رحيل المبدع الدكتور أحمد عبدالملك

 

  **بابكر عيسى

«لِلَّهِ مَا أعطَى ولله ما أخذ».. رَحَل عن دنيانا الأخ الصديق والكاتب المبدع والإعلامي القدير والأكاديمي البارع الدكتور أحمد عبدالملك (١٩٥١ – ٢٠٢٦) بعد رحلة عامرة بالعطاء في مجال الإبداع، حيث كان -عليه رحمة الله- شعلة متقدة من العطاء والشغف في مجالات متعددة وساحات فسيحة ملأها بحضوره الزاهي والبراق وبابتسامته الودودة وتواصله الأخوي وعشرته الطيبة.«كل نفس ذائقة الموت» .. كلنا نقف في الطريق ذاته ننتظر القدر، حيث لن يبقَى من الإنسان سوى الأثر الطيب والسيرة الحسنة والعطاء الإبداعي في مختلف المجالات .. كان الفقيد عليه رحمة الله إنسانًا شهمًا ومؤلفًا فذًا -بلغت إصداراته الخمسين- وقلمًا صادقًا وعقلًا حاضرًا أسهم في تشكيل الوعي وترسيخ القيم.
بدأ مذيعًا بالتلفزيون، وتواصل شغفه الإعلامي كاتبًا صحفيًا ورئيسًا لتحرير صحيفتي الشرق والجلف تايمز الإنجليزية .. ومحاورًا إذاعيًا خلف مايكروفون الإذاعة ووراء عدسة التلفزيون وفي الندوات والمجالس وفي المركز القطري للصحافة .. ترك رصيدًا معرفيًا وأدبيًا ستنهل منه الأجيال .. كان الراحل أحمد عبدالملك وجهًا حاضرًا في محيطه القطري والخليجي والعربي .. وسيبقى اسمه مقرونًا بالعلم والصدق والمسؤولية.
قال في رثائه سعادة الدكتور حمد بن عبدالعزيز الكواري: إنه «ترك بصمته في المشهد الثقافي بكتاباته الجريئة وأعماله السردية التي لامست هموم الإنسان والمجتمع وحظي بقراء ومتابعين أوفياء في قطر والخليج والعالم العربي … وكان قلمه جسرًا للحوار والتنوير وصوته معبرًا عن وعي المثقف ومسؤوليته وسط حضور إنساني وثقافي في المجالس والمنتديات».
من محاسن الصدف أن معرفتي بالدكتور أحمد عبدالملك كانت في سبعينيات القرن الماضي -وكان أول شاب قطري أتعرف عليه حتى قبل قدومي إلى قطر في مطلع الثمانينيات- تشاركنا في ورشة عمل نظمتها مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول الخليج العربية بدولة الكويت الشقيقة لتعريب برنامج «افتح يا سمسم» .. كان المغفور له ممثلًا لبلاده قطر في الورشة التي استضافها فندق «هيلتون الكويت» والتي امتدت قرابة الشهر، وكنت ممثلًا لبلادي السودان .. وقد حقق ذلك البرنامج بعد تعريبه نجاحًا كبيرًا ومميزًا وغير مسبوق بدول الخليج العربي والساحة العربية بلا منازع .. وشارك في تلك الورشة أساتذة واختصاصيون من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ودول الخليج العربية وعدد من الدول العربية.
ما زلت أذكر تلك الجلسات المسائية التي تبادلنا خلالها الحديث عن القضايا الثقافية والفنية والسياسية في العالم العربي، والتحديات المتعاظمة التي كانت تواجه الأمتين العربية والإسلامية … كان حديثًا ثرًا ومفيدًا، وكانت الكويت متوهجة في ذلك الزمان، وقد عكست كل ذلك عبر سلسلة مقالات وحوارات نشرت بجريدة الأيام السودانية.
الراحل أحمد عبدالملك يترك انطباعًا إيجابيًا على كل من يقترب منه .. عندما حضرت للدوحة وانضممت لفريق العمل الصحفي بجريدة [ توطدت علاقتي بالدكتور أحمد عبدالملك وهي رحلة امتدت منذ ذلك الزمان، حتى رحيله يوم الإثنين ١٩ يناير ٢٠٢٦ حيث حضرنا مع كوكبة من الإعلاميين الصلاة على جثمانه الطاهر ومواراته الثرى بمقبرة مسيمير.


الموت حق على الجميع … أول ما علمت بخبر الرحيل الفاجع سعيت للاتصال بابنته المحبة لوالدها الإعلامية النابهة أمل عبدالملك ولم أتمكن من التواصل معها وبعثت لها برسالة نصية عبر الهاتف أنقل لها التعازي الحارة بفقد والدها. طائر الموت عندما يحلق فوق الرؤوس تأتي النتيجة الحتمية وهي الرحيل عن هذه الدنيا الفانية تاركين خلفنا قلوبًا مكسورة وعيونًا دامعة ودعوات صادقة أن يرحم الله موتانا وموتى المسلمين وأن يسكن فقيدنا وفقيد الساحة الإعلامية والثقافية الراحل الدكتور أحمد عبدالملك عالي الجنان.
العزاء موصول لرفيقة درب الراحل الأستاذة عائشة التميمي التي رافقته طيلة مشوار عمره وكانت له نعم السند ونعم الرفيق، وأن يلهمها الله الصبر والسلوان، وإلى ابنه محمد الذي لم تتح لي الفرصة للتعرف عليه عن قرب، حيث إن مجال اهتماماته أقرب إلى اهتمامات السيدة والدته على عكس ابنته النابهة أمل عبدالملك التي تشاركنا في الكثير من مناشط المركز القطري للصحافة.
غياب الدكتور أحمد عبدالملك سيبقَى بطعم المر ولكن كلماته «مغربية» التي تغنى بها الرائع المطرب علي عبدالستار ستبقى حلقة في آذاننا طربًا وذكرى.
هذه هي الدنيا رحلة يقطعها الإنسان بين الأمل والتفاؤل والحب، والخيرون هم الذين يتركون وراءهم إرثًا طيبًا، وسمعة طاهرة، وقلوبًا نقية لا تعرف البغض والكراهية .. والإرث الذي يخلفه الإنسان هو الذي يبقى في وجدان أبنائه وأحفاده ومحبيه .. نرحل لأن الرحيل هو مصير الأولين والآخرين والذين يحملون قلوبًا نقية سيبقى ذكرهم في وجدان كل الذين أحبوهم .. فليرحمك الله يا أحمد ويجعل مثواك الجنة مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا.

** المصدر: جريدة “الراية” 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى