فلسطين في قلب الإبداع القطري

فعاليات ثقافية وفنية تبرز جذور القضية
نادي الجسرة يستحضر تاريخ القدس ويعزز الصمود الفلسطيني
استضاف متحف الفن الإسلامي أمسية شعرية بعنوان “فلسطين- حكاية الأرض” بعثت برسائل التضامن والأمل
ألغت مؤسسة الدوحة للأفلام مهرجان 2023، تضامنًا مع الشعب الفلسطيني وقدمت سلسلة عروض “أصوات فلسطينية”
حضور لافت لمكتبة قطر الوطنية في دعم القضية الفلسطينية من خلال تنظيمها فعاليات متنوعة
___________ طه عبدالرحمن
لا يخفي كثيرون أهمية الدور الذي يقوم به المثقف، كونه ضمير المجتمع، المعبر عن أمته، الراصد لآلامها، المعبر عن طموحات أبنائها. وانطلاقًا من هذا الفهم والوعي بقضية العرب المركزية، وهي القضية الفلسطينية، فقد عكس المثقفون القطريون بتضامنهم دور المثقف وواجبه تجاه أمته.
الحضور الثقافي القطري كان واضحًا تجاه دعم الأشقاء في غزة، على نحو ما عبر عنه فنانون قطريون بريشتهم، وكشفوا حجم المعاناة التي واجهها أبناء القطاع، علاوة على إبراز صمودهم أمام آلة الحرب.
ولم تغب المؤسسات الثقافية والفنية عن هذا الدعم، إذ أقام نادي الجسرة الثقافي الاجتماعي، التابع لوزارة الثقافة، عدة أمسيات استحضرت تاريخ فلسطين، ودور الفن في إبرازها، بالإضافة إلى استحضار تاريخ المسجد الأقصى، وإبراز عراقته، وهشاشة الاحتلال، علاوة على إقامة أمسيات شعرية، عكس خلالها المشاركون صمود فلسطين، وكذلك توجيه التحية لأبنائها.
ضم معرض “الفنون التشكيلية في خدمة الهوية والتراث”، والذي أقامه نادي الجسرة بالتعاون مع جماعة الفنون التشكيلية القطرية مجموعة من الأعمال الفنية التي عكست تضامنًا مع فلسطين، والتي بأعمال وصلت إلى 122 عملًا عرضها نحو 60 فنانًا من أعضاء الجماعة، الذين يزيد عدد أعضائها على مئة عضو من الفنانين القطريين والمقيمين بالدوحة.
وبدوره، استضاف متحف الفن الإسلامي، أمسية شعرية بعنوان “فلسطين – حكاية الأرض”، ازدانت بقصائد من الشعر الفصيح والشعر النبطي، وبعثت برسائل التضامن والأمل مع القضية الفلسطينية وغزة الصامدة في وجه العدوان، واستلهم الشعراء في قصائدهم وكلماتهم موقع القضية الفلسطينية في التاريخ العربي والإسلامي، والوجدان والضمير الإنساني، وأبرزوا الفرق بين الرواية الصحيحة لأصحاب الحق والأرض وبين الرواية الزائفة للمحتل.
واستعاد الشعراء مواقف بطولية ملهمة لأبطال فلسطين الذين حملوا رايات الحق والفداء، وشعب غزة الشامخ الذي زادته التضحيات والآلام إيمانًا بقضيته وأرضه، وألقوا الضوء على مشاهد إنسانية حركت ضمير العالم والإنسانية، وقدمت نموذجًا ساطعًا على البطولة والفداء.
إلغاء “أجيال”
ومن جانبها، أعلنت مؤسسة الدوحة للأفلام إلغاء الدورة الحادية عشرة من مهرجان أجيال السينمائي 2023، تعبيرًا عن التضامن مع الشعب الفلسطيني، وانطلاقًا من أن الوقت ليس للاحتفال، بل وقت العمل والمبادرات الهادفة، وترجمت ذلك باستكشاف طرق جديدة لاستخدام منصاتها لتعزيز وصول الأصوات الفلسطينية إلى أوسع جمهور في جميع أنحاء العالم.
وفي هذا السياق، قدمت المؤسسة سلسلة عروض “أصوات فلسطينية”، لإبراز قوة وتأثير الأفلام في تحقيق التوازن في سرديات الأفلام على المسرح العالمي، انطلاقًا من جهود المؤسسة في إبراز حضور صناع الأفلام من فلسطين لمواجهة الرقابة والتعتيم المفروضين على أصواتهم، وإيجاد فضاء حرّ لتقديم الصورة الحقيقية لقضيتهم وتعزيز التآزر وقيم الإنسانية المشتركة.
وانطلقت السلسلة بعرض فيلم “الزمن الباقي” للمخرج إيليا سليمان، وتم تقديمه بالشراكة مع فيلم لاب فلسطين، كجزء من النشاط العالمي الخاص “مهرجان أيام فلسطين السينمائية”، إحياءً للذكرى السنوية القاتمة لوعد بلفور المشؤوم الذي أُعلن عام 1917 وأدى إلى تدمير الحياة في فلسطين، وضمت العروض العامة، ثمانية أفلام من فلسطين، تم عرضها على مدار أسبوع في المؤسسة العامة للحي الثقافي (كتارا).
المكتبة الوطنية
مكتبة قطر الوطنية كان لها حضور لافت أيضًا في دعم القضية الفلسطينية، وذلك من خلال تنظيمها عدة فعاليات متنوعة، منها فعالية بعنوان” حكاية فلسطين”، تعرف خلالها الحضور على قصة فلسطين، بالإضافة إلى محاضرة كشفت خلالها الوسائل والأساليب التي ينتهجها كيان الاحتلال “الإسرائيلي” في تلفيق الأكاذيب ونشر المعلومات المضللة واستخدام حملات ممنهجة على وسائل التواصل الاجتماعي لتجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، ومحاولة إضفاء الشرعية على المجازر “الإسرائيلية” لإبادتهم عبر حرب شعواء. كما تناولت الوسائل التي أسهم بها الإعلام الغربي في تهميش المعاناة الفلسطينية في انحياز صارخ للكيان الصهيوني.
وتناولت المكتبة “فلسطين ودور التضامن العالمي”، تناولت أسباب الاحتجاجات والتظاهرات العالمية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني والتنديد بالعدوان “الإسرائيلي” الوحشي على غزة، وألقت المحاضرة الضوء على دور هذه التظاهرات والاحتجاجات في تشكيل الموقف الدولي من الحرب على غزة. وعرضت المكتبة فيلمًا وثائقيًّا بعنوان “عباس 36” بالتعاون مع قناة الجزيرة الوثائقية. ويروي الفيلم قصة عائلتين فلسطينيتين سكنتا نفس البيت في حيفا في شارع عباس 36، ويوثق كيف رافق هاجس المكان العائلتين، ويتوقف عند أحداث مفصلية في حياتهم في رحلتي اللجوء والبقاء في الوطن.
وأخذت المكتبة جمهورها في رحلة افتراضية عبر الزمن مع تاريخ فلسطين من عهد أبينا آدم عليه السلام إلى عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، حيث استكشف الحضور الأماكن الإسلامية المقدسة ضمن المشهد التاريخي لفلسطين. كما قدمت المكتبة ندوة أخرى افتراضية دعمًا للشعب الفلسطيني، وإسهامًا في نشر الوعي بتاريخ فلسطين العربي والإسلامي، تناولت القضية الفلسطينية ضمن سياق التاريخ المُعاصر سلطت فيه الضوء على التاريخ العريق لغزة، من خلال استضافة عدد من الخبراء والمهتمين.
دعم فلسطين
وفي سياق الدعم ذاته، أعلن مركز قطر للتصوير، التابع لوزارة الثقافة، تخصيص عائدات عدد من لوحات معرضه “وراء الحدود – ماساي مارا” لصالح دعم حملة “من أجل فلسطين”، وذلك بالتعاون مع قطر الخيرية. وسبق أن دعا المركز، الجمهور إلى زيارة المعرض، للاستمتاع بمشاهدة الأعمال التي يقدمها، والوقوف على اللحظات الساحرة واكتشاف جمال الحياة البرية وقصصها الرائعة التي تسلط الضوء على مناطق خارج حدود قطر، وإلقاء الضوء على قصصها وصورها، حيث يضم هذا المعرض قرابة 48 عملًا أنجزها ستة من المصورين القطريين، ضمن جولتهم لمحمية “ماساي مارا” الوطنية في كينيا. ويعتبر المعرض الأول من سلسلة معارض وراء الحدود التي تهتم بتسليط الضوء على صور وقصص من مناطق خارج حدود قطر وحدود الأماكن المألوفة للناس.
معارض تشكيلية
في سياق الدعم ذاته، احتضنت مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، معرضًا طلابيًا قدم أكثر من 100 عمل فني يلقي الضوء على التراث الثقافي الفلسطيني الغني في شتى تجلياته، بدءًا من العلم إلى قبة الصخرة، وجسدت الأعمال الفنية المعروضة جوهر الرواية الفلسطينية.
وشهد مركز كتارا للفن، معرضًا جماعيًّا حمل عنوان “فن الجرافيك المعاصر”، وذلك بتعاون الفنانين التشكيليين وضحى السليطي، وعبدالرحمن المطاوعة، وبمشاركة 15 فنانًا من قطر ودول الخليج والوطن العربي، وجاء المعرض في نسخته الأولى بتنظيم جماعة الطباعة اليدوية وجاليري عشق الحروف.
وتزامن إقامة المعرض مع العدوان على غزة، ووفق ما تؤكده الفنانة وضحى السليطي فإن ذلك كان دافعًا لتنظيم الفنانين وقفة تضامنية مع غزة، وضمن إطار دعم القضية الفلسطينية. وتقول: “نعتبر أنفسنا أصحاب القضية ونشعر بكل المعاناة التي يعانيها الشعب الفلسطيني، وهذه رسالتنا من الناحية الفنية والإنسانية، وانطلاقًا من دورنا كفنانين، فقد قررنا تخصيص جزء من مبيعات الأعمال الفنية بالمعرض لدعم أهلنا في غزة”.
مساهمات فنية
وعلى صعيد المساهمات الشخصية للفنانين المعبرة عن دعمهم للشعب الفلسطيني، أنجز عدد من الفنانين التشكيليين أعمالًا تعكس تضامنهم مع القضية الفلسطينية، وإبراز صمود الشعب الفلسطيني، على نحو ما أنجزه الفنان التشكيلي حسن الملا، والذي فرغ من مجموعة من الأعمال الفنية الداعمة لصمود الشعب الفلسطيني في الأراضي العربية المحتلة.
ويقول الملا: إن هذه الأعمال تعكس رفض جرائم الحرب، ودعم صمود الشعب الفلسطيني، وأن هذه الأعمال تنطلق من كونه فنانًا قطريًّا يؤمن بدوره تجاه ما جرى من عدوان تجاه الشعب الفلسطيني في غزة، والتعبير عن ذلك فنيًّا.
ويتابع: لذلك “استعملت حرف لا لا، ورمز حمام السلام، في إشارة لرفض قبول السلام الكاذب مع العدو الذي لا يستحق حسن التعامل كما نراه في ممارسة جرائمه، على نحو ما تعكسه ممارساته الوحشية، من تدمير وقصف وقتل الأطفال وكبار السن، علاوة على تخريب البنية التحتية، وغير ذلك من جرائم”.
ويضيف أن هذه الأعمال تعبيرية، تجسد رفض الجماهير العربية لما يمارسه الاحتلال الصهيوني من جرائم مرفوضة ضد الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، “كما أنني في كثير من المناسبات، عبرت عن رفضي لتوقيع معاهدات السلام مع الكيان الصهيوني، من خلال أعمالي الفنية، وذلك لأنه كيان غاصب، يمارس الكذب ولا يتقيد بالمواثيق والقوانين، علاوة على جرائمه بقتل وطرد السكان الأصليين من بيوتهم ومطاردتهم وهدم مدارس الأطفال على رؤوسهم”.
ويلفت إلى أن من بين اللوحات الفنية التي سبق أن أنجزها، وتبرز جرائم الاحتلال الصهيوني، لوحة تحمل حروف “لا ولا وألف لا للتطبيع”، بالإضافة إلى لوحة أخرى تتضمن صورة للطفل الفلسطيني محمد الدرة، الذي هز استشهاده العالم آنذاك. موضحًا أنه يحرص في مثل هذه الأعمال على التعبير عن رفضه للحرب على الشعب الفلسطيني بأعمال مستوحاة من المعارك والخيول والسيوف، لتأكيد رفضه لممارسات الاحتلال الصهيوني في الاعتداء على أبناء وبنات الشعب الفلسطيني، والمحاولات البائسة لتهجير سكان غزة.
ومن جانبها، أنجزت الفنانة التشكيلية مريم الملا عملين يعكسان دعم القضية الفلسطينية. وتقول: أنجزت عملًا فنيًّا، يعكس حياة المرأة الفلسطينية، في أجواء صمودها أمام العدوان على غزة، ويبرز هذا العمل مدى قوة وصلابة المرأة الفلسطينية إزاء العدوان، ولذلك رسمت امرأة لها أكثر من يد، إحداها تحتضن بها ابنتها التي تخشى القصف “الإسرائيلي”، والأخرى ترفع بها علم فلسطين، بالإضافة إلى يد تعكس إشارة النصر، وأخرى تحمل بها قلمًا تكتب به في ورقة رسالة إلى أولادها توصيهم فيها بعدم نسيان فلسطين.
وتتابع: إن هذه اللوحة شهدت تفاعلًا كبيرًا من جانب أصحاب الذائقة الفنية. مبدية سعادتها بأن تقدم أقل القليل الذي يدعم الشعب الفلسطيني، لا سيما أبناء غزة. لافتة إلى أنها أنجزت هذه اللوحة خلال فعالية أقامها الهلال الأحمر القطري، وجرى تخصيص عائدها لدعم الشعب الفلسطيني في غزة، بجانب لوحة أخرى رسمتها عن فلسطين، خصصتها لأحفادها، لتقديمها إلى مَدْرستهم.
وعن دور الممثل تجاه دعم القضية الفلسطينية. يقول الفنان عبدالله غيفان: “إننا كفنانين قطريين لدينا حب كبير تجاه فلسطين، انطلاقًا من مبادئ وقيم عروبية، لاسيما واجب النصرة والدعم حاليًا، في ظل ما يتعرض له الأشقاء في غزة من عدوان همجي، يقابله صمت عالمي، ومخططات عدة، الأمر الذي يستوجب معه دعم الأشقاء في ظل هذه الظروف، والأوضاع المأساوية التي يعيشونها، والتي تستهدف إبادتهم إبادة شاملة”.
ويعرب الفنان عبدالله غيفان عن أمله في أن يشهد المستقبل القريب الانخراط في تقديم أعمال درامية ومسرحية توثق المجازر التي يرتكبها الاحتلال بحق الأشقاء في غزة، وعرضها على خشبة المسرح وعبر شاشات التلفزيون، “وهذا أقل القليل الذي يمكن أن يقدمه الفنان لأهله في فلسطين، وخاصة غزة، وذلك بالشكل الذي يبرز معه أيضًا الملاحم التي يقدمها الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، إذ إنه رغم كل المآسي والجراح والاعتداءات التي يتعرض لها، إلا أنه يسجل صمودًا تاريخيًّا في الصبر والمواجهة، وهو سمة يتميز بها الأشقاء في فلسطين”.
** المصدر: مجلة الجسرة الثقافية. العدد: 63