توريث الفن.. إخفاقات كثيرة ونجاحات نادرة

د. حسن رشيد

عبر العديد من العواصم العربية مثل دمشق وبيروت والقاهرة وبغداد وبعض المدن العربية الأخرى مثل الدار البيضاء على سبيل المثال لا الحصر، تحتل الإعلانات واجهات العمارات التي تحمل أسماء رموز الطب والهندسة والقضاء وغيرها من رجالات تميزت بدورها المجتمعي في العديد من الأمور الحياتية. إلى هنا والموضوع لا خلاف عليه ويعد الأمر أمرًا مقبولًا أولًا نظرًا لقيمة الاسم وتاريخه وإنجازاته على كل المستويات؛ سواء في القضاء أو المحاماة، أو الهندسة إلى آخر المهن. ولكن ظهر لاحقًا توابع لهذا الأمر وتوابع لهذه الظاهرة اللافتة للأمر. فإذا كان هناك نطاسي شهير فإنه سوف يورث هذا الأمر لابنه وحفيده. وإذا كان هناك مذيع فلابد أن يكون ابنه أيضًا مذيعًا. وإذا كان صحفيًّا فإن التوريث أمر مؤكد لأحفاده!!

سؤالي هل الإبداع أمر يورث؟ على سبيل المثال هل مهنة الطب مثلًا أقول تورث من الأب  إلى  الحفيد. بمعنى أن “ابن سينا” كان بمقدوره أن يورث إبداعاته لأحفاده!! أو أن أبوقراط يقوم بذات الأمر!! بمعنى آخر هل الإبداع في أي إطار كان مرتبطًا بمواهب وقدرات الفرد أم في الحقيقة مرتبط بالتوريث من الجد  إلى  الابن  إلى  الحفيد.. إذا كان كذلك؛ فلماذا غابت الفلسفة الإغريقية بعد سقراط، وأرسطو وأفلاطون وأين أبناؤهم وأحفادهم؟ وأين هؤلاء الأبناء والأحفاد من أفكار وفلسفة الآباء والأجداد، ولماذا لم يورثوها؟ وأين شكسبير وراسين وكورنيه وفكتور هوجو وطه حسين وبنت الشاطئ والمتنبي وأحمد شوقي ونجيب محفوظ وميخائيل نعيمة وعبدالوهاب وأم كلثوم التي حاولت مع شقيقها وعبدالوهاب الذي حاول مع سعد ابن شقيقه. طبعًا كانت هناك بعض المحاولات ولكنها ذهبت أدراج الرياح.

من الملاحظ أننا مع الأسف نعيش الآن في زمن آخر.. وفي عصر آخر، فنجد بجانب الإعلانات التي تحتل مكان الصدارة فوق العمارات الشهيرة لأسماء خالدة؛ أسماء لأبناء المشاهير وأبنائهم وأحفادهم كيف؟ لا تسأل. إنها مسألة توريث. والنجاح والفشل أمر نسبي. ذلك أننا نعيش في عصر آخر. عصر خلق الكوادر عبر إطار مغلف، ادعم ابني اليوم وسوف أدعم مسعاك غدًا، هذا الأمر غلف مع الأسف الكثير من القطاعات، وألقى بظلاله على كل الوقائع. ولكن ما لفت نظري وشكل حلقة من حلقات ضبابية الواقع ما يحدث في إطار الفن!

كان ڤيدياس أشهر نحاتي الإغريق ولم نسمع مثلًا بأن ابنه أو شقيقه أو حفيده قد ورث عنه هذه الموهبة. وعلى ذات الأمر.. هوميروس، وإسخيلوس، سوفكليس، يوربيدس، أرستوفان، سنيسكا.. دعنا من هؤلاء. حتى في الجاهلية وعصرها، تفرد كل شاعر بمنزلته. قد يكون هناك حالات شائعة في مجال الفضاء مثل:

1- إبراهيم بن المهدي – وعلية بنت المهدي.

2- إبراهيم- وإسحاق الموصلي.

ثم كان الغياب، حتى ظهر كالوباء في واقعنا المعيش. نعم هناك بعض المواهب ولكن من المؤسف أن البعض يحاول أن يركب الموجة. أتذكر جيدًا عندما اعتلى خشبة مسرح قطر الوطني -ذات مساء- من ادعى أنه المطرب أحمد السنباطي. لا أدري هل حضر كي يشوه تاريخ والده وتاريخ سيدة الغناء العربي أم كلثوم أم ماذا؟. ذلك أن السنباطي هو تاريخ الغناء الطربي، وأم كلثوم لم يُنجب مثلها الآن، هذا لا يعني أن كل التوريث على هذا الإطار من السوء؛ فهناك نماذج مشرفة مثل: إبراهيم الحجار، أحمد الحجار، علي الحجار، وأستثني من المجموعة الفنان علي الحجار من الثلاثي.. لأن الموهبة لا تورث أبدًا.

نعم هناك علاقة في الإبداع بين الأشقاء.

– سيف وأدهم وانلي الفنانان.

– عزالدين ذو الفقار، محمود ذو الفقار، صلاح ذو الفقار.

– نجاة الصغيرة، سعاد حسني.

– صالح الحريبي- وابنه أحمد.

– فاروق الشرنوبي- صلاح الشرنوبى، محمد الشرنوبي.

– شكري سرحان، سامي سرحان.

– أحمد مرعي، محمد مرعي، صلاح مرعي.

– هدى حسين، سمر حسين، سعاد حسين.

– أمل عبدالله، سعاد عبدالله.

– محمد فوزي، هدى سلطان، هند علام.

– عاصي ومنصور الرحباني.

ولأننا لسنا في مجال الإحصاء، ولكن في تقديم بعض النماذج، فإن هناك العديد من النماذج الذي اعتمد أيضًا في الوصول  إلى  مكان في قائمة ما اعتمادًا  إلى  إرث الوالد أو الأسرة. من هؤلاء مثلًا:

– محمد عادل إمام، بنات سمير غانم ودلال عبدالعزيز، بنات نور الشريف وبوسي، وبنت محمود ياسين وشهيرة زوجة محمود ياسين، والممثل محمد رياض زوج ابنة محمود ياسين، وابن شعبان عبدالرحيم، وابن وديع الصافي، وأولاد محمود عبدالعزيز، وابنة فاتن حمامة، وابنة صباح، ولا ننسى ابن محرم فؤاد وابن ماهر العطار، وشقيق عبدالكريم عبدالقادر، وشقيق عبدالله الرويشد، وابن طلال مداح، وعشرات الأسماء.

هذا التوريث لا يشمل الفن، وأقصد الغناء والتمثيل فقط، ولكن أيضًا كرة القدم:

كان النجم الأبرز بيليه وأراد لابنه أن يكون نجمًا فكان مصيره….

ولكن في تاريخ الكرة في دول الخليج هناك أسر قدمت عددًا من الأشقاء:

– أحمد علي الأنصاري ومحمد علي الأنصاري.

– طالب وخالد بلان صابر.

– خالد ومحمد سلمان.

– عادل وعبدالرحمن الملا.

– لاعب نادي المحرق في عصره الذهبي أحمد سالمين ولاحقا ابنه، ولا يمكن أن ننسى في مجال الطرب والدراما:

– يوسف المهنا – عبدالمحسن المهنا.

– علي المفيدي وتميز أولاده حسين وغيره.

– فؤاد الشطي وأولاده.

– فطين عبدالوهاب وأشقاءه، سراج منير، حسن عبدالوهاب.

– هاني حسين، أسامة حسين أشقاء النجم غازي حسين.

– أركان فؤاد – نادية مصطفى.

– وأخيرًا: سؤال طرحته على الأستاذ محمد سعيد آل عبدالله: ما رأيك في هذا الموضوع، هل هذا الطرح مرتبط بـــــ؟

١- الضرورة والمنطق.

٢- أو علم الوراثة.

٣- أو الموهبة حقًا.

فكان رده: وهل هذا في الغرب يتكرر؟

قلت لا.. هناك فقط حالات نادرة مثل: هنري فوندا، جين فوندا، وحالة تشارلي شابلن وإحدي بناته.

**المصدر: مجلة الجسرة الثقافية. العدد: 63

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى