بروفايل: محمود المليجي.. موهبة من جمر

 

حسين عبدالرحيم 

كنت وشقيقي الكبير علي في زيارة للقاهرة، يوم طلبتُ منه أن يُحقّق لي رغبتي كمراهق طائش ومندفع، فقلت له: “أريد أن أرى الأستاذ نجيب محفوظ في الجمالية”. كنا في عام 1982 ولم أرَ نجيب محفوظ إلا بعدها بست سنوات. لكنني رأيت محمود المليجي في ذلك اليوم!

 وليس اللقاء بفنانٍ مثله أمرًا عاديًّا، فهو صاحب الأثر العظيم في السينما المصرية، بحيث قدّم الكثير من الأدوار المعقدة ذات الأبعاد النفسية، وامتاز بقدرته الفائقة على أداء شخصية الطيب والشرير.

 كان المليجي (22 ديسمبر 1910 – 6 يونيو 1983) عضوًا في الرابطة القومية للتمثيل، ثم عضوًا في الفرقة القومية للتمثيل. وكانت المهنة عنده تتجسد كصورة وحوار وإيقاع وحركة جسدية تؤكد براعة فنان محترف وقارئ هاضم لكل المدارس الفنية وأشكال الأداء التمثيلي، وتحديدًا “السايكو دراما”.

أداؤه الهائل كان يتجاوز نبرة الصوت ونظرات العيون، ليتجلّى أيضًا في الخطى وحركات الوجه والأصابع. كان بارعًا في السينما كما في التلفزيون والإذاعة، بحيث عمل فى أكثر من 750 فيلمًا سينمائيًّا وتلفزيونيًّا و320 مسرحية وأكثر من 1330 مسلسلًا إذاعيًّا.

 

 ولد في حي المغربلين بالقاهرة الفاطمية، ثم انتقل مع عائلته إلى حي الحلمية، على بعد نحو كيلو مترين فقط، وهناك تلقى تعليمه حتى الثانوية العامة حيث التحق بفرقة التمثيل، وتلقى تدريبًا على أيدي كبار المسرحيين في ذلك الوقت من أمثال جورج أبيض، وبعد ذلك انضم إلى فرقة فاطمة رشدي، في عقد الثلاثينيات، واستطاع أن يضع بصمته في المسرح، وقد رشحته الفنانة الكبيرة لبطولة فيلم «الزواج على الطريقة الحديثة» وكان فشل الفيلم سببًا في تركه التمثيل لفترة، عاد بعدها إلى المسرح في وظيفة ملقن، ثم كانت عودته للتمثيل مجددًا في فيلم «وداد» مع أم كلثوم عام ١٩٣٦، ثم صار مع فريد شوقي ثنائيًّا ناجحًا لعقود. لكن الدور المحفور في الذاكرة للمليجي، هو دوره في فيلم الأرض. تفوق ابن القاهرة القديمة في دور الفلاح محمود أبو سويلم مثلما تميز أنطوني كوين في أداء دور عمر المختار.

 على مدار أكثر من خمسين عامًا، وقف محمود المليجي أمام عمالقة التمثيل والإخراج في مصر، ولُقّب بـ”سبنسر تراسي السينما المصرية” و”أنطوني كوين العرب” و”مارلون براندو الشرق” ربما يمكن أن نضيف سير أنطوني هوبكنز، في عمق تقمصه وذوبانه في الشخصية. ولا أدري لماذا نحتاج دائمًا إلى مقارنات نجومنا بنجوم غربيين، فهي غير ضرورية. ومحمود المليجي على درجة من التميز بقدر أي من هؤلاء، ولو أخذ طريقه إلى السينما العالمية كان سيصبح واحدًا من النجوم العالميين بلا شك.

 اللقاء الأول بالمليجي

 كان يقف في بداية شارع الصناديقية في حيّ الأزهر، يتصفح كتبًا. وما زلت أذكر الكتاب في يده، كان “الإشارات الإلهية” لأبي حيان التوحيدي، الذي قرأتُه بعد ذلك وعرفت عن مكاتباته وفتوحاته وكتابته في مسألة الاغتراب تحديدًا. ومذاك صرتُ أربطُ بين المليجي وماهية “الاغتراب”، وكأنه في معظم أدواره، لا يهرب من نفسه، ولا يؤكدها.

 في لقائي الأول منه، استعدت حوادث فيلمه “إسكندرية ليه”، وتذكرت عباراته الأثيرة في الفيلم “عايزنا نكسبها”.

تخطى المليجي مقوّمات النجم “الجان” ليصبح الأداء هو الأساس، فهو المبدع في فنّ التمثيل/ التقمص/ التجسيد. وهذا ما دفع بكبار الفنانين، ومنهم الممثل رشدي أباظة، للقول بأنه “ممثل عالمي” ويتفوّق في أدائه على الكثير من نجوم السينما الأميركية ممن حصدوا جوائز أوسكار.

المخرج يوسف شاهين وصفه بأنه “موهبة من جمر”، واعترف بأنه اكتشف ذلك مبكرًا إلى أن تحقق اللقاء في “الأرض” و”الاختيار” و”عودة الابن الضال” وغيرها، فكان القرب والتقرب لحياته الحقيقية وتكوينه الإنساني المريح والبسيط التلقائي.

 هذا ما قاله شاهين في أحد البرامج التلفزيونية، وأكّده بعد تكريم الراحل محمود المليجي عقب حصول فيلم “إسكندرية ليه” على الدب الفضي من مهرجان برلين في عام 1979-1980، وفي مهرجان قرطاج في عام 1970 عقب عرض فيلم “الاختيار”، حين قال إن محمود المليجي كممثل أعطاه أكثر مما كان يحلم: “أداؤه مبهر، يقدم ببساطة ومن دون انفعال، ومن أول لقطة، بمجرد رصد الكاميرا لملامحه، تتجلى موهبته إلى ما لا نهاية. المليجي هو الممثل الذي أحبّه وأحبّ العمل معه، ورغم هذا لم يجمعنا سوى أعمال قليلة. المليجي هو ممثلي المفضل ويصعب تكرار موهبته، أحببته وأحببت العمل معه كأهم ممثل يخفي آلامه خلف أدائه”. 

 وقال شاهين إنّه لولا وجود المليجي في أفلامه ما كان سيحصد كل هذه الجوائز وتحديدًا دوره في “إسكندرية ليه”، الاختيار و”الأرض” و”عودة الابن الضال”، كونه ساهم مباشرة في تأكيد رؤيتي، لعجز الرجل، الأب، والجد، والمزارع أو الفلاح.

 عشرات الجوائز والتكريمات لم تغير شيئًا في حياة محمود المليجي ليصير أكثر بساطةً وتواضعًا ورفعةً وخصوصيةً، حتى في اقتصار علاقاته على قلّة قليلة جدًا من أصدقاء الفن، ومن قبل وبعد تآلفه مع الزوجة والحبيبة ورفيقة درب العيش والفن والحياة، الفنانة الممثلة القديرة، علوية جميل.

المصدر: مجلة الجسرة الثقافية- العدد 63

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى