تحت سماءٍ تُمطرُ رصاصًا

Latest posts by جيوكوندا بيلي (see all)

ترجمة: أحمد عبد اللطيف

امرأة بمزايا الذكور

ثمة شيئان لم أخترهما مع ذلك حددا شكل حياتي: البلد الذي ولدتُ فيه، والنوع الذي جئت به إلى العالم. وربما لأن أمي عاجلها الطَلْق فيما كانت في استاد سوموثا بـ ماناغوا لمشاهدة مباراة بيسبول، صار مصيري حرارة الجماهير. وربما ترجع حرارة الجماهير إلى خوفي من الوحدة، وحبي للرجال، ورغبتي في تجاوز القيود البيولوجية أو المنزلية، ومنافسة الرجال في أماكنهم في العالم. كان أمام الاستاد حيث غادرت أمي ركضًا إلى المستشفى، تمثال فوق فرس لـ أناستاسيو سوموثا غارثيا، الديكتاتور الذي أسس في ماناغوا الأسرة الساموثية عام 1937. من يدري أي جينات انتقلت في السائل الأمنيوتي حينها، لكن بدلًا من أن ينتهي بي المطاف رياضية تحمل مضربًا في يدها، انتهى بي وأنا أبارز بكل الأسلحة مشهّرة في وجه ورثة هذا الفارس، والمشاركة في نضال لتحرير بلدي من واحدة من أطول الديكتاتوريات بالقارة الأمريكية.
لم أكن متمردة منذ الطفولة. بالعكس. لم أكن أتمتع بما ينبئ أبويّ بأن هذه الطفلة الصامتة والعذبة والمهدهدة في صور طفولتها ستغدو امرأة متمردة ستسرق من عينيهما النوم. تمردتُ متأخرًا، بعد أن كرست سنوات مراهقتي للقراءة.

كنت أقرأ بنهم وبسرعة فائقة. كان خوليو بيرني وجدي بانتشو – مَن كان يمدني بالكتب- المسؤولَين عن تطوير خيالي بلا قيود، وبلوغ الاعتقاد بأن الحقائق الخيالية يمكن أن تتحقق. لقد عثرت الأحلام الثورية على أرض خصبة بداخلي. نفس الشيء حدث مع أحلامي الأخرى ذات العمق الجندري. غير أن فتيان أحلامي كانوا محاربي عصابات، وبطولاتي الأسطورية فعلتها فيما كنت أغير حفاضات وأغلي رضعات.
كنت دومًا امرأتين، وعشت دومًا حياتين. واحدة منهما كانت تريد أن تتبع كتالوج الأنوثة الكلاسيكي: أن تتزوج وتنجب وتكون لطيفة وطيعة، وأن تكون مربية. فيما كانت الأخرى تتطلع إلى مزايا الذكور: الاستقلال، الاكتفاء بالتقدير الذاتي، التمتع بالحياة العامة وحرية الحركة والعشاق. لقد كلفني جزءًا كبيرًا من حياتي تعلم الموازنة بين المرأتين وتوحيد قواي بيدي وأسناني، حتى لا يلتهمني الصراع بينهما. وأظن أني في النهاية تمكنت من أن أجعلهما تتعايشان تحت جلدي. ومن دون أن أنكر أنوثتي، أعتقد أني حققت رجولتي.

اختبرت طاقات هائلة تنطلق حين يتجرأ المرء على تجاوز الخوف

الأعقد كان التوفيق بين الحياتين. لأنه يعني تذويب الجغرافيا بينهما. أن أحمل الماضي وأحمل بلدي على كاهلي وأرتحل به ببساطة ليس إلى أي مكان، إنما إلى الشمال، إلى البلد الذي نسج شبكة صيد هلكت فيها سمكات أحلامي الفانتازية . وبعد عام حققت فيه أنا وكثيرون مثلي أعنف أحلامنا بكل بهجة ومن دون أن نصدق، عاد بلدي إلى الحرب، إلى النزيف.
بدلًا مِن المَن مِن السماء، أمطرت رصاصات؛ وبدلًا من الغناء في كورال، انقسمنا نحن النيكارغويين؛ وبدلًا من الرخاء، حلّ الفقر. وفيما كان شعبي يكتب على الجدران “أيها الأمريكي، عد إلى بيتك”، وقعت أنا في حب صحفي أمريكي. حين لم يتبق من ثورتي إلا أصداء وبعض آثار، جرني الحب الذي لم أستطع مقاومته من قبل، لتوقيع اتفاقية مع الحبيب، بموجبها حكم عليّ بقضاء بعض الوقت في بلده. وبسبب هذه الشرارة السحرية، مثل الأميرات في قصص الأطفال، أقضي شطرًا من حياتي أغدو فيه عصفورًا يغرد في قفص ذهبي ويتوق إلى أصوله البعيدة. ومن قفصي المطوّق بالنخيل والدافئ بشمس كاليفورنيا أحاول التصالح مع بلد مزّق طائرة ورقية كنت أطيّرها كطفلة كبيرة؛ أحاول أن أنظر إليه بعينيّ الرجل الذي أحبه. أنا تائهة في مجاهل مدينة كبيرة بالولايات المتحدة، مجرد امرأة إضافية. أمٌ تقود ابنتها إلى الروضة وتنظم مواعيد لعبها. ما من أحد يشتبه، حين يراني، أني تعرضت للمحاكمة وأدانتني محكمة عسكرية بالسجن لكوني ثورية.

نعم، لكني عشتُ حياةً أخرى. كنت عضوة في تنفيذ بطولات كبرى، ومخطِطة لهذه البطولات وشاهدةً عليها. عشت شهور حمل ولحظات ولادة طفلة جاءت مكسوة بلحم شعب كامل وبدمه. شاهدت الجماهير وهي تحتفل بنهاية خمسة وأربعين عامًا من الديكتاتورية.
اختبرت طاقات هائلة تنطلق حين يتجرأ المرء على تجاوز الخوف وفطرة حب الحياة، من أجل غاية تتجاوز ما هو فردي. بكيت كثيرًا، لكني ضحكت كثيرًا كذلك. عرفت سعادة التخلي عن الأنا ومعانقة النحن. وفي هذه الأيام التي يسهل فيها السقوط في السخرية والكفر بكل شيء والتخلي عن الأحلام قبل حتى منح فرصة لأجنحتها كي تنمو، أكتب هذه المذكرات دفاعًا عن تلك السعادة التي تستحق أن نحيا من أجلها وحتى أن نموت من أجلها.

من حيث تبدأ الذكرى

كوبا – 1979

كل طلقة كانت تفتق جسدي. رعدها كان ينفض كل مفصل من مفاصلي ويخلّف في رأسي صفيرًا لا يحتمل، حادًا ومربكًا، لا أحد يعرف من أين ينبع. عار عليّ أن أعترف بكراهيتي للرصاص. كنت أغمض عينيّ بقوة لحظة الضغط على الزناد، داعيةً ألا ينحرف ذراعي عن الهدف لحظة العمى هذه. وبعد إطلاق النار كانت تملؤني الرغبة في رمي السلاح كأنه مشتعل، كأن جسدي يستعيد سلامته عند التخلص من عضو قاتل كنت قابضةً عليه بيدي ومستريحًا على كتفي.

لم أكن أتمتع بما ينبئ أبويّ بأن هذه الطفلة الصامتة والعذبة والمهدهدة في صور طفولتها ستغدو امرأة متمردة ستسرق من أعينهما النوم

حدث ذلك في صباح أحد أيام يناير من عام 1979. طوّق النهار رياحٌ شمالية باردة بجو نقي وصافٍ. كان من الممكن أن يغدو يومًا مثاليًا للذهاب إلى الشاطئ أو الاسترخاء على العشب تحت أشجار الصنوبر وتأمل الكاريبي. بدلاً من ذلك، وجدت نفسي في ميدان رماية برفقة جماعة من محاربي العصابات الأمريكيين اللاتينيين، وبيدي بندقية من طراز AK 47. ومن ورائي كان فيديل كاسترو يتحدث إلى مجموعة وينظر إلينا.

فيدل كاسترو

قبلها بنصف ساعة تقريبًا، وفي جو يشبه رحلة مدرسية سعيدة، وصلنا إلى حرم القوات المسلحة الكوبية ببناياتها الحديثة والمجهزة على أعلى مستوى. ومثل أطفال في متجر للألعاب، كنا داخل بناية الذخيرة، يختار كل منا السلاح الذي يريد استخدامه، نلمس البنادق الآلية وشبه الآلية والرشاشات والمسدسات الموضوعة تحت تصرفنا ونختبرها. ولأني لم أستخدم من قبل إلا المسدسات، أردت اختبار شعور التصويب بالبندقية. حين خرجنا إلى العراء واصطففنا للرماية على الأهداف في الجانب الآخر من الوادي، اختبرت لأول مرة أثر الانفجار على الكتف، قوة طلقات الرشاش، طريقة فقدان الجسد لتوازنه وسقوطه إذا لم يتكئ المرء بقوة على ساقيه. كان الآخرون يطلقون النار بحماس فيما كنت تائهة في عالم من الأصوات المنطفئة وأعجز عن استعادة نفسي من شعور بأني تحت الماء. لقد اختبرت بطريقة لا لبس فيها، وبعيدًا عن أي متعة، نفورًا عميقًا من الأسلحة النارية. وتساءلت، كيف سيكون الحال إن أصابني الدور لخوض المعركة إن كان مجرد التدريب على الأسلحة لم يرق لي؟ ظللت أرمي بغضب من دون الالتفات إلى أحد، لينتهي بي المطاف راقدةً على وجهي فوق حجر، إذ عثرت على مدفع رشاش من عيار 50 له ماسورة طويلة تدور على محور واحد. تسمرتُ في مكاني وحركت بإبهاميّ الاثنتين غطاء الزناد. كان السلاح الأكثر فتكًا الذي يمكن استخدامه في هذا المكان لكنه لم يهزني، كان الصوت جافًا لكنه لم يتمدد بداخلي.

وجدت نفسي في ميدان رماية ومن ورائي فيديل كاسترو

– هكذا كنتِ فرحة مع الرشاش الـ50، قال لي فيديل مبتسمًا بخبث حين رأيته بعدها بأيام. لم أجبه. ابتسمت له. والتفت هو ليتحدث مع تيتو والرفاق الساندينيين الآخرين المدعوين إلى هافانا من أجل الاحتفال بالذكرى السنوية العشرين للثورة الكوبية.
اتكأت إلى كرسي. لم يكن ممكنًا تجنب دوران صور فيديل، القديمة والجديدة، في ذهني. كان فيديل أول ثوري أعرف عنه في حياتي. تابعت مغامرته المتمردة كأنها مسلسل على حلقات، إذ وصلت أخباره إلى بيتي وهز مشاعر أبويّ وخاصة شقيقي أومبيرتو، الذي كان زعيم ألعاب طفولتي. لقد قرأت أنا وأومبيرتو من الغلاف إلى الغلاف، وفوق سرير أبويّ، عدد مجلة “لايف” الذي خصص ريبورتاجًا عن فيديل في سييرا مايسترا. وتمكن أومبيرتو حينها، بعد شهور من التدريب، من تقليد عزف آل هيرت تمامًا. غير أن فخره الأكبر كان تقليده البارع لـ دانييل سانتوس، وهو مطرب كوبي بصوت أنفي لا يمكن الخطأ فيه، وقد حقق بأغنية نشيد المتمردين لحركة 26 يوليو شهرته الواسعة. وأثناء الاستحمام أو في لحظات الإلهام المفاجئ، كان أومبيرتو يرج البيت وهو يغني أغنيات دانييل سانتوس: “تقدموا أيها الكوبيون، كوبا ستكافئ بطولاتكم، نحن جنود سنحرر الوطن”. ربما ولدت خطواتي الأولى نحو الوطنية وأنا أنصت إلى أغانيه. كنت أكرر الأغنية وراءه وأفكر سرًا في سوموثا، طاغيتنا. كان فيديل بالنسبة إليّ أكثر رموز البطولة نقاءً ورومانسية. وكان الشبان الملتحون، الشجعان والوسيمون، قد حققوا في كوبا ما لم يحققه في نيكاراغوا أبناء عمومتي النشطون في التمردات ولا بدرو خواكين شامورّو، القائد المعارض، ولا المحافظون. وحين انتصر فيديل، كنت أنا في العاشرة، لكني فرحت واحتفلت بالنصر الكوبي، وشعرت بأن هذا النصر نصري الشخصي.

للفنان باندفورد فليتشر (1858-1936)

بالطبع تبخر كل هذا الحماس بعد ذلك كأنه سحر. لا أعرف بالتحديد ماذا حدث، لكن بين الراهبات في المدرسة، وبين أصدقاء أبويّ، وفي الصحف وفي البيت، شاع خبر بأن فيديل ورفاقه الملتحين قد خدعوا العالم بأسره بمسيحيتهم وطيبتهم فيما كانوا في الحقيقة شيوعيين خطيرين. كانت أمي تقول “انظري، فيديل الذي طلع علينا في مجلة لايف بصليب كبير على صدره، يعلن نفسه الآن ملحدًا”. هل هذا معقول! وتحكي الراهبات حكايات مرعبة عن أنهم في كوبا يخطفون الأطفال من آبائهم ويسوقونهم إلى مؤسسات تعليمية تابعة للدولة، ليعلموهم أن الرب غير موجود وليكونوا شيوعيين. أن تكون شيوعيًا، بالطبع، كان وصمة عار، خطيئة كبرى، والطريق الآمن للفوز بالجحيم. شعرت بحزن على الأطفال الكوبيين حتى سمعت جدي لأمي، فرانثيسكو بيريرا، يقول لصديق صيني كان يزوره يوميًا ويجلسان على كرسيين هزازين على رصيف منزله بـ ليون ليستمتعا برطوبة المساء:”إنها محض أكاذيب. كل ذلك يؤلفونه ليشوهوا سمعة فيديل”، وواصل حديثه، مكررًا عبارات من ذاكرته المبهرة، كلمة وراء كلمة، من خطب كاسترو التي سمعها من راديو هافانا، وبدت لي خطبًا مترعة بكلمات جميلة موجهة للفقراء وذكرتني بخطب الكهنة.
ونتيجة لهذا التضارب في الآراء، لم أعرف أي فكرة أصدقها عن كاسترو. وزاد ارتباكي حين لجأ الرئيس كيندي –وهو معبود أمي- إلى لويس سوموثا لترتيب توجيه ضربة ضد كوبا من شمال نيكاراغوا وعبر غزو “شرم كوتشينوس”. لم أفهم لماذا يرتبط رئيس مثله بعلاقات ودية مع حكومة مثل حكومتنا.

كانت أمي تقول: “انظري، فيديل الذي طلع علينا في مجلة لايف بصليب كبير على صدره، يعلن نفسه الآن ملحدًا”

مَن كان بوسعه أن يتنبأ أن أكون أنا وأخي ذات يوم في هافانا، جالسةً على أريكة ناعمة وأتحدث مع فيديل؟ مع ذلك أفكر أن المرء يأتي إلى الحياة وفي يده بكرة خيط، فلا أحد يعرف التصميم النهائي الذي يغزله، لكن في لحظة محددة من التظريز ينظر المرء إلى الوراء ويقول: “بالطبع، كيف كان ممكنًا أن أكون شيئًا آخر! في رأس الخيط اللامع كان بداية الحبكة.

عن كيف لم أعُد “الزوجة الصالحة”

ماناغوا – 1970
كانت ابنتي في أولى خطواتها بالفعل حين بدأت العمل في وكالة بولبيسا. كنت أنا وبوسكو والشاعر نتولى التواصل مع عملاء الوكالة، وكنا المسؤولين عن تصميم الحملات الدعائية والجزء الإبداعي، كما يطلقون عليه في لغة الدعاية. كان مكتب الشاعر بجوار مكتبي في الصالة، وكانت عبارة عن مقصورة يفصل بين طرفيها جدار رقيق من الخشب الرقائقي المكسو بالخيوط القوية. فقط مكتب بوسكو كان مختبئًا بجدران تصل إلى السقف. أما جدراننا فكانت بنوافذ كبيرة يمكن من خلالها مشاهدة أسطح حمراء من الزنك أو بلاط السقف، أبراج كاتدرائية، بحيرة في الخلفية، وجه البراكين البعيدة والزرقاء على الضفة المقابلة. كانت ماناغوا مدينة التناقضات الصارخة. في الخمسينيات، عندما شهد البلد طفرة اقتصادية ناتجة عن تصدير القطن، بدأ شكل العاصمة في التحديث، لكن معظم المدينة ظل فقيرًا وريفيًا. مع ذلك، كانت البيوت خلابة، مطلية بألوان زاهية، ومشيدة بالطوب الأحمر أو الطوب الطيني.
كان السكان يتركزون في الأحياء الكبيرة المجاورة لطرق المواصلات الرئيسية، وكانت هذه الأحياء تفتقر في الغالب إلى مرافق مياه الشرب أو الكهرباء أو الشوارع المعبدة. كانت الفروق بين حيوات الفقراء والأغنياء شاسعة جدًا، لكن البعض كان يتقبلها بشكل طبيعي، والبعض الآخر يتقبلها بخنوع مسيحي، كما لو كانت نظامًا عالميًا لا يمكن تعديله. كنت أتذكر منذ طفولتي أحياء فقيرة رحنا لزيارتها مع راهبات من المدرسة لإيقاظ طبيعتنا الخيّرة. كان ثمة حي للصيادين على ضفاف البحيرة، وهناك رأيت امرأة عجوزة تأكل الورق مغموسًا في ماء ملوث، بلون القهوة، لتخدع جوعها. كانت امرأة متغضنة، هيكلًا عظميًا، يتدلى جلدها من ذراعيها وتطلق ابتسامة بلا أسنان، ابتسامة حُفرت منذ ذلك الحين في ذهني بكلمة “الظلم”. لم يكن الفقر واضحًا في وسط ماناغوا حيث كان مبنى وكالة الإعلانات، مبنى من خمسة طوابق، بسيط وحديث وخرساني.
كنا نعمل لساعات طويلة في الوكالة، لكننا أيضًا كنا نستمتع كثيرًا. ورغم أن الإعلانات نشاط تجاري، إلا أنها تتمتع بمكانة مرموقة لكونها أحد أنواع الفن. يتطلب الإبداع جوًا غير رسمي وساعات عمل مرنة. لذلك كنا نضحك أنا وبوسكو والشاعر ضحكات عالية، وكلاهما كان يحاول جاهدًا عدم أخذ العمل على محمل الجد. وبحسب رأيهما، لا تتزاوج الجدية مع الإبداع، فالرسميون الجادون يصلحون كموظفين في بنك، أما نحن فشيء آخر. كان شارع “ماديسون أفينيو” مرجعيتنا، وهناك كنا نتابع كل شيء باهتمام كبير بطموح أن نكون أصليين مثل المبدعين الذين صمموا حملات فولكس فاجن بيتل؛ “في فولكس فاجن تستطيع”؛ وحملات آفيس “نحاول بكل جهدنا”، وكذلك حملات ألكا-سلتزر.

أحببت جسد بلدي المكوّن من بحيرات هائلة وبراكين

كان أسلوب العمل يقوي الصداقة والحميمية. وسرعان ما حدس الشاعر صراعاتي كامرأة شابة متزوجة، ضجرة من الهواء الثقيل والراكد في بيئتي الاجتماعية. كان يسخر من التزامي كطالبة من مدرسة راهبات “لا أسونثيون”، ومن الأوقات التي قضيتها كفتاة مجتمع، وصديقة في كاونتري كلوب. كان يفخر بأنه ليس فقط ابن طبقة أرستقراطية في غرناطة، ولكن ابن بيئة فكرية راقية، حيث احتك منذ طفولته بأهم شعراء في البلد. التقى هؤلاء في قصر أبيه، وكان أيضًا شاعرًا ومؤلف سونيتات جميلة وصاحب معرض رائع للفن والتصوير الكولونيالي النيكاراغوي. هكذا عيّن الشاعر نفسه أستاذي الفكري.
– هيا نتناول فنجان قهوة في مقهى لا إنديا. لا تشغلي بالك إن رأوكِ معي هناك، فهذا مكان لا يرتاده إلا الفنانون: رسامون وشعراء، كلهم أصدقاء. هيا، أريد أن أعرّفكِ على ناس مختلفين، ناس يستحقون الكثير في هذا البلد.
في النهاية، تجرأت. اعتقدت أن شرب القهوة لا يسيء إلى أي أحد. كانت أغاني السارينات لا تقاوم، وخاصةً حين تكون في مقهى لا إنديا، وهو مقهى صغير ومتواضع، مكدس دائمًا بالناس والدخان. وإلى أماكن أخرى، مثل معارض فنية متقشفة، اصطحبني الشاعر أثناء ذهابنا إلى زيارة عملاء أو بعد انتهاء الزيارة، فقابلت رسامين وكتابًا وشخصيات أخرى، واطلعت على بُعد آخر، أفراده بسطاء وصاخبون، فقراء في الغالب، يشكلون مجتمعًا يمكن فيه استعارة الكتب والمواد والمال. لقد كانوا يقرؤون ويتناقشون في الأحداث العالمية بنهم؛ حرب فيتنام، فن البوب، التحرر الجنسي، مسؤولية المثقفين، تمرد 68. وكانت أسماء مثل سارتر، كامو، نعوم تشومسكي، ماركس، جياب، تملأ محادثاتهم، كذلك تحدثوا عن أدب الانفجار اللاتيني، رسائل فان جوخ إلى ثيو، أناشيد مالدورور لـ كونت لوتريامون، الهايكو الياباني، كارلوس مارتينيث ريباس، الشاعر المقدس في الأدب النيكاراغوي. كذلك كانوا يسكرون، ويدخّنون الماريغوانا ويهلوسون بقوة، ويقعون في الحب ويسردون مشاكلهم ونشواتهم. كانوا هيبيز مفعمين بالحيوية والفضول. يجتمعون في مكان أدخلني فيه الشاعر، وشعرت بنفسي مثل أليس في بلاد العجائب. لم أكن أدخن، لم أكن أجرؤ على تجربة المخدرات، لم أكن أحب الخمور، لكنهم لم يهتموا لكل ذلك. كنت جمهورهم واستمعت إليهم بإعجاب.
– ألم تقرئي لـ كارلوس مارتينيث؟ وماذا عن كورتاثر وغارثيا ماركيز؟ معقول؟ لقد اكتفيتِ بـ شكسبير ولوبي دي بيجا. اقرئي، اقرئي، كان الشاعر يقول لي ويعيرني الكتب. وكان يرافقني لشرائها من مكتبة صغيرة مزدحمة، وهناك التقينا بشعراء آخرين.
– انظرى، هناك كارليتوس أليمان أوكامبو، هيا نحيّه.
بعد دقيقتين أصبحت أيضًا صديقة لــ كارليتوس، وهو كاتب ورجل صغير الجسد له ابتسامة طفل ومصاب بوسواس اللغة.
وذات يوم من أيام طويلة، أغلق الشاعر باب المكتب بوجه متآمر، ووراء الباب فعل ما جعلني أتراجع للخلف: قبّلني، ولكمته.
– يا وقح! ألا ترى أني امرأة متزوجة.
– الحقيقة أني مغرم بكِ. وكنت سأموت لأقبلك –وابتسم بوجه يمزح، بدون أن يهتم برد فعلي، وهذا ما حيّرني. بدأ يتكلم عن فمي، عن الحسية التي يتمتع بها هذا الفم، وكيف أنه لا يقاوم. ولم يتراجع ملليمترًا وحدًا. لقد تقبل لكمتي كأنها ربتة.
– اتركني في حالي، قلت له.

كان يكفيني أن أسمعه يتحدث بحماسة عن قصيدة، عن قصة، عن طبق لذيذ، حتى أراه جذابًا وفاتنًا..

كانت اقتحامات الشاعر تربكني، وكانت مقاومتي له تتراجع شيئًا فشيئًا. لقد كنت في أعماقي، على الرغم من رفضي، أريده أن يستمر، أن يجعلني أشعر بأني مرغوبة، بأني لا أقاوم. لقد أثارت فيّ الرغبة التي حدستها فيه فضولًا مؤلمًا. لم أكن أعرف ماذا أظن في نفسي، ولا إن كان رد فعلي دليلًا على عيب خطير في شخصيتي. شيء ما أخبرني أني إذا رفضت التعرف على هذا الجزء من نفسي، فلن أتعمق أبدًا في أسرار الحياة، أني لن أعرف الحب الذي قرأت عنه كثيرًا ولم أجده في علاقتي مع زوجي. لم يبدُ لي من العدل أن عقدًا اجتماعيًا مثل الزواج يعني ضمنيًا لزوم الاستسلام للأبد لموقف لم يكن أكثر من نتيجة لحكم خاطئ، لاختيار خاطئ. ومع ذلك أردت أن أكون زوجة صالحة. حاولت أن أثير في زوجي ردودًا تخيلتها في رجل مغرم، لكن محاولاتي اصطدمت بلامبالته. كان يقول لي إنه يحبني، لكن بدا أنه يعتقد أنه ليس في حاجة إلى البرهنة على ذلك. كان يعيش في عالمه الخاص، بعيدًا عني. ولكي أتحدث معه، كان عليّ الانتظار حتى تأتي الإعلانات التلفزيونية لأنه كان يزعجه أن أقاطعه. الحقيقة أننا كنا مختلفين مثل اختلاف النهار عن الليل. كنت أنا ملأى بالفضول والتفاؤل والحيوية، فيما كان هو متشائمًا، يحتمل الحياة بالكاد. كان رجلاً أكبر من عمره بكثير، ولا يتمتع بأي رغبة ظاهرة سوى في الانسحاب بأسرع ما يمكن من عالم يراه مليئًا بالمخاطر والأشخاص المستعدين لإيذائه من دون سبب. في مواجهة شكواي، اختار أن يسكت. يئست من صمته، وكنت أبكي من دون أن أعرف كيف أتصرف.
أثناء ذلك، واصل الشاعر حصاره. “لا أستطيع السيطرة على انجذابي لك”، كان يقول فيما كان يتصنع الاعتذار. وكان يسمي ذلك بهجة الحياة، وهي السمة الأكثر جاذبية في شخصيته، وأكثر ما أغرتني بالنظر إلى نوع الشخص الذي كان عليّ أن أعيش معه. لم يكن الشاعر وسيمًا لكنه كان يتصرف كأنه كذلك، حد أني كنت أرى فيه جمال ابتسامته، جمال عينيه اللامعتين. لا يهمني أنه لم يكن أدونيس، أو أنه كان سمينًا ببضعة أرطال إضافية. كان يكفيني أن أسمعه يتحدث بحماس عن قصيدة، عن قصة، عن طبق لذيذ، حتى أراه جذابًا وفاتنًا.
ليتحداني، وليجعلني أواجه نفسي، كان الشاعر يحلل سلبياتي، حياتي، مفترق الطرق الذي وجدت نفسي فيه. كان يشير إلى المسافة التي تفصلني عن الحب، وكان يؤكد أني لا أعرف الحب. مع ذلك، كانت حسيتي مشهّرة من الوهلة الأولى، كانت تنبثق من جلدي. حتى أصدقاؤه لاحظوها.
– هل تعرفين ما قالوه لي المرة الفائتة؟ إنهم رأوني مع تلك الفتاة التي تنشر حسيتها في كل مكان.
لا يمكن إهدار الحياة، ولا الإلهام. كان يردد هذه العبارة بعناد حين يتحدث بلا كلل عن الأدب، وفيما يقرأ الشعر بصوت عالٍ وبطريقة عاطفية. طريقته جعلتني أتصل بتاريخ نيكاراغوا الكثيف والمعقد. أقول دائمًا إني مدينة للشاعر بأن جعلني على اتصال بروح بلدي. لقد أحببت جسد بلدي المكوّن من بحيرات هائلة وبراكين منتصبة، من شجرات متوجة بتيجان متمردة ومتشابكة، من تجاويف رطبة ومعطرة برائحة القهوة، من غيوم مثل نساء روبنس ، وغروب شمس جامح وأمطار غزيرة. لكن الشاعر هو من قادني لمعرفة عميقة بجذوري في هذا المكان، من جعلني أرى كيف يمكن للماضي أن ينير الحاضر، ما سمح لي بتجميع القطع المبعثرة وأدرك جذور الاضطرابات السياسية، والبؤس الذي كان جزءًا من حياتي. كنت شغوفة بالقراءات التي بدأت من السرديات المدهشة عن الإسبان عندما واجهوا لأول مرة الخضرة المتسعة والجمال الطبيعي في نيكاراغوا، وحتى تاريخ الجنرال ساندينو، ونضاله ضد تدخلات أمريكا الشمالية وسلسلة الأحداث التي أدت في النهاية إلى نشأة ديكتاتورية سوموثا.

مجلة الجسرة الثقافية – العدد 59

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى