحرّض وتستفزّ وتُساجل. في كتابه “فيلسوف الصورة” (إصدار “المهرجان القومي للسينما المصرية”، في دورته السابعة عشرة، 18 ـ 26 تشرين الثاني 2013)، تساءل مجدي الطيّب: “هل دفع مرزوق ثمن ولعه بتقديم الأفلام المثيرة للجدل؟” (ص. 18)، مشيراً إلى أن استهداف “إنقاذ ما يُمكن إنقاذه” (1985) بحملات عنيفة يؤكّد هذا، وملمِّحاً لاحقاً إلى أن أهمية “المغتصبون” (1989)، برأيه هو كناقد، لا تكمن في قضيته التي أثارت هلع المجتمع المصري وفزعه، “بل في الدروس الفنية التي يُمكن استخلاصها منه، في التصوير والإضاءة، وتصعيد ممثلين عُرفوا وقتها بأنهم نجوم الصف الثاني إلى مرتبة النجوم، ونجحوا في الاختبار، وكسب المخرج رهانه عليهم” (ص. 23).

رواية رسمية

للكتاب المذكور قيمة متمثّلة بخروج الناقد مجدي الطيّب عن المجاملة المعطوفة على مناسبة إصدار الكتاب، بهدف بلوغ مرتبة من النقاش الفعلي مع المُكرَّم نفسه. فيه، بدا سعيد مرزوق كأنه يُعلن “رواية رسمية أخيرة” عنه وعن أفلامه، انطلاقاً من تاريخه الشخصي وسيرته السينمائية. أسبابٌ كثيرة حالت دون استمراره في تحقيق أفلام، هَزّ بعضها المشهد السينمائي المصري، مُثيراً انتقادات حادّة، أو حملات تشهير، أو انفضاضاً نقدياً أو سينمائياً أو جماهيرياً عن هذا البعض. أسباب ذلك؟ “براعته” في استفزاز الآخرين، عبر مواضيع وآليات اشتغال لم يستسغها كثيرون حينها. “براعته” في تحويل مواضيع حسّاسة إلى أفلام مصنوعة بأساليب لم ترق لآخرين عديدين. لكن غيابه السينمائيّ، الممتد على مدى أحد عشر عاماً، نابع من اجتماع المرض والقرف من راهن سينمائي ومن تبدّلات سلبية، أدّت كلّها إلى ابتعاده عن العمل السينمائي. “فيلسوف الصورة” كتاب وضع فيه الطيّب شيئاً من تقدير كبير للسينمائي، وشيئاً من تحليل لا يُهادِن أحياناً، وشيئاً من سجال مفتوح على الأسئلة كلّها التي طرحها مرزوق، فإذا به يظهر أكثر التزاماً وقناعة بما صنعته يداه ومخيّلته وحساسيته وأدواته التعبيرية من قبل.

هناك ما يُغري بالاستمرار في لعبة التحليل. بدايات الإخراج مطلع السبعينيات مثيرة لهذه اللعبة. عناوين أفلامه أيضاً، ومضامينها. بعد “زوجتي والكلب”، هناك “الخوف” (1972). منبثقٌ هو من هزيمة الـ 67. متمحورٌ حول مأزق الخوف الفردي والعام. تداعيات الخراب موضوعة في حكاية الهروب من موت الهزيمة إلى أفق منغلق داخل مدينة أكبر وأوسع. مدينة يغوص فيها مرزوق مراراً وتكراراً، في أفلام لاحقة. منها “المذنبون” (1976، قصّة نجيب محفوظ): الفساد السياسي والاجتماعي في مفاصل المجتمع المصري. السينما هنا مرتبكة كارتباك صانعها. اللحظة مرتبكة. التحوّل خطر. لم يستطع مرزوق أن يصمت. قال ما يريد البوح به، وانصرف إلى اشتغالاته، تاركاً الآخرين يغضبون ويُستفَزّون ويحقدون. “أريد حلاً” (1975) جزءٌ من تلك العمارة السينمائية. التمزّق الداخلي في الذات الفردية مرآة لخراب وآلام ومحرّمات. الأسماء التي انخرطت في مشروع سعيد مرزوق أساسية: فاتن حمامة، رشدي أباظة، سعاد حسني، كمال الشناوي، صلاح ذو الفقار، يوسف شعبان وغيرهم.

لم تكن الكثرة هاجسه. 14 فيلماً في 32 عاماً. هناك ما هو أبعد من الرقم، وأهم من الزمن. هناك إرثٌ سينمائي يُفترض بالمهتمين بلغة الصورة استعادته وقراءته نقدياً، بهدوء يليق بالقيمة المتنوّعة الاتجاهات والأشكال، الخاصّة بالسينمائي وبأفلامه أيضاً.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى