(ذات الرداء الأحمر).. مسرحية تأسست على (لذاكرة الإنفعالية«)

الجسرة الثقافية الالكترونية

دعت مسرحية «ذات الرداء الأحمر»، التي تعد الثالثة في المشاركة المحلية في الدورة الواحدة والعشرين لمهرجان المسرح الأردني، وقدمتها فرقة جسد لفنون الأداء، إلى رفض واقع هذه الفوضى القائمة الآن في الجغرافيا العربية، من قتل، ودمار ليس في الاقتصاد وتدمير المدن العربية التي لا تخلو من عراقة دينية وتاريخية حسب، وإنما في قتل الروح الداخلية للإنسان لجهة تخليه عن القيم التي تنظم وتنهض بنسيج هذه الأمة.

ما ميز الرؤية الإخراجية في المسرحية، التي ألفها وأخرجها ووضع السينغرافيا لها محمد بني هاني، قدرتها على طرح فضاء دلالي، عكس طبيعة الحياة الواقعية التي يعيشها الإنسان العربي، من حيرة شديدة لعدم قدرته على تحليل ما يجري الآن من نكوصات أخلاقية متسارعة تتفشى في جسم المجتمعات العربية، بفعل تراكمات السياسات الأمنية التي سادت ولا تزال تسود البلاد والعباد.
إلا أن رسالة المسرحية الأساس جاءت ضمن حوارات الشخوص: هم يصنعون الموت ونحن نصنع الحياة.
وهيمنت جمالية الصورة على طرح اللغة المسرحية، وبخاصة عندما كانت تعيد المقترحات الإخراجية، الأحداث إلى الوراء، التي تفاجأت بها الشخوص، عبر تقنية المونتاج والقطع السينمائيين لفهم ما جرى ويجري معها من أحداث صادمة، كتلك الإنفجارات الدموية المفاجئة، أو تلك الإنفجارات العميقة في النفس الإنسانية بفعل الحب الذي نشأ بين ذات الرداء الأحمر وشخصية الشاب، ولكن في كل محاولة لفهم ما جرى كان يزداد تشظي الوعي لكل شخصية، على مستوى فكرها الإنساني.
تصميم مسار الأحداث جاء دائرياً، بمعنى رجوع الشخوص بالأحداث دائما إلى نقطة البداية، ومن ثم الانطلاق منها إلى أحداث أخرى، وفق شكلٍ مسرحي تأسّسَ على تقنية الذاكرة الانفعالية. فعندما كتب الشاب ذو البزة البيضاء حكاية تأسست على وجود صديقه دون علم الأخير، إلا أنه يجد نفسه قد أصبح جزءا من الحكاية، كما ويجد نفسه ضمن مشاهدات قد عاشها سابقا، وبخاصة مع شخوصها، وكتب هذه المرحلة الزمنية التي جمعته مع هؤلاء الأشخاص في كتاب، ولكنه بدأ يشك بأنه ليس هو في النهاية الذي يكتب هذا الكتاب أو بمعنى آخر هناك قدر أوسلطة غير مرئية ترسم وتكتب هذه الحياة.
وصَمّمت هذه الرؤية، في هذه المسرحية التي عملت فيها جويس الراعي مساعد مخرج، الشخوص في الفضاء المتخيَّل، وفق تفاعلات متسلسلة، على مستوى الحلم والواقع، وهذا لجهة المعنى، واندفاع الشخوص بالإحداث بفعل ميلاد كل حدث عن حدث آخر، نتيجة التقاء أربعة شخوص في الراهن، في إحدى المدن العربية المشتعلة صراعات داخلية وخارجية: بائع كتب جسده خالد الطريفي، وسيدة ترتدي رداء أحمر جويس الراعي، وشاب يرتدي بزة بيضاء اسحاق إلياس، ونادل يصنع القهوة محمد الإدريسي، وسائحة أجنبية ياسمين قادري.
ويبدوا أن مخرجنا بفعل مراكمته الاشتغال على تقنية الذاكرة الإنفعالية وبخاصة في أعماله الأخيرة، لتفسير الأحداث وتوضيح المزاج الإنساني الواسع للشخوص، أضاء هذا الاشتغال فضاء هذه المسرحية بثراء المعنى وجمالية المبنى.
فوظف الإنفعال الإنساني الذي يدرك الخوف بواسطة، النبش في الذاكرة الإنسانية، كحالات القلق والرُّهاب والهلع، وهجمة الفزع، كالتي كانت تنتاب هذه الشخوص بتوقع الإنفجارات، التي تعصف بحيويات المدنيين، وتارةً ثانية الحالات التي تنتابهم بعد الإنفجارات، وتارة ثالثة بقلق توقع الإنفجار المقبل.
كما وكان لهذه التقنية، في هذا العرض الذي نفذ الصوت فيه لسعد لافي، النجاح بالتأشير دلاليا لطرح الحلول لدى المواطن، للخروج من جحيم هذا الواقع بالهجرة إلى إحدى دول الشمال الصناعي، ولكن أشارت دلالات الأحداث أن هذا المواطن بعد هجرته إلى هناك وجد نفسه ليس بأحسن حالا مما كان هو عليه.

الراي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى