هلا الشروف تكتب: حين يخرج النهر من النهر

-هلا الشروف-
هذا هو الشعاع الذي جعلني أحيا إلى الآن.
من أعلى الشجرة أطلُّ على المشهد الكلّي
كما لا أستطيع مع الذاكرة:
الحشائشُ الحرَّةُ في مهبِّ الريح،
الريحُ الحرةُ فوق ماء النهر،
النهرُ الحرُّ في الطريق إلى اليابسة،
الطريقُ الحرُّ إلى نفسه،
والطبيعةُ الفذّةُ في سردِها للحكاية:
تخرجُ الريحُ من الريحِ فيبقى الصدى
يخرجُ النهرُ من النهر، فتبقى الحصى وحدها في الممرّ
يخرج الليلُ من الليل، فيبقى السواد على حاله
يخرج الضوءُ من الضوء، فيبقى الطريقُ إلى نفسه واقفاً في المكان،
هذا هو المكان الذي لم أصِلْهُ:
نقطة البدء في أي شيء.
في الأماكن المُشتهاةِ قلتُ:
“أبارِكُكِ أيتها المسافةُ”،
يا صَنعةَ الربّ وحكمَتَهُ
يا معبدَ الروح،
ويا سيّدةَ الوضوح،
يا حجري في قوّة العاصفة،
يا ثِقَلي في خفّة القلب.
في حُلكة اللحظةِ الأبديةِ قلتُ:
“أباركُكَ أيها السواد”
يا سَترَ الملاك وسُترتَهُ
يا مِصعدي صوب جوفي
يا سيّد الإيمان
يا قوّتي في عصفةِ الإعصار
ويا خفَّتي في وطأة النار.
في لحظة القتل قلتُ:
“أباركُكَ أيها الموت”
يا وجهةَ الكائنات
يا مُغلقَ الطرقاتِ
ويا مُطلقَ الأرواح،
يا رافع البشريّ إلى سدرة المُنتهى
يا مُسلِمَ النجمِ إلى صفة الزوال
يا سيّد الأمثال.
هذا هو السؤال الذي جعلني أُبعَثُ في الجبال
على شكل امرأةٍ من جلالة،
وكلَّلني بانتباهٍ جديد:
“بماذا أباركُكَ أيها الألم، سوى بالحصاد؟”