عقول الفلاسفة وجيوبهم

Latest posts by عبد السلام بنعبد العالي (see all)

تبدو العلاقة بين عقول الفلاسفة وجيوبهم، لأول وهلة، علاقة أفلاطونية بأكثر من معنى. فهي أوّلا، على الأقلّ كما يشاع عنها، علاقة مثالية وليست «مادية». ثم، ثانيا، لأن الفكرة التي قد تبدو لنا اليوم من البداهات التي نتداولها، والتي ترى أن على الفيلسوف أن يحتقر المال، هي فكرة ذات أصول أفلاطونية. أفلاطون هو أوّل من نظّر لها. فهو القائل في محاورة «المأدبة»: «من المخجل أن يدع المرء نفسه عرضة لإغراء المال». على الفيلسوف أن يبتعد عن المال كي يتميّز عن السفسطائي الذي يحكمه «التعطّش الذي لا يُروى للذّهب والمال». السفسطائيون «لا يُسدون النصيحة من غير مقابل مادي». لقد كانوا، بلغة اليوم، كوتشات ومرشدين متجوّلين يعلّمون ما ندعوه فن التواصل، أي فنّ صناعة الخطابات وإقناع المتلقّين، وهي أمور كانت ضرورية لنيل الثّقة في الديمقراطية الأثينية.

يقدّم لنا أفلاطون صورة عن فيلسوف يتمتّع بما يكفي من أوقات الفراغ، تلك الأوقات التي يسميها الإغريق skholê، وهي الكلمة التي سيشتقّ منها فيما بعد ما يعني المدرسة والتفرّغ للتعلّم. السخولي، كما يرى بورديو، «هي التي مكّنت الفيلسوف من أن ينسج علاقة تأمّلية خاصة مع العالم، مع عالم حرّ متحرّر من متطلّبات اليومي».

احتقار الفيلسوف للمال فكرة أفلاطونية سرعان ما تخلّى عنها تحت ضغط الحاجة

غير أن «متطلّبات اليومي» هذه لا ترحم، وسرعان ما ستعرِّي الطّبيعةَ الفعلية لهذه العلاقة وتكشفُ عن حقيقتها، وهذا حتى بالنسبة لأفلاطون نفسه. إذ إن ظروفا طارئة ستجعل صاحب «المأدبة» يغيّر موقفه رأسا على عقب. وبالفعلّ ففي سنة 367 ق. م، حطّ أفلاطون في جزيرة سيراكوز كي يسدي النصيحة للطّاغية دينيس الأصغر، مثلما سبق أن أسداها لوالده. سيكشف لنا الخطاب الثالث عشر أفلاطونَ آخرَ يشكو من سوء أحواله المادّية ويطلب المعونة من الطّاغية. وهكذا سيتبيّن فيلسوفنا، هذه المرة، أنّه ليس بعيدا كلّ البعد عن «أعدائه» السفسطائيين، وأنّ هناك علاقة وطيدة بين العقول والجيوب، بين عالم الفكر، le monde où l’on pense، وعالم صرف الأموال le monde où l’on dépense، على حدّ قول هنري دو مونفاليي في كتابه «محفظة نقود الفلاسفة».

هيجل.. حياة صعبة

سبق أفلاطونَ في وضع اليد على هذه العلاقة بعضُ من تقدّموه مثل طاليس الذي كان ابن تاجر، وكان هو نفسه تاجرا. بل إنّه لم يتردد في توظيف معرفته بهدف تحقيق الأرباح. وهكذا يقال إن مراقباته الفلكية قد مكّنته من أن يتنبّأ بمحصول وافر من الزّيتون «ممّا دفعه لأن يكترى جميع المعصرات في منطقته بهدف كرائها لغيره من جديد بعد جني المحصول».

سيظهر بعد أفلاطون فلاسفة يُخفون ثرواتهم أو يتغافلون عنها، فيظهرون احتقارا للثّروة. بل إنّ منهم من سيبالغ في ذمّ المال، والدعوة إلى عدم الجري وراءه. هذه حال الرواقي سينيكا الذي كان من أكبر أغنياء عصره، إلاّ أن ذلك لم يمنعه من أن يقول في كتابه «الحياة السعيدة»: «إن الحكيم لا يقع في حبّ الثروة، وإنّما يفضلها، وهو لا يضعها في قلبه، وإنما يدعها في محل سكناه». وعلى رغم ذلك، فالتّاريخ يسجّل أن هذا الحكيم الرّواقي لم يعرف الحاجة في يوم من الأيام، ولم يتخلّ قط عن ثرواته كي يعيش مثل ديوجين الكلبي على سبيل المثال. لقد ظلّ سينيكا ينظّر لوضع لم يعشه بالفعل في أيّ حقبة من حياته.

ظهور النقود والمساومة حول قيمة السلع لم يكن بعيدًا عن ميلاد الفلسفة عند الإغريق كنقاش عقلاني يعتمد الحجج

لم تكن هذه حال بعض المحدثين من الفلاسفة العظام. فهذا كانط الذي لم ينظُر طيلة حياته إلى النقود إلا كوسيلة من وسائل إسداء المعروف. وهذا هيجل الذي لم يذق شيئا من اليسر في حياته إلاّ بعد أن تجاوز سنّ الخمسين، هو الذي لم يعمّر إلاّ ما يقرب من ستّين سنة. وهذا كارل ماركس الذي كتب مرّة إلى صديقه إنجلز : «لا أظن أن أحدا كتب عن النّقود مثلي مع افتقاره إليها إلى هذه الدرجة».

وما حال المعاصرين؟ علينا أن نستثني حالات نادرة كحال لودفيك فيتغنشتاين، الذي كان ابن أحد أكبر الأغنياء النّمساويين، والذي تخلّى عن تركة أبيه الضّخمة كي يعيش معتمدا على وسائله الخاصة، ويمارس مهنا دون مستواه المادي، إذ اشتغل معلّما فبستانيا، ومع ذلك، فقد اكتفى بأن يعيش الفقر من غير تنظير ولا تمجيد. ربّما أمكن أن نقرن بهذه الحالة حالة سارتر، الذي رفض جائزة نوبل، والذي اشتهر بسخائه إلى حدّ أن فيليب سولرس قال عنه ذات مرّة: «إنّ سارتر مستعدّ دوما لأن يهبك القميص الذي على ظهره». عدا هاتين الحالتين، يتبقّى لنا أساسا، فضلا عن الفلاسفة الأساتذة، فلاسفةٌ يعيشون ممّا تدرّه عليهم كتبهم التي ينشرونها. كانت النوفيل أوبسرفاتور قد أحصت أن نحو 99 في المائة من الذين ينشرون كتبا في الفلسفة في فرنسا لا يتمكّنون من سدّ حاجياتهم الأساسية اعتمادا على ما تدرّه عليهم تلك الكتب وحدها، وأنّهم مجبرون على امتهان حرفة أخرى إلى جانب ذلك. الواحد في المائة المتبقّي هي الحالات الاستثنائية التي تؤكد القاعدة. وهي تنحصر أساسا في خمس حالات مشهورة: ف. لونوار، وم. أنفري، وش. بيبان، ول. فيري، وأ. كونت-سبونفيل.. هذا الأخير مكّنته منشوراته ومحاضراته التي يتنقل فيها بين جميع الفضاءات وبين جميع الموضوعات، مكّنته من أن يصبح من أغنياء الفكر إلى حدّ أنه تخلّى عن التّدريس في الجامعة، واكتفى بأن يجعل من الفكر حرفة تدرّ عليه أموالا لا مقارنة بينها وبين ما كانت كتب كانط وهيجل تدرّه عليهما على الإطلاق.

ماركس.. المفلس يكتب عن رأس المال

تدلّ هذه الأسماء البارزة على السّاحة، والبارزة أيضا على شاشات التليفزيونات، على طبيعة الصّلة التي أصبحت تربط تداول المال بتداول الأفكار. صحيح أنّ العلاقة بين هاتين الدورتين علاقة غارقة في القدم حتى أنّ أحد أكبر الدّارسين للحياة اليونانية قد ذهب إلى القول «إن ظهور النقود لم يكن بعيدا عن ميلاد الفلسفة عند الإغريق كنقاش عقلاني يعتمد الحجج. فالمساومة وتحديد الثّمن المناسب بدلالة قيمة السلعة، يمكن أن يعتبرا، مثل الحوار السياسي، كأشكال لانفتاح العقل اتجاه تقليد راسخ يكتفي بأن يتناقل الآراء من غير جدال»، إلاّ أن هوس الكسب الذي أصبح يطبع الإنتاج الفلسفي اليوم يرغمنا أن نميّز بين فيلسوف مثل كانط أو هيجل الذي لم ير نجاحا كبيرا لمؤلفاته ربّما حتّى آخر سنوات عمره، وبين فلاسفة «مجتمع الفرجة» الذين يعجزون اليوم عن تحديد مبيعات كتبهم من شدّة كثرتها. وشتان بين فقراء الجيب وأغنياء العقل من جهة، وبين أغنياء الجيوب وفقراء العقول من جهة أخرى.

مجلة الجسرة الثقافية – العدد 59

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى