عدوى السعادة

Latest posts by د. موزة المالكي (see all)

ﺗﻘﻮﻝ أﺳﻄﻮﺭﺓ قديمة ﺇﻥ ﺇﺑﻠﻴﺲ ﺃﻗﺎﻡ ﻭﻟﻴﻤﺔ ﻟﻠﺸﻴﺎﻃﻴﻦ ﻟﺒﺤﺚ ﻃﺮﻳﻘﺔ ﻹﺧﻔﺎﺀ ﺃﻏﻠﻰ ﻣﺎ ﻳﺒﺤﺚ ﻋﻨﻪ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ، ﺍﻗﺘﺮﺡ ﺷﻴﻄﺎﻥ من الحاضرين فقال: ﻧﺴﺮﻕ ﺛﺮﻭﺗﻪ.

ﺭﺩ ﺇﺑﻠﻴﺲ: ﺑﻞ ﻧﺰﻳﺪﻫﺎ ﺣﺘﻰ ﺗﻜﺜﺮ ﻣﺸﺎﻛﻠﻪ، ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﺗﺰﻳﺪ ﺷﻘﺎﻭﺗﻪ.

ﻗﺎﻝ شيطان ﺁﺧﺮ: ﻧﺴﺮﻕ ﻋﻘﻠﻪ.

ﺭﺩ ﺇﺑﻠﻴﺲ: ﻋﻘﻠﻪ! ﻭﻛﻴﻒ ﻳﺤﺲ ﺑﺘﻌﺎﺳﺘﻪ؟

فقامت ﺷﻴﻄﺎﻧﺔ ﺷﻤﻄﺎﺀ ﻭﻗﺎﻟﺖ: ﻳﺎ ﺇﺑﻠﻴﺲ ﻳﺎ ﻋﺪﻭ ﻛﻞ ﺧﻴﺮ، ﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ ﻫﻲ ﺍﻟﻬﺪﻑ ﺍﻟﻨﻬﺎﺋﻲ ﻟﻜﻞ ﺇﻧﺴﺎﻥ، ﺩﻋﻨﺎ ﻧﺴﺮﻕ ﺳﻌﺎﺩﺗﻪ !

ﻭﺍﻓﻖ ﺇﺑﻠﻴﺲ ﺑﻌﺪ ﺍﻥ ﺗﺄﻛﺪ ﻣﻦ ﺻﺤﺔ ﻗﻮﻟﻬﺎ، ﻭﺳﺮﻗﻮﺍ ﺳﻌﺎﺩﺓ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ. ﻭﻫﻲ ﻓﻌﻼً أغلى ﻣﺎ ﻋﻨﺪه، ﻓﻈﻬﺮﺕ ﻟﻬﻢ ﻣﺸﻜﻠﺔ ﺃﺧﺮﻯٰ. ﻭﻫﻲ ﺃﻳﻦ ﻳﺨﺒﺌﻮﻥ ﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ ﺣﺘﻰ ﻻ ﻳﻌﺜﺮ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻋﻠﻴﻬﺎ.

ﻗﺎﻝ ﺷﻴﻄﺎﻥ: ﻓﻲ ﺃﻋﻤﺎﻕ ﺍﻟﺒﺤﺎﺭ، ﻭﻗﺎﻝ ﺁﺧﺮ: ﻓﻲ ﺃﻗﺎﺻﻲ ﺍﻷﺭﺽ.

ﺭﺩ ﻋﻠﻴﻬﻤﺎ ﺇﺑﻠﻴﺲ: ﻛﻠﻬﺎ ﺑﻀﻊ ﻣﺌﺎﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻨﻴﻦ، ﺣﺘﻰ ﻳﺨﺘﺮﻉ ﺍﻟﻄﺎﺋﺮﺓ ﻭﺍﻟﻐﻮﺍﺻﺔ ﻋﺎﺑﺮﺍﺕ ﺍﻟﻘﺎﺭﺍﺕ !

ﻫﻨﺎ ﻗﺎﻣﺖ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻧﺔ ﻭﻗﺎﻟﺖ: ﻳﺎ ﺇﺑﻠﻴﺲ.. ﻳﺎ ﺻﺎﺣﺐ ﻛﻞ ﺷﺮ، ﺣﺘﻰ ﻻ ﻳﻌﺜﺮ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﻤﻨﻜﻮﺩ ﻋﻠﻰٰ ﺳﻌﺎﺩﺗﻪ.. ﺧﺒﺌﻬﺎ ﻓﻲ ﻣﻜﺎﻥ ﻻ ﻳﺨﻄﺮ ﻋﻠﻰ ﺑﺎﻟﻪ؛ ﺧﺒﺌﻬﺎ ﻓﻲ ﺃﻋﻤﺎﻕ ﻗﻠﺒﻪ!

ﺳﻴﺒﺤﺚ ﻋﻨﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺜﺮﻭﺓ ﻭﻟﻦ ﻳﺠﺪﻫﺎ، ﻭﻓﻰ ﺍﻟﺸﻬﺮﺓ ﻭﻟﻦ ﻳﺠﺪﻫﺎ، ﻭﻣﻊ ﺍﻟﺠﻨﺲ ﺍلآﺧﺮ ﻭﻟﻦ ﻳﺠﺪﻫﺎ، ﻷﻥ ﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ ﻓﻲ ﺩﺍﺧﻠﻪ ﻭﻟﻴﺴﺖ ﺧﺎﺭﺟﻪ!

ﺍﻧﺤﻨﻰ ﺇﺑﻠﻴﺲ ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻧﺔ، ﻭﺃﻟﺒﺴﻬﺎ ﺟﻤﺮﺍً ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺭ ﻣﻜﺎﻓﺄﺓ ﻟﻬﺎ، ﻭﻣﻨﺬ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ، ﻭﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻳﺒﺤﺚ ﻋﻦ ﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﻜﺎﻥ إلا ﻓﻲ ﺃﻋﻤﺎﻗﻪ ﻭ ﺩﻭﺍﺧﻠﻪ.

العبرة من هذه الاسطورة ﺍﻧﻚ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪ ﺍﻟﺬﻱ تصنع ﺳﻌﺎﺩتك، فالسعادة ﻻ ﺗﻤﻨﺢ إﻧﻤﺎ ﺗﺼﻨﻊ، والسعادة تختلف باختلاف الأشخاص والثقافات والمعتقدات والمجتمعات، ولكنها في النهاية تتجسد بالرضا عن النفس والقناعة بالحياة التي نعيشها وأن نعيش هذه الحياة كما هي بدون تصنع ولا مبالغة، مع الإيمان بالله وقضاءه وقدره، فهناك السعادة المؤقتة التي تدوم لفترة قصيرة من الزمن، وغالبًا ما ترتبط بموقف أو حدث سار عابر، يشعر به الإنسان لبعض الوقت، بعدها يعود إلى حالته الانفعالية العادية، المرتبطة بشخصيته أو كينونته الداخلية.

وهناك السعادة الطويلة المدى التي تدوم لفترة زمنية طويلة، ولعل أغلب الناس يبحثون عنها، ويتمنون الحصول عليها، كونها تعطي المرء شعورًا مستمرًا بالبحث عما يجعله ينطلق بكل إيجابية ورحابة نحو الحياة، فالسعادة من المفاهيم الأكثر تداولًا بين الأفراد من باب التمني، أي أن الكثير من الناس يذكرونها بصفة يومية تقريبًا ضمن أحاديثهم العامة حول الحياة، وأهمية التمتع بها، ويتغنون بذلك الشعور الإيجابي خلالها، إن الإنسان نفسه قد تختلف نظرته للسعادة باختلاف نظرته للحياة وللمؤثرات التي حوله واختلاف أطواره الزمنية، وفي الوقت الذي يحصل فيه الفرد على ما يلائمه وما يسعى إليه فإنه يعيش بهذا شكل من أشكال السعادة بحصوله على ما كان يسعى إليه بالرغم من الصعوبات المختلفة التي قد تواجهه، فمصادر السعادة تختلف من فرد لآخر.

السعادة النفسية انفعال وجداني إيجابي يحاول الإنسان الوصول إليه باعتباره من الغايات الأساسية الإيجابية، وقد وضع علماء النفس مصادر للسعادة النفسية والتى صنفوها إلى مصادر شخصية ومصادر سعادة اجتماعية والتى يكون تحقيقها وفق إدراك كل شخص لها، فمصادر السعادة الشخصية تتمثل فى الصحة أولًا..ولا يقصد بها الخلو الكامل من الأمراض، إنما الصحة النسبية، كذلك وجود أهداف محددة في الحياة، ومن مصادر السعادة أن يكون الإنسان على قدر من التعليم والثقافة والوعي.

أما مصادر السعادة الاجتماعية تتمثل فى الجو الأسري الإيجابى، ووجود أصدقاء فى حياة الشخص لمشاركة الوقت معهم، فالصداقة ووجود شبكة من العلاقات الاجتماعية الجيدة والتي تتمتع بالإيجابية، وذلك من منطلق أن السعادة تنتقل بالعدوى حسب علم النفس، وإن وجود الشخص في محيط مستقر نفسيًا يساعده على الاستقرار ويزيد من راحته النفسية، ويجعل انفعالاته منطقية ومناسبة للمواقف والظروف التي يمر فيها.

وختامًا هناك ما يجلب للمرء سعادة روحية ووجدانية لا مثيل لها وهي المحافظة على الاستغفار يوميًا، فالاستغفار سبب رئيسي في منع الضيق والهم، والمحافظة على الصلاة وخاصة صلاة الفجر في وقتها، والمحافظة على صلاة الجماعة، والمحافظة على قراءة القرآن الذي هو شفاء للصدور، وهو علاج لجميع الأمراض النفسية وخاصة الاكتئاب.

مجلة الجسرة الثقافية – العدد 59

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى