عندما أذبت الفولاذ

Latest posts by محمود بيرم التونسي (see all)

يذيبون الفولاذ في “بودقة” مستطيلة معلقة من جانبيها بمسمارين فى الهواء وكأنها لضخامتها صومعة صغيرة.
هذه البوتقة تجذب نظر الداخل إلى المسبك أكثر من غيرها من الآلات. وإذا أرادوا إذابة الحديد سلطوا عليه وهو في جوفها تيّاراً غليظاً من اللهب تبلغ حرارته الثلاثة آلاف درجة يُسمع له نفخ يصم الآذان ويرعب القلوب. وفي أثناء ذلك تتطاير منه ملايين من شرر كبير جميل المنظر لكل واحدة شعب كشعب النجوم. بينما يقف العمال مبتعدين في انتظار الساعة العصيبة التي سيصب فيها هذا الحديد الذايب في “سطول” يحملونها بأيديهم ليفرغوها في فوهات القوالب المبنية على الأرض. وما هو إلا أن يصرخ المهندس فتدار العجلة المثبتة فى جانب البودقة فتميلها و”السطل” تحت فوهتها يحمله اثنان من العملة على عمود طويل من الحديد فينساب فيه هذا السائل الجهنمي فيصمد الفعلة لوهجه الذي يشوي الوجوه. والقطرات الغليظة التي تتطاير منه وتنزل على أبدانهم فتحرق الملابس والنعال إلى أن يمتلئ السطل فيركضون به. وفيه الحديد كقرص الشمس ولكنه يترجرج ويتموج حتى يصلوا به إلى القوالب المصطفة بجانب بعضها كأنها مقبرة أطفال ويفرغون سطلهم ويعودون إلى البودقة. ولا يمكث الحديد في القالب إلا بضع دقائق ثم يُهدم وتخرج منه القطعة المسبوكة مليئة بالطين. وعملية الهدم أشق على العمال من الصب، إذ يرفعون الطين بالجواريف في حركة دائبة سريعة لا هوادة فيها ولا توان. ولا تبرد قطع الحديد قبل شروق شمس اليوم الثاني!
لا يوجد عامل مسبك نظيف الثياب. فالأرض مفروشة بطين أحمر تغوص فيه الأقدام بأحذيتها والغبار يكسو الوجوه والأبدان بعدة ألوان.
هذه المعامل تغالط العمال مغالطة طريفة فتقبلهم بعنوان براد أو مشذب “باريير” وأنواع مختلفة من الألقاب الصناعية، وإذا خرج حمل شهادة ممتازة كالعمال الفنيين. وحقيقة الأمر أنه “فعال” يؤدي أشغالاً شاقة لا أكثر ولا أقل.
توجد عملية أخرى جهنمية: خرطوم يندفع منه الهواء بقوة عظيمة. وهذا الهواء يحمل ذرات صغيرة من الجلمود المجروش فيسلط على القطعة التى خرجت من القالب فيزيل ما عليها من الأوساخ التى أصبحت كأنها قطعة منها ولا تفلح إزالتها المبارد والأدوات الحادة.
والعامل الذى يستعمل هذا الخرطوم يكسو رأسه بخوذة كخوذة الغطاس، أو يتلف وجهه بالحصى المتطاير كحبات الرصاص.
ورغماً عن أن القطعة المراد تنظيفها توضع فى شبه صندوق محكم القفل ليس فيه غير ثقب يدخل منه الخرطوم، فإن الغبار الجيرى الدقيق ينعقد فى المكان كثيفاً حتى يكاد يحجب العامل وما حوله.
كثير من إخواننا القبائليين يتهافتون على هذه الشغلة لأنهم يتقاضون 75 سنتيماً فى الساعة زيادة عن بقية العمال مع ليترين من الحليب لوقاية الرئتين من هذا الغبار القاتل.
وينقص نصف عمرهم بلا جدال.
ستة شهور قضيتها فى هذا المسبك وما زلت أحمل شهادته.
——————
* المقال من “يوميات المنفي” للشاعر بيرم التونسي (23 مارس 1893 – 5 يناير
1961) ننشره في ذكرى ميلاده، وقد نشره للمرة الأولى في جريدة السردوك
التونسية في 14 أبريل 1937، والعنوان من وضع هيئة تحرير مجلة الجسرة،
حيث كانت المقالات تنشر تحت عنوان «يوميات المنفي».

 

مجلة الجسرة الثقافية – العدد 60

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى